النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

كارثة الفيضانات تعزز نفوذ العسكر في باكستان

رابط مختصر
العدد 7839 الاحد26 سبتمبر 2010 الموافق 17 شوال 1431هـ

كارثة الفيضانات المأساوية الأخيرة التي، ضربت الباكستان وتسببت في مقتل المئات، ومحو عشرات القرى من الوجود، وتشريد وتهجير الملايين، على نحو ما فصّلناه في مقال سابق، بينت للعالم العديد من الأمور السالبة التي لا تليق بدولة مضى على قيامها ككيان مستقل أكثر من 63 عاما. أول هذه الأمور هو فشل الحكومات الباكستانية المتعاقبة في إقامة بنية تحتية قادرة على حماية مواطنيها من الكوارث الطبيعية المتكررة أو-على الأقل- التعاطي مع تداعيات تلك الكوارث بكفاءة عالية. وثانيها هو ضعف ثقة العالم الخارجي في القيادة الباكستانية لجهة النزاهة والشفافية والعدالة، مما جعله - بناء على قصص سابقة من قصص الفساد المزكمة للأنوف - مترددا في إغداق المساعدات على إسلام آباد بالقدر الكافي، خصوصا بعدما اكتشف أن جزءا من هذه المساعدات وجدت طريقها إلى السوق السوداء. غير أن الأهم من كل هذا هو أن الفيضانات تسببت في ارتفاع أسهم المؤسسة العسكرية على حساب المؤسسة المدنية. وبكلام آخر، أبرزت الفيضانات قائد الجيش الجنرال «أشفق برويز كياني» كشخصية وحيدة موثوق بها وكرجل يعي مسئولياته إزاء شعبه. فهذا وحده ملك قلوب الجرحى والجوعى والمنكوبين والمشردين حينما اخذ زمام المبادرة واستقل مروحية عسكرية ليطير بها فوق المناطق المنكوبة مواسيا مواطنيه ومعاينا حجم الخسائر والأضرار التي لحقت بهم، الأمر الذي عزّز صورته وصورة مؤسسته العسكرية على حساب صورة الرئيس المدني «آصف علي زرداري» الذي كان في ذلك التوقيت يمتطي طائرة هليوكوبتر أيضا، لكن من أجل الانتقال إلى قصره الفخم في فرنسا. وهو الحدث الذي أثار موجة من السخط الشعبي ضده، كونه فضل التجوال في أوروبا على العودة سريعا إلى بلاده لمشاركة مواطنيه أحزانهم. ولعل ما أثار المزيد من السخط ضده وجعله مادة للسخرية في الصحافة المحلية، بل هدفا لزوج من الأحذية الطائرة في مدينة برمنغهام (المعقل الأكبر للمهاجرين الباكستانيين في بريطانيا)، هو التبرير الذي جاء من مصادر حزبه الحاكم (حزب الشعب الباكستاني) والذي قيل فيه إن قطع الرئيس لجولته الرسمية والعودة إلى باكستان لن يغير شيئا من حجم المأساة وتداعياتها، وإن بقاءه في الخارج أجدى لجهة حث أصدقاء باكستان على تقديم المساعدات الإغاثية. وهكذا تسببت الكارثة الطبيعية في عودة الوهج إلى المؤسسة العسكرية التي كانت إلى وقت قريب مادة لهجمات شرسة، بل التي اضطر قائدها السابق الجنرال برويز مشرف للتخلي عن السلطة في عام 2007 تحت وقع مطالبات شعبية بعودة العسكر إلى ثكناتهم وإعادة السلطة للأحزاب المدنية، ناهيك عن الانتقادات اللاذعة التي تعرض لها هؤلاء بسبب ما قيل عن تواطئهم مع القوات الغربية العاملة في أفغانستان لاستخدام العنف المفرط ضد المناطق القبلية من تلك التي تحتضن المتمردين والإرهابيين من أنصار تنظيمي القاعدة وطالبان. ورغم أن الجنرال «كياني» ورفاقه لم يصدر منهم ما يدلل على سعادتهم بهذا التطور، إلا أن الأمر لا يحتاج إلى ذكاء للقول إن منسوبي المؤسسة العسكرية يشعرون بسعادة مكبوتة لأنهم استطاعوا مرة أخرى أن يؤكدوا للجماهير أنهم الأقدر والأسرع على التعاطي مع الشأن الداخلي، خصوصا وأن أصواتا ارتفعت من وسط ركام الفيضانات لتدعو الجيش إلى استلام زمام الأمور في البلاد بدلا من الحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطيا، لكن المنشغلة بمصالحها الخاصة. وفي رأي بعض مراقبي الشئون الباكستانية أن عودة العسكر إلى السلطة، سواء عن طريق انقلاب عسكري جديد، أو عن طريق قرار من المحكمة الدستورية بهدف محاصرة موجة متوقعة من أعمال الفوضى والعنف أو بهدف «صيانة المصلحة الوطنية العليا»، ليست سوى مسألة وقت. وفي هذه الحالة سوف يتولى الجنرال «كياني» – بطبيعة الحال – مقاليد السلطة كسادس زعيم عسكري يحكم البلاد منذ انفصالها عن الهند، من بعد إسكندر ميرزا، ومحمد أيوب خان، ومحمد يحيى خان وضياء الحق، وبرويز مشرف، بالترتيب. وسوف تكون علاقته بالحليف الإمريكي وسياساته الداخلية والخارجية قريبة من تلك التي انتهجها الجنرال «مشرف» الذي فضـّل كياني على آخرين أقدم في التراتبية العسكرية ليحل محله، يوم أن اضطر للتخلي عن قيادة الجيش، وخلع ملابسه العسكرية. لكن الاختلاف الوحيد ربما ينحصر في عدم تصريح كياني علنا بما يتمناه لبلده لجهة النظام الأمثل القادر على الحد من المشاكل والخضات والانقسامات التي تعيشها باكستان، أي على العكس من «مشرف» الذي امتلك جرأة التصريح بتفضيله لإقامة نظام علماني في باكستان يحرسه الجيش، بحيث يكون مشابها للنظام العلماني في تركيا التي عاش فيها الرجل وتشرب من قيمها في سنوات صباه، أي يوم كان برفقة والده الذي كان يعمل وقتذاك ملحقا عسكريا في سفارة بلاده في أنقرة. قليلة هي المعلومات المتداولة عمن يمكن أن يحكم باكستان عاجلا أم آجلا. فـ «كياني» الذي يبلغ من العمر الآن 58 عاما، ويقود واحدا من أكبر جيوش العالم الإسلامي من حيث عدد العناصر، والجاهزية القتالية، والأسلحة غير التقليدية، تسلق السلالم سريعا، فمن ضابط من ضباط الصف الثاني في قيادة الأركان إلى رئيس لجهاز الاستخبارات العسكرية النافذ (آي إس آي) إلى قائد عام للقوات المسلحة بأفرعها الثلاثة. ويصف الجنرال «طلال مسعود»، الذي خدم في الجيش الباكستاني على مدى أربعة عقود متواصلة وصار اليوم واحدا من كبار المحللين العسكريين في بلاده، زميله السابق «كياني» بأنه أفضل رئيس أركان مرّ على باكستان خلال السنوات الثلاث والستين من تاريخها، بل يصفه أيضا بأنه من القادة ذوي الشخصية القوية والذكاء الحاد والمقدرة الفذة على سبر أغوار المعضلات ودراسة المشكلات الداخلية والعالمية بعمق ووضع الحلول المناسبة لها بطريقة تميزه عن كل أسلافه، «مما سيجعله نجما مضيئا في تاريخ باكستان لو دانت له السلطة». والحقيقة أن شهادة الجنرال مسعود عن رفيقه لا غبار عليها، لأن الجميع مـُجمع على أن «كياني» المولود في «غوجار خان» (مكان قريب من مقر القيادة العليا للجيش في إسلام آباد، ومعروف عنه أنه المصدر الرئيسي لتزويد الجيش بالمجندين الجدد من الشباب أو «جوان»)، يحظى بسمعة طيبة واحترام كبير كجندي أثبت دوما أنه خـُلق لخدمة وطنه وشعبه، وكضابط أثبت ألمعيته في كل الدورات العسكرية التي تلقاها في أرقى المعاهد العسكرية الأمريكية التي وصفته في تقاريرها بأنه كان طالبا نجيبا، ومحاورا بارعا في القضايا العسكرية والسياسية والاستراتيجية. هذا فضلا عما هو معروف عنه من إنجازات منذ تسلمه قيادة المؤسسة العسكرية في نوفمبر 2007، حيث عمل منذ ذلك التاريخ على إعادة تأهيل العناصر العسكرية، وتحديث هياكل الجيش، وإعادة الإنضباط والمناقبية إلى القوات المسلحة، وتطهير جهازالمخابرات من المتعاطفين مع الجماعات المتطرفة، وذلك من أجل مواجهة الأعباء والمسئوليات الجديدة التي فرضتها حركات التمرد والميليشيات الإرهابية وأحداث العنف الطائفية بكفاءة. وربما كانت تلك الإنجازات هي التي شفعت له لدى رئيس الوزراء الحالي «سيد يوسف رضا جيلاني»، مما جعل الأخير يمدد فترة خدمته بصفة استثنائية إلى عام 2013. جملة القول إن باكستان المأزومة منذ أن وُلدتْ في عملية قيصرية في عام 1947 قد تكون قريبا على موعد مع مشهد مشابه لما حدث في عام 1990 حينما وصل الجنرال «برويز مشرف» إلى السلطة ليضع حدا لما قيل عن فساد القادة المدنيين وأحزابهم السياسية وتجاهلهم للمصلحة الوطنية العليا. ولا حاجة لنا في هذا المقام إلى تكرار ما نشرته ولا زالت تنشره الصحافة الباكستانية من تقارير عن فساد السلطة الحالية التي يقودها الرئيس «آصف علي زرداري» وهي شخصية معروفة بتورطها في مثل هذه القضايا منذ أن كان وزيرا في حكومة زوجته الراحلة «بي نظير بوتو»، بل الشخصية التي قد تصطدم قريبا بالسلطة القضائية على خلفية محاولة الأخيرة تحريك دعاوى قضائية ضده بالفساد والاحتيال خلال العقدين الماضيين كما أنه لا حاجة لنا للقول بأن المجتمع الدولي، وشقيقات باكستان في منظمة المؤتمر الإسلامي، وحليفاتها التقليديات مثل الصين والولايات المتحدة التي سارعت إلى مد يد العون والغوث لها في كارثتها الأخيرة استجابة لنداء الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون»، ما كانت لتتردد أو تبخل على هذه البلاد بشيء لولا خشيتها من أن ينتهي بعض مساعدتها في مصارف أجنبية (مثلما حدث في مناسبات سابقة)، وخوفها من عدم توزيع المساعدات بشفافية وعدالة. والجزئية الأخيرة اعترف بها مندوب باكستان الدائم لدى هيئة الأمم المتحدة حسين عبدالله هارون في مقابلة متلفزة له مع قناة الـ «بي بي سي» البريطانية (برنامج هارد توك)، وإنْ عـَمد إلى تبرير ما قام به الساسة والأحزاب من محاولات لمنح الأولوية في توجيه المساعدات إلى معاقلهم الإنتخابية أو أقاليمهم الإقطاعية أو طبقا للمذاهب والقوميات والقبائل التي ينتمون إليها، بصعوبة توزيع المساعدات بعدالة وشفافية كنتيجة للتدمير الذي أحدثته الفيضانات لشبكات الطرق والمواصلات. أما الأمر الأكثر مدعاة للاشمئزاز في هذا السياق فقد كان إجماع السلطات المسئولة على حرمان المنكوبين من طائفة الأقلية الأحمدية من أي نوع من أنواع المساعدات الغذائية او الطبية او الإيوائية بحجة أنهم من الكفرة الخارجين على تعاليم الإسلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها