النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

المتهافــــــت

رابط مختصر
العدد 7832 الاحد 19 سبتمبر 2010 الموافق 10 شوال 1431هـ

من هم المتهافتون؟ السؤال واسع ولكن من السهل ايضا الاجابة عليه وتلمس شخصية المتهافت في المجالس والمآدب والمؤسسات، بل وسنلتقي بمتهافتين صغار للغاية يلاحقوننا في كل مجلس نهاري او ليلي، في هذا المجلس او ذاك، غايتهم تسويق انفسهم وخدماتهم للجمهور بطريقة مختلفة عن الفئات العليا والنخب الاجتماعية المختلفة. وبما أن المتهافت شخصية تحب التزاحم في الامكنة والاتضاع بدرجة مبتذلة، فان الواقع الاجتماعي بقدر ما ينافق مثل تلك الشخصيات، فانه في نهاية المطاف لا يحترمها لا في داخله ولا من وراء ظهرها. والمتهافتون الصغار قد يكون بعضهم خفيف الظل ومهرجا وعلى «مرتبة من التمثيل والتهريج الاجتماعي»، المهم ان يحظى باهتمام ورضى القوم وسيده الاجتماعي الجديد الذي يقدم له عطاءات ومنحا سخية، قد تكون مواد عينية وقد تكون دعما مهنيا ومنصبا، فالمتهافت الصغير يدخل الامكنة اولا وهو في حالة انكسار وهدوء بعباءة ملونة، فاأولاً يتلمس طريقه في المجالس ويتعرف على سلوك الحاضرين ثم يرمي بشباكه في مستنقع الماء العكر ليصطاد نصيبه من الموائد والعطاءات المتوفرة في المكان. المتهافت بعدها سيكون الذراع الايمن للزعيم الجديد وصاحب المجلس الموقر، بعد ان كان لوقت ما جزءا من بطانة، ولكنه مع الوقت عرف كيف يأكل من الكتف نصيبه فبات شخصية مقربة للزعيم بعد ان كان واحدا من عشرات في دائرة واسعة، وبسبب «فن التهافت الاجتماعي» وبروز شخصياته الكثار في الحياة اليومية، فان طباعها واطوارها مثل الوانها المزاجية والشخصية، اهمهم المتهافت الذي يطلق عليه المجتمع مزاحا «حامل بشت المعزب» فهو ليس موظفا في سلك دبلوماسي مع وزير (وعلى فكرة لماذا ايضا عندنا في الخليج مثل هذه الظاهرة مع الوزراء فيما دول اخرى تحررت منها طويلا واحالت هذا السلوك لدبلوماسية رفيعة، فشنطة الوزير وبشته اختفت خلف المشهد عند الاستقبال وفي اروقة القاعات وبهو الفنادق وغيرها من قاعات الاجتماعات. بين موظف وظيفته الرسمية حمل حاجات الوزير وشخص متهافت يحمل شنطة موظف كبير او نائب مبتذل او مقاول فاسد، المهم ان يرى الناس البرستيج الجديد، كسيارة الثري الجديد ومتاعه «البشري». والغريب ان المتهافت يتحول بقدرة قادر وبدون منحه مهمات او مكافأة لخدماته الاستثنائية، الا انه يصبح متطوعاً للنميمة بالفطرة في نقل الاشاعات والقيل والقال حتى بتنا امام «مخبر صغير برسم الخدمة» مخبر اجتماعي ومهني وشخصي للزعيم ينقل له كل ما يدور في الكواليس واروقة المؤسسة، واذا ما خانه الظرف والوقت في اصطياد الاخبار، حيث سفرته وبعده عن المؤسسة لم تتح له فرصة تجميع الاخبار ولا حبس ام الاولاد له في البيت عن التسكع في المجالس بحجج واهية، كلها جعلت منه في ذلك الاسبوع فقيرا في معلوماته واخباره وحكاياته وهو في الحقيقة مشروع كامل من النميمة في جماعة «توك اوف ذا تاون» لهذا سنجده مضطرا لئن يؤلف حكايات من عنده عندما يسأله المعزب في تلك اللحظة من باب الدعابة وهو يوقع له الاوراق لمحسوبية ومهمات رخيصة جاء ليقبض ثمنها. يأتيه السؤال فجأة من لسان المعزب الذي لا يهمه حتى رفع رأسه لرؤيته وهو يوقع له الاوراق بعجاله «ها شنهو الاخبار؟! « وهذه شنهو الاخبار يلتقطها المتهافت بطريقته ويفهمها بطريقته حتى نجده يتحمس ليفصل اكثر مما ينبغي ويتحمس في الكلام في وقت ربما مزاج المعزب ليس طريا وطيبا الى حد ان يسكته باهانة «بسك ... خلاص فهمنا» وبتلك الحالة القمعية يشعر المتهافت بقيمته الحقيقية داخل حجرة مغلقة مليئة بالاهانات، ولكنه امام الناس يتحدث بصورة الشخصية المهمة والمحببة عند المعزب او «البوس الكبير». والمضحك في المتهافت التلفيق التلقائي والتأليف المختلق للاجابة على السؤال المفاجئ من سيده «شنهو الاخبار» لحظتها لابد من اظهار مهارة «المخبر الخاص» فيشتط بجملة شهيرة ومعروفة «يقولون» او بتعبير الفصحى تناهى الى علمي أو لتكون الطف واقوى واكثر معاصرة وحرفية فيردد: «حسب علمي» وهذا العلم في الحقيقة ليس الا اخبار سمعها من متهافت اقل منه وضاعة وتزاحما على المجالس والكراسي والعطاءات والاستجداء من الآخرين بورقة مكتوبة او شفهية. والانكى من كل ذلك استعداده للكذب والنفاق من العيار الثقيلين، فهذا لا يزعج ضميره الميت، المهم اعطاء نفسه قيمة مهنية واجتماعية امام سيده الخاص وسيد نعمته وخيره عليه، وطالما الاخبار القادمة له والتي تسّقطها بنقصان وغباء، فان سيناريوهاته المحبوكة اغلبها تكون من مخيلته فهو وحده من يضيف عليها سردا محببا وعجيبا «كبهارات المتهافت» واذا ما الحياة منحته ذكاء فطريا فان اغلب المتهافتين يملكون لسانا عذبا رطبا ولينا وثعبانيا يوزع السموم في موائد ومجالس متنوعة. وبما ان المتهافت مع مرور الوقت يفقد الاحساس بالمهانة «وتصفيعه» بمفردات الكلام، فان نقطة دم حمراء لا تصعد الى وجنته، وهو دون شك شخصية لسانها طويل كصوتها المرتفع كالطبل، كجزء من تعويض اجتماعي لقمع مستمر في البيت من زوجته، بل والمسكين مأمور للاطفال وخدماتهم بمعنى ودون معنى، حيث الصغار يقولون له عندما يرفض لهم امرا سنقول لامنا، فما عليه الا يردد جملته الشهيرة «ما عليه بسوي لكم ايلي تبقون بس لا تقولون لها» هكذا بدت لنا شخصية المتهافت، المستعد لكل خدمة ولكل شيء يرفع من قيمته مهما كان سلوكه مبتذلا يدعونا ويدعو المجتمع للغثيان. ولخفة المتهافت وتطايره والمتحدث بلا روية في الامكنة والمواقع فان اتضاعه ودونيته تجعلنا لا نحبه وان كان احيانا مصدر شفقة المجتمع وشفقة المعزب الذي يراه في صورة الوفي والانسان البائس وغير الجدير بالاحترام، ولكنه المطلوب دائما لنقل الاخبار والرقص في الحلبات والتلميع حتى عند غياب موسم الرجال اصحاب الياقات والاحذية اللامعة فعند غيابه عن المجالس يكون مكانه فارغا، فالمتهافت يترك خلفه ضجة وضجيجاً، وصولجانه له بريق خاص، لهذا حينما يكون غائبا يتبدى اهمية سؤال المعزب «وين فلان ما بين» فيقفز لحظتها نواب المتهافت ووكلاؤه الخاصون والمتواجدون والمتطوعون دائما وابدا «سلمك الله مريض» وهو ابسط شيء اخفاؤه عن الحقيقة فلا يجوز في حظوة المعزب ان يقال عن المتهافت «المغوار» إن زوجته هذه الليلة حابسته في البيت!! ترى هل بامكان مجتمع ما أن يخلو عن غياب مثل هذه الشخصية خاصة في تجمعات تميزت بالمجاملة وتنوع النفاق الاجتماعي؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها