النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

محمدحسنين هيكل.. ومنهج المفتش كرومبو في البحث عن قاتل عبدالناصر

رابط مختصر
العدد 7844 الجمعة 01 أكتوبر 2010 الموافق 22 شوال 1431هـ

قبل أيام من الذكرى الأربعين لرحيل عبدالناصر‏،‏التي تحل يوم الثلاثاء المقبل،‏تجدد الجدل حول ظروف وفاته، وهل كانت طبيعية أم أنها تمت بفعل فاعل؟ بمناسبة الإشارة التي وردت في حلقة الأسبوع قبل الماضي‏، من برنامج رحلة حياة الذي يقدمه منذ سنوات الأستاذ محمد حسنين هيكل‏.‏ وكان هيكل يستعرض في هذه الحلقة‏، الخطط والسيناريوهات التي وضعها أكثر من جهاز للمخابرات لاغتيال عبدالناصر‏، كان من بينها الخطط التي وضعتها المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والإنجليزية والفرنسية والإيرانية، حين تطرق إلى ما أسماه الشائعة التي تنسب للرئيس الراحل أنور السادات دورا في اغتيال عبدالناصر، قائلا‏: إنها تتعلق بواقعة كان بنفسه شاهدا عليها‏، جرت في جناح عبدالناصر بفندق هيلتون النيل بالقاهرة، قبل ثلاثة أيام من رحيله عن الدنيا‏.‏ وكان الرئيس عبدالناصر يقيم خلال الأسبوع الأخير من حياته بالفندق، ليشترك في مناقشات مؤتمر القمة العربية الطارئ، الذي كان قد دعي إليه، للبحث عن وسيلة لوقف الاشتباكات الدموية التي كانت تجري آنذاك بين الجيش الأردني وفصائل المقاومة الفلسطينية، ويلتقي بين الجلسات مع عدد من الملوك والرؤساء العرب، في جناحه أو أجنحتهم بالفندق، لتقريب وجهات النظر، كان من بينها اجتماع ضمه مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، عقد في جناح عبدالناصر، جرت بينهما خلاله مناقشة حادة، حاول خلالها عبدالناصر أن يسيطر على انفعاله وهو يقول لـ أبوعمار:‏ إما ننزل الآن إلى قاعة المؤتمر ونفض الموضوع أو نتكلم كلام جد ونتفق.‏ عند هذا الحد،‏تدخل أنور السادات الذي كان يتابع المناقشة هو ومحمد حسنين هيكل، ليقول مخاطبا عبدالناصر:‏يا ريس إنت محتاج فنجان قهوة. أنا ح أعمله لك بإيدي.‏ وبالفعل دخل أنور السادات إلى المطبخ الملحق بالجناح وأخرج المسؤول عنه،‏وعاد بعد قليل ليضع فنجان القهوة أمام عبدالناصر الذي شربه‏.‏ وليست هذه أول مرة تذاع فيها واقعة تشكك في أن ظروف وفاة عبدالناصر كانت غير طبيعية،‏بل إن هذه الشكوك قد أثيرت في أعقاب الوفاة بساعات، وكان الذي أثارها هو حسن التهامي، أحد الضباط الأحرار،‏وكان يعمل آنذاك مديرا للقصر الجمهوري بالقبة، إذ طالب في الاجتماع الذي عقده أركان الحكم بعد الوفاة مباشرة، لبحث ترتيبات الجنازة وإجراءات نقل السلطة،‏بتشريح الجثة للتأكد من سبب الوفاة‏، لكن الأطباء الذين كانوا يشرفون على علاج عبدالناصر، والذين كانوا حول سريره قبل أن يلفظ أنفاسه، أكدوا أن الوفاة طبيعية،‏وأنه لا داعي إلى هذا الإجراء، وفيما بعد اتهم حسن التهامي أفراد المجموعة التي كانت تسمى بمراكز القوى والتي تضم شعراوي جمعة،‏وسامي شرف، والفريق محمد فوزي وغيرهم، باعتبارهم عملاء للمخابرات السوفيتية،‏تعاونوا معها في تسميم عبدالناصر لكي يتولوا السلطة بعده،‏ويحولوا مصر إلى جمهورية ديمقراطية شيوعية تدور في الفلك السوفيتي.‏ وفي هذا السياق نفسه، جاءت قصة الدكتور علي العطفي الذي كان عميدا لمعهد التربية الرياضية‏، وقبض عليه بتهمة التجسس لإسرائيل، وحكم عليه بالسجن لمدة 25 سنة مع الأشغال الشاقة‏، وأشاع عن نفسه في أوساط المسجونين الذين كان يمضي معهم مدة العقوبة،‏أنه كان أحد أفراد الفريق الطبي المعالج للرئيس عبدالناصر، بصفته إخصائيا في العلاج الطبيعي،‏وانه كان يدلك جسده بزيوت وأدهنة مشبعة بسم بطيء‏، لا يترك أي مضاعفات سريعة‏، ويؤدي إلى الموت بعد وقت طويل،‏ثم اتضح أنه لم يكن في يوم من الأيام ضمن الفريق المعالج لعبدالناصر، الذي كان يتلقى العلاج الطبيعي على يد إخصائيين من جهاز التأهيل المهني التابع للقوات المسلحة.‏ وجاء تصريح الدكتورة هدى عبدالناصر، في برنامج تلفزيوني أذيع منذ حوالي عامين،‏ليكون أ‏ول اتهام مباشر يصدر عن أحد أفراد أسرة عبدالناصر، ينسب إلي الرئيس السادات تهمة الضلوع في قتل عبدالناصر،‏وهو اتهام لم تقدم د‏.هدى أية تفاصيل أو أدلة تثبته، سواء فيما أذاعته، أو أثناء نظر الدعوى القضائية التي أقامتها ضدها رقية السادات، الابنة الكبرى للرئيس السادات، تطالبها بإثبات الواقعة،‏أو تكذيبها أو دفع التعويض المدني عن الإساءة إلى السادات وأسرته، فرفضت أن تكذبها وتمسكت بصحتها واختارت أن تدفع التعويض.‏ ما يلفت النظر هو أن هذه الشائعات لم تنتشر إلا بعد وفاة عبدالناصر والسادات بسنوات، ومع أن عبدالناصر قد مات، وهو في سن صغيرة نسبيا،‏إذ لم يكن قد أكمل بعد عامه الثاني والخمسين‏، وفاجأت وفاته العالم كله،‏الذي لم يكن يعلم شيئا عن مرضه، بسبب التعتيم الكامل الذي أحيطت به أنباء حالته الصحية‏، إلا أن الأسبوع التالي للوفاة شهد إزاحة الستار عن تاريخه المرضي، فقد أصيب بمرض السكر في أعقاب تفكيك الوحدة المصرية السورية عام 1961، وثقلت وطأته عليه خلال السنوات الست التالية بسبب الأزمات المتلاحقة الداخلية والعربية والدولية‏.‏ وبعد هزيمة 1967، وصلت مضاعفات السكر إلى شرايين الساق‏، ثم بدأت تزحف في اتجاه شرايين القلب،‏ولم تكن الأبحاث الطبية قد توصلت بعد إلى إمكان استبدال الشرايين التالفة بغيرها كما يحدث هذه الأيام، وفي صيف عام 1969، أصيب بجلطة في شرايين القلب‏، في أعقاب سماعه لخبر نجاح الإسرائيليين في إنزال قوات محمولة في جزيرة الزعفرانة بالبحر الأحمر،‏وقامت بالاستيلاء على أحد أجهزة الرادار،‏ونصحه الأطباء بالراحة التامة، والبعد عن الانفعال، وتقليل ساعات عمله إلى الحد الأدنى،‏لكن لم يكن يستطيع إلا أن يواصل الجهد لاستكمال بناء القوات المسلحة لتكون قادرة على تحقيق النصر‏.‏ وبإزاحة الستار عن هذه الحقائق‏، أيقن الجميع أن وفاة عبدالناصر كانت النهاية الطبيعية والمنطقية لتطور حالته الصحية‏، ولم تساور الشكوك أحد - خصوصا المنتمين إلى الحلقة الضيقة المحيطة به - في أن الوفاة طبيعية،‏إذ كانوا جميعا بمن فيهم الأستاذ هيكل يعرفون حقيقة الحالة الطبية له‏، لكن هذه الشكوك بدأت تساور بعضهم، بعد أن حسم الصراع على السلطة بين ورثة عبدالناصر لصالح أنور السادات، ليستخدمها في تطبيق سياسات مناقضة لسياسات عبدالناصر‏، وكان الذين انهزموا في المعركة هم أول الذين تلبستهم تلك الشكوك،‏ثم تبعهم بعض الذين وقفوا مع السادات وساعدوه على حسم معركة السلطة لصالحه‏.‏ وكان الاتجاه في البداية هو اتهام أجهزة المخابرات العالمية التي كانت تناوئ عبدالناصر وتسعى لتهيئة الأوضاع للانقلاب على سياساته‏، بل حتى التي تقف معه وتسانده، منها المخابرات السوفيتية،‏التي اتهمها الرئيس الصيني الراحل ماوتسي تونج بالتخطيط لقتل عبدالناصر، وقال لوفد من مجلس الأمة المصري كان يزور الصين بعد شهور من رحيل عبدالناصر‏: كيف تتركونه يموت هكذا بسرعة وهو في سن النضج؟ إن الذي قتله هم السوفيت‏.‏ ثم اتجهت أصابع الاتهام إلى شخصيات محلية‏، واختار كل شخص أن يوجه الاتهام إلى خصمه‏، فاتهم حسن التهامي مراكز القوى‏، الذي كان يعتقد أنه أحق منهم بما كانوا يشغلونه من مواقع إلى جوار عبدالناصر‏.‏ واتهم حسين الشافعي،‏الذي كان يرى أنه أحق بخلافة عبدالناصر‏، السادات الذي فاز بالمنصب دونه‏، ولم يتذكر محمد حسنين هيكل واقعة فنجان القهوة الذي صنعه السادات وقدمه لعبدالناصر‏، إلا بعد ثلاثين سنة من خلافه الشهير مع السادات‏.‏ أما المؤكد أولا فهو‏: أن هذه المرويات كلها لا تستند إلى أي منهج من مناهج البحث التاريخي‏، لكنها تطبق منهج‏: ابحث عن المستفيد، الذي يتبعه أبطال الروايات البوليسية من المفتش بوارو إلى المفتش كرومبو.‏ أما المؤكد ثانيا فهو أن عبدالناصر مات ميتة طبيعية، وأن الأمر ليس في حاجة إلى مزيد من البحث أو الوثائق،‏إلا إذا كان الهدف هو هرش مخ القراء والمواطنين‏.‏ ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها