النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11200 الأحد 8 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مرضية.. لا يمكنهم قتل الأغنية

رابط مختصر
العدد 7876 الثلاثاء 2 نوفمبر 2010 الموافق 25 ذو القعدة 1431هـ

أغمضت في 13 أكتوبر 2010 عينيها وروحها للأبد المغنية الإيرانية الكبيرة، والتي تشكل للثقافة الإيرانية كنزا وطنيا، وهي للإيرانيين ليس في عالم الأغنية وحسب بل والمسرح والثقافة العلامة التاريخية المميزة للقرن العشرين والعقدين الأخيرين من الألفية الثالثة، إنها كاروزو للايطاليين وأم كلثوم وفيروز للعرب ومرسيدس سوسا الأرجنتينية لأمريكا اللاتينية «توفت سوسا في 4 أكتوبر عام 2009 وهي عاشت حياة المنفى في باريس وغيرها من البلدان تتنقل بصوتها وأغنياتها، وعادت مع سقوط الدكتاتوريات في القارة»، وفكتور هارا التشيلي أيضا، إنها المزيج الثقافي والوطني عندما تكون الأغنية متراسا أماميا للنضال الوطني، فهي إلى جانب شدوها العاطفي داخل الروح الإيرانية بقت كجلمود صخر صامد أمام التغيير السلبي والظلامي الذي مس الثقافة والسياسة والمجتمع في إيران عندما صعد التفكير الديني والتسلط إلى سدة الحكم بعد رحيل الشاه، وولوج الأغنية سجنا جديدا وسجن الصوت الإنساني عن الغناء عبر القوانين والأنظمة والقرارات والسلوكيات التعسفية من قبل نظام الملالي في الجمهورية الإسلامية. ظلت صامتة «مرضية» ولكن دون رضاها، منذ عام 1979 حتى العام 1994 وهي السنة التي غادرت فيها وطنها على مضض، حيث الانفجار الداخلي في روحها ظل يغلي ولا يمكنها القبول طويلا، ليس بسجن نفسها بل وبحرمان الشعوب الإيرانية والإنسانية من صوتها «المخنوق» فكان عليها أن تحمل معاناتها في المنفى ولكن دون أن تنسى بترك صوتها داخل إيران يعلو ويرتفع ويهبط ثم يعود بين أروقة جدران البيوت، متسللا خفية لكي تحمله ربات البيوت في حوشهن ومطابخهن، فلاغاني مرضية نكهة «الف أغنية» تسكن بين جوانح الشعب وطرقاته وشعابه. خرجت مرضية بجسدها ولكن روحها أبت الخروج تاركة لتربة وطنها احتضان سر صوتها وأغانيها بين شدو البلابل والأنهر والوديان وفي قلب المدن والقرى النائية، المتقدة بالغضب والمسكونة بالحزن. كانت تدرك مرضية أنها رغم الانتماء والانحياز للأغنية الوطنية إلى جانب العاطفية، إنها تنحاز للانتماء إلى منظمة مجاهدي خلق، حيث عاشت في محطتها الأولى في معسكر اشرف في العراق، وهناك تجرعت مرارة العيش والتعب، ولكنها لم تعرف الاستسلام، فقد كان في داخلها صوتها يغني للأجمل وللقادم، حيث الأغنية تبقى مسكونة في قلوب الناس على مر الأجيال وفي عمق التاريخ، فالأغنية هي الإنسان، وكما رددت فيروز أغنيتها الشهيرة أعطني الناي وغنى فالغناء ملك الوجود، فهل بإمكان من خنقوا شعب بكامله وردحا من التاريخ امتلاك الوجود، امتلاك الأغنية ؟! تكون مرضية واحدة من تلك الظاهرة فصوتها هو وجودها الأبدي. قد يسكن جثمان المنفيين عن وطنهم ديار بعيدة، باردة ، منسية، وهذا قدر السياسيين، ولكن الأدباء والفنانين كنموذج مرضية سيبقى مخلدا في ذاكرة التاريخ، فالأغنية صوتا أبديا ليس في «البرية» وحسب بل وفي البشرية قاطبة أيضا. فاتني أن التقي هذه المرة العظيمة وكان حلمي كبيرا بلقاء نساء عظيمات من نوعها، فلا احد يعرف إن هذه المرأة غنت في حياتها أمام ملكة انكلترا، إليزابيث الثانية، والجنرال ديغول والرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون، مثلما كانت في بداية الخمسينات والستينات وبعدها معمارا ثقافيا شامخا في وطنها وخارجه. في صمت مهيب عند قبرها في مدينة النور / خارج ضواحي باريس، نثرت مريم رجوي على قبرها ترابا من معسكر اشرف الذي يضم 3500 من محازبيها في شمال بغداد، اشرف المطوق بكل أشكال الغدر والحصار واللعنة. ومع ذلك سيكون لصوت مرضية صداه الدائم في أرواح شعبها أينما يكونون وكيفما يكونون، فقد قرر الجميع ركوب سفينة المواجهة مهما كانت الزوابع والعواصف المدمرة، ففي النهاية سيرافقهم في رحلة الحياة صوت مرضية. ماتت المغنية العجوز مرضية كصبية حلوة الملامح ضحوك ومتفائل، عن عمر ناهز 86 عاما ومع ذلك أحيت حفلا في باريس عام 2006 ، فكان صوتها يتعدى الآفاق الكونية نحو أمكنة كانت تحبها في جولاتها في ضاحية العاصمة طهران عندما كانت محاصرة، فكانت تقول كنت اغني للجبال والطيور والمياه والتلال، لكي لا يصل صوتي إلى احد من الملالى الذين يقولون إن الموسيقى مفسدة «مكملة كلامها دائما بقول عذب وجميل» إنني أترنم في الدرجة الأولى بأغنية الحب.. ففيما في إيران سجنوا الحب وقتلوا الحب،أقول صدقت ولكني أضيف يا «أمنا» مرضية ماذا لم يقتل في إيران؟! اعتقد أنها أغنياتك فهي ستبقى في الباطن ومن الصعب اعتقال الأغنية، فقد ردد طلبة البولتكنيك في شوارع أثينا في زمن حكم الجنرالات أغنيات الموسيقار المسجون ثم المنفي ميكيس ثيودراكيس أغنيات ممنوعة، يومها اكتشفوا إن الدبابة لا يمكنها أن توقف الأغنية. ظلت الدبابات في الشوارع عاجزة أمام الأغنية وسيصمت النظام هناك أمام خشوع الشعب الإيراني للأغنية العظيمة وصاحبتها البعيدة بجثمانها عن تراب الوطن، ولكنها القريبة بروحها وصوتها إليه. مرضية، «ارجعي إلى ربك راضية مرضية» فصوتك سيبقى بيننا دائما وأبدا فمن منا لا يحب أغاني الحب والوطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا