النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

مقاعد اليسار الخالية

رابط مختصر
العدد 7872 الجمعة29 أكتوبر 2010 الموافق 21 ذو القعدة 1431هـ

في‏ 25 ‏نوفمبر‏ 1866، ‏وفي عهد الخديو إسماعيل‏، ‏اجتمع أول مجلس نيابي منتخب في تاريخ مصر‏، ‏وكان يتكون من‏ 75 ‏عضوا‏، ‏وعندما دخل شريف باشا ـ وزير الداخلية ـ إلي قاعة الجلسة قبل بدئها‏، ‏قال للنواب إن التقاليد المتبعة في البلاد الأوروباوية التي تعرف البرلمانات‏، ‏تقضي بأن يجلس النواب المؤيدون للحكومة في مقاعد الجانب الأيمن من القاعة‏، ‏بينما يجلس النواب المعارضون في مقاعد اليسار‏، ‏وفي ثوان كان النواب قد انتقلوا جميعا إلى مقاعد اليمين‏، ‏ولما اعترض على خلو الجانب الآخر من النواب‏، ‏أسرعوا جميعا ينتقلون إلى مقاعد اليسار‏، ‏فضحك وطلب إليهم أن يجلسوا حيثما اتفق‏، ‏إذ لا ضرورة لاتباع التقاليد البرلمانية الأوروباوية‏!‏ وكان تردد الدائنين الأوروبيين في منح إسماعيل مزيدا من القروض بضمان ممتلكاته الشخصية‏، ‏هو الذي دفعه لتأسيس هذا المجلس النيابي‏، ‏ليطمئن الأجانب إلى أن إيرادات الدولة تضمن لهم ديونهم‏، ‏ويوسع نطاق من يقترض منهم ليشمل أعيان البلاد من كبار ملاك الأراضي‏، ‏لذلك قصر حق الترشيح وحق التصويت على عمد البلاد ومشايخها وكبار تجارها‏، ‏وقصر سلطة المجلس على إبداء الرأي فقط فيما تعرضه عليهم الحكومة دون غيره‏.‏ ومع تعقد أحوال البلاد وتفاقم أزمة الديون‏، ‏انتقل كثيرون من أعضاء المجلس إلى مقاعد اليسار ـ كما يحدث في البلاد الأوروباوية ـ وبدأوا يعارضون الحكومة ويحرجونها ويطالبون بتوسيع اختصاصاته ليكون رأيه إلزاميا للحكومة‏، ‏وفي الجلسة قبل الأخيرة أصر المجلس على أن يكون له رأي في القوانين المالية‏، ‏ولما تهربت الحكومة‏، ‏واستصدرت أمرا من الخديو بإنهاء الفصل التشريعي قبل انتهاء مدته‏، ‏رفضوا القرار وكرر زعيم المعارضة عبدالسلام المويلحي باشا‏، ‏مقولة زعيم الثورة الفرنسية ميرابو الشهيرة‏: ‏لن نغادر أماكننا إلا على أسنة الرماح‏.‏ وهكذا بدأت الانتخابات البرلمانية في مصر‏، ‏باعتبارها موضة أوروباوية ثم تحولت مع الممارسة إلى مطلب رئيسي من مطالب الثورة العرابية‏، ‏التي استصدرت ـ عام‏ 1882 ‏ـ دستورا يمنح النواب سلطة أوسع في التشريع والرقابة‏، ‏لكن مجلس النواب الذي تشكل طبقا له لم يعش سوى دورة واحدة‏، ‏انتهت بهزيمة الثورة‏، ‏واحتلال مصر‏، ‏وبالعودة إلى تشكيل مجالس نيابية شكلية‏، ‏يجري انتخابها على قواعد أكثر ضيقا من القاعدة التي انتخب على أساسها المجلس الأول عام‏ 1866، ‏هي مجلس شوري القوانين‏، ‏ثم الجمعية العمومية والجمعية التشريعية‏.‏ وكان دستور‏ 1923، ‏أحد أهم المكاسب التي حققتها ثورة‏ 1919، ‏وفي ظله أصبحت مصر أقرب إلى ملكية دستورية‏، ‏ومع أن الانتخابات الأولى التي جرت تطبيقا له‏، ‏قد أجريت على درجتين‏، ‏ينتخب في الأولى كل ثلاثين ناخبا مندوبا عنهم‏، ‏ثم ينتخب المندوبون النائب الذي يفوز بالأغلبية إلا أن تعديلا ـ أدخله مجلس النواب الأول ـ أقر قاعدة الانتخاب المباشر على درجة واحدة‏، ‏لتظل قاعدة عامة للانتخابات البرلمانية المصرية منذ ذلك الحين‏، ‏باستثناء الانتخابات التي جرت ـ على درجتين ـ في ظل دستور‏ 1930، ‏وظل نظام المقعد الفردي هو السائد باستثناء انتخابات‏ 1984، ‏التي جرت بنظام القائمة الحزبية المشروطة‏، ‏و‏1987، ‏التي جمعت بين القائمة الحزبية والمقاعد الفردية‏.‏ وعلي الرغم من مرور قرن ونصف القرن على ممارسة المصريين لحق الانتخاب فإن حماستهم له‏، ‏لا تتناسب مع هذا الزمن الطويل‏، ‏والشواهد علي ذلك كثيرة‏، ‏لعل أبرزها تدني عدد المشاركين في الانتخابات العامة إلى ما يقرب من‏ 25% ‏فقط من المقيدين في جداول الانتخابات‏، ‏وانخفاض هذه النسبة في المدن‏، ‏حيث يفترض ارتفاع درجة الوعي بالشؤون العامة عنها في الريف‏، ‏الذي يقبل سكانه على المشاركة في الانتخابات تحت ضغط عوامل فطرية وغير سياسية‏، ‏كعلاقات الدم والجوار والدين‏.‏ ومن الشواهد الأخرى على ذلك‏، ‏أن محك المفاضلة بين المرشحين لدي الناخب‏، ‏هو مقدار ما قدمه ـ وما يمكن أن يقدمه ـ له ولأسرته من خدمات خاصة‏، ‏وفي أحسن الأحوال ما يمكن أن يقدمه من خدمات عامة للقرية أو للشارع الذي يسكن فيه‏، ‏بينما تحتل رؤيته السياسية ومدى كفاءته لممارسة سلطة التشريع والرقابة‏، ‏التي ينيطها به الدستور‏، ‏مرتبة متأخرة في سلم المزايا التي ينبغي أن تتوافر في الناخب‏، ‏وقد لا يكون لها مكان فيها‏.‏ ويعود السبب في ذلك إلى توقف ممارسة المصريين لحق الانتخاب لفترات طويلة‏، ‏أو لعدم توافر الشروط التي تجعل ممارستهم له‏، ‏تعبيرا عن اختياراتهم السياسية‏، ‏فالموجة الأولى من هذه الممارسة التي بدأت عام‏ 1868، ‏ووصلت إلى ذروتها بانتخاب مجلس نواب الثورة العرابية عام‏ 1882، ‏انقطعت في العام التالي لمدة أربعين سنة‏، ‏قبل أن يعودوا لممارسة هذا الحق عام‏ 1924، ‏الذي تعرض خلال مرحلة ما بين الثورتين لانقلابات دستورية أوقفت تطبيق الدستور أو استبدلته بغيره‏، ‏فضلا عن أن هذه المرحلة شهدت تصاعدا في ظاهرة تزوير الانتخابات‏، ‏التي بدأها وزير الداخلية إسماعيل صدقي‏، ‏عام‏ 1925، ‏وتواصلت بعد ذلك في انتخابات‏ 1931 ‏و‏ 1938 ‏و‏ 1944 .‏ وكان الرئيس عبدالناصر‏، ‏يؤمن بأن المصريين معقدون نفسيا من تزوير الانتخابات‏، ‏وأن من الأفضل لحكمه أن يحول دون ترشيح العناصر التي لا يريدها في المجلس النيابي‏، ‏فمنح الاتحاد القومي‏، ‏حق شطب المرشحين غير المرضي عنهم‏، ‏وفيما بعد أصدر قانونا يعزل سياسيا العناصر التي اعتبرها من أعداء الشعب ليمنعهم من الترشيح‏، ‏وترك الانتخابات البرلمانية الثلاثة التي أجريت في عهده من دون تدخل‏، ‏لكنها جرت جميعها في ظل إلغاء الحق في التعددية الحزبية‏، ‏وهو ما أفقد ممارسة حق الانتخاب‏، ‏ركنا أساسيا في ديمقراطيته‏، ‏وهو الاختيار بين رؤى وبرامج سياسية تعبر عن اتجاهات الرأي العام‏، ‏لتحل محلها العوامل الفطرية مثل المصلحة الخاصة أو الانتماء الأسري أو الجغرافي أو الديني في المفاضلة بين المرشحين‏.‏ ولأن التعددية الحزبية التي عادت عام‏ 1976، ‏لم تكن هي ذاتها التي اختفت عام‏ 1953، ‏إذ أصبحت أقرب إلي صيغة الحزب الواحد في قالب تعددي‏، ‏فقد فشلت حتي الآن في استعادة الطابع السياسي للانتخابات البرلمانية‏، ‏بل على العكس من ذلك رسخت مفهوم النائب الذي يختاره الناخبون على أسس سياسية‏، ‏ليكون ـ في الظاهر ـ عضوا في سلطة التشريع والرقابة‏، ‏ويلعب ـ في الحقيقة ـ دور الوسيط بين السلطة التنفيذية وبين الذين منحوه أصواتهم‏، ‏ويتولى توصيل الخدمات العامة والخاصة إلى كل ناخب في منزله‏، ‏ويحصل من الحكومة مقابل ذلك على نصيب من الامتيازات‏، ‏يصبح من المشروع أن يدفع جانبا منها‏، ‏ثمنا للأصوات التي تنتخبه‏.‏ وهكذا لم يعد الذين يفوزون في الانتخابات البرلمانية‏، ‏حتي حين تكون نزيهة بنسبة‏ 100% ‏في حاجة إلى من يذكرهم‏، ‏بأن النواب المؤيدين للحكومة في البرلمانات الأوروبية يجلسون في مقاعد اليمين‏، ‏والذين يعارضونها يجلسون في مقاعد اليسار‏، ‏فهم يدلفون من باب القاعة إلى مقاعد اليمين‏، ‏بينما تظل مقاعد اليسار فارغة حتي نهاية الفصل التشريعي‏.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها