النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

التسارع.. سر التغيير

رابط مختصر
العدد 7840 الاثنين27 سبتمبر 2010 الموافق 18 شوال 1431هـ

يشكل كتاب أستاذ علم الاجتماع الألماني هارتمت روزا «التسارع: نقد اجتماعي للزمن» مجالاً واسعاً للتأمل في «مفهوم التسارع» وانعكاساته على حياة الإنسان في هذا العصر الذي يلهث فيه الأفراد وراء حياة قد سرقت منهم؛ نتيجة لتداخل ثلاث مستويات من التسارع: تسارع تقني وتسارع تغيير اجتماعي وتسارع في وتيرة الحياة. فالإطار الفكري الذي يقدمه الأستاذ روزا ويسعى إلى إبرازه في صفحات الكتاب، يمكن أن يكون معيناً لشرح وفهم التغييرات الاجتماعية في الدول غير الغربية التي تعيش مع حضارة الغرب بعض من جوانب الحداثة. ويمثل التسارع التكنولوجي صورة واضحة وثقلاً ملموساً من خلال انطوائه على عمليات موجهة نحو هدف عن طريق استخدام الآلات حيث تعكس عمليات التسارع في المواصلات والاتصالات وعمليات إنتاج واستهلاك السلع والخدمات النموذج المثالي لهذه الظاهرة؛ حتى بدت الأرض أصغر ستين مرة قبل هذا الانقلاب التقني، وأصبح العالم في متناول اليد تنقلاً بأقل تكلفة وجهد، وسرعة في نقل الأخبار وسرد الأحداث التي تقع في مختلف بقاع المعمورة دون الحاجة للانتقال، كما أصبحت إمكانية الحصول على كتاب أو فيلم أو قطعة موسيقية بنقرات عديدة على جهاز الكتروني صغير أي إن العالم يقدم نفسه وخدماته في ثوانٍ أو ساعات. فقد بثت الاختراعات التكنولوجية وخاصة في النظام الرأسمالي روحاً سريعة في الإنتاج لا تعرف التوقف، وقادت بدورها وتيرة مرتفعة في مستويات الاستهلاك؛ كان نتيجتها إعادة الإنتاج المادي للمجتمع وتشكيله في فترات قصيرة تتقلص مع تدفق الزمن. هذا التسارع التقني قد جر إلى تسارع في تطور المنظمات وصيرورة القرارات والإدارة وعمليات الرقابة. إن آثار هذا التسارع الناتج من الاختراعات ينعكس على المؤسسات والممارسات الاجتماعية متبلورة في نضج اجتماعي، يمكن الإشارة إليه بزيادة وتيرة تحولات أشكال الممارسات وتوجهات الأفعال من جهة وأشكال الروابط الاجتماعية وأطر العلاقات من جهة أخرى. أي أن وتيرة التغيير قد لبست ثوب التسارع في كثير من الممارسات الاستهلاكية والاجتماعية والثقافية؛ ولكن قد يخلق هذا التسارع ضغطاً على «الحاضر» بصورة دائمة ويشل حركته ويخلق توتراً وحرماناً نتيجة عدم القدرة على الاستفادة أو الاستهلاك أو التمتع بالفرص والسلع والخدمات المتوفرة. وقد تؤدي هذه الظروف إلى تشكيل قيد عنيف وقاهر على النفس وإلى خلق شعور بعدم كفاية الوقت وتواريه وهروب وحداته باستمرار. هذا الحاضر المنتصب الذي يجسد أحداث ظروف اجتماعية معروفة وثابتة والتي تمثل بنية للتجارب والممارسات والتي يتوقع أن تكون قارباً يستعان به للعبور إلى المستقبل القريب. وتصبح هذه التجارب والممارسات غير قادرة على حمل المسئولية المستجدة نتيجة التسارع عند المقارنة بالظروف الماضية وقد يشكل هذا الحاضر أيضاً ضغطاً جديداً ناتجاً من توقعات المستقبل. لذا يلقي هذا التسارع على الفرد قائمة طويلة من الالتزامات أو الأفعال أو التصرفات مقابل وحدات محدودة من الزمن ترميه في بئر عميق من الذنب وتعذيب النفس، لقلة الوقت في تنظيم إنجازها وضمن ظروف منافسة شرسة على جميع الأصعدة الحياتية والاجتماعية كالعمل والراحة والتسلية والعلاقات.. الخ. لذا نجد أن وقت كل حلقة من مسلسل الحياة اليومية قد تقلص أو تكثف زمنه، فقد نشاهد ذلك واضحاً في حاجتنا إلى إنجاز أعمال كثيرة ومتعددة في هامش زمني ضيق، أي أفرز التسارع التكنولوجي سرعة وتيرة العمل من أجل «الترشيد» و«المنافسة» من جهة، يقابلها نقص في أوقات الراحة ووجبات الطعام وأوقات البقاء مع العائلة... الخ من جهة ثانية. وهذا خير شاهد على تسارع وتيرة الحياة، التي تجعل الفرد غير قادر على الإنجاز إلا بتوفر قدرات متعددة وخارقة، مما زاد وعمق أسباب التوتر والضغوط الحياتية نتيجة الشعور بعدم القدرة على مجاراة سرعة هذه الوتيرة من الحياة التي لا تعرف الاستقرار. ففي عصر هذا التسارع يصبح الحاضر غير مستقر ومنكمش ويحمل في طياتها التقادم والاهتلاك السريعين للمواد والسلع والخدمات والمعرفة والتجارب والبرامج السياسية والاقتصادية..الخ وبذلك يكون «ضغط الحاضر» أو التسارع الاجتماعي على الماضي والمستقبل قاسياً ويتطلب تجديداً مستمراً في وجهات النظر والالتزامات بشأن القضايا المجتمعية. إن هذا التسارع بجميع جوانبه والذي يفرض نفسه على العالم بأسره، لا يخص مجتمعاً دون آخر، فلابد وأن يأخذ مجراه ويتسرب إلى التفكير ويتغلغل في الحياة اليومية لكل الأفراد في مختلف بقاع المعمورة، وتصبح المواجهة حتمية ولا يمكن الهروب منها كالمياه لا تنتظر طويلا، إنها تغير الأشكال وتتدفق حولها ويصبح حيز المناورة ضيقاً وغير قادر على إرغام المستقبل في أن يكون تكراراً للماضي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها