النسخة الورقية
العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

مشكلة مسلسل «الجماعة» مع «الجماعة»

رابط مختصر
العدد 7830 الجمعة 17 سبتمبر 2010 الموافق 8 شوال 1431هـ

على امتداد ليالي رمضان التي تابعت خلالها مع عشرات الملايين من المشاهدين حلقات المسلسل التليفزيونى «الجماعة»، الذى كتبه السيناريست المقتدر وحيد حامد، وأنا أحاول البحث عن سبب معقول لحملة الهجوم المكثف التي واجهت بها جماعة الإخوان المسلمين المسلسل، فلم أجد فيما نشرته الصحف ومواقع الإنترنت من تصريحات وتعليقات، سببا - يتعلق بالمسلسل نفسه - يبرر هذا الهجوم الكاسح على عمل فني لم يكن أحد قد شاهده كاملا بعد، ولكني وجدت هجوما ينطلق من وساوس متسلطة لدى جماعة الإخوان والمتعاطفين معهم، بأن المسلسل هو جزء من حملة إعلامية رسمية ضدهم، تسعى لتلفيق التهم التاريخية لهم، وتشويه ماضيهم وحاضرهم، وتستهدف التأثير سلبيا على فرص المرشحين من أعضاء الجماعة في الانتخابات البرلمانية الوشيكة، بدعوى أن كاتبه صاحب موقف معلن مما سمته هذه التعليقات بـ «الفكرة الإسلامية»، وأن هناك تخطيطا مسبقا وراء إنتاج وعرض المسلسل مع بشائر الحملة الانتخابية التي تجري خلال الأسابيع المقبلة. وبصرف النظر عن أن مصطلح «الفكرة الإسلامية» يبدو مصطلحا مطاطا غير محدد المعنى، يوحي بأن كل من يعادي أو ينتقد الإخوان المسلمين إنه يعادي الإسلام نفسه، وينطلق من الفكرة الخاطئة التي تبناها ويتبناها فريق منهم، بأنهم ليسوا «جماعة من المسلمين»، بل هم «جماعة المسلمين»، الذين لا يجوز شرعا لأي مسلم أن يخرج عنها، مما ينطوي على حكم بتكفير وحيد حامد، فإن حملة الهجوم على المسلسل التي استبقت عرضه، استنادا إلى مثل هذه الأحكام الجائرة والوساوس المتسلطة، تنطوي على مخالفة شرعية لتعاليم الإسلام التي توجب على المسلم أن يحكم على الظاهر لا على الباطن، وعلى الأفعال لا على النيات وألا يشق عن قلب غيره، خصوصا أن الحقائق المعروفة للكافة، تؤكد أن المسلسل كتب منذ أربع سنوات، وكان مقررا أن ينتج منذ عامين، لولا عقبات إنتاجية، وبالتالي فلا صلة لكتابته، ولا لعرضه بالانتخابات النيابية الوشيكة. ومع التسليم بأن جماعة الإخوان المسلمين - بصفتها كجماعة - قد تراجعت عن فكرة إقامة دعوى قضائية للمطالبة بوقف عرض المسلسل، لعوامل قد يكون من بينها اكتشافها أنه لا ينطوي على تجن كبير أو تعمد لتشويه تاريخها، وإن كان من بينها على سبيل القطع، إدراكها بألا حق قانونيا لها في إقامة مثل هذه الدعوى، لأنها ليست جماعة قائمة من الناحية القانونية، وليست شخصية اعتبارية يجوز لها أن ترفع باسمها الدعاوى ضد آخرين، فإن الحملة تكشف عن أسلوب خاطئ في التربية السياسية والفكرية لأعضاء الجماعة، تجعلهم يضيقون أشد الضيق بأي خلاف في الرأي، أو أي انتقاد لسياسة جماعتهم أو رموزها التاريخية، ويتعاملون مع هذا التاريخ باعتباره حقا لا يأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه، ومع هؤلاء الرموز باعتبارهم شخصيات لا تخطئ في قرار، أو تسيء تقدير أي موقف، فهي معصومة من الخطأ، محصنة ضد إساءة التقدير. وتكشف الحملة كذلك عن أن الأجيال الوسيطة التي تقود الجماعة الآن والتي لم يولد معظمها إلا بعد اختفاء الجماعة عام 1954، وكان طفلا رضيعا حين تعرضت لضربة 1965، والأجيال الشابة التي تشكل الكتلة العظمى من أعضائها، لا تعرف إلا القشور عن تاريخها، ولم تقرأه في مصادره المتنوعة، وأن ثقافتها في هذا المجال تعتمد أساسا على ما تلقته عنه في الاجتماعات التنظيمية المغلقة، التي تركز عادة على أن الجماعة كانت طوال تاريخها ضحية لمؤامرة صهيونية صليبية علمانية، تستهدف تحطيمها، بهدف تشويه الإسلام نفسه، وأن كل ما ينسب إليها من أخطاء إنما هو افتراءات يفتريها هؤلاء. والمحصلة التي يقود إليها هذا الأسلوب الخاطئ في التربية، وهذا التأويل الخاطئ للتاريخ، لا يمكن أن تنتج إلا أجيالا فاشية، تنطلق من تقديس ما لا يحل تقديسه من البشر والأفكار، ونتوهم أنها وقياداتها معصومة من الخطأ، فهي تملك الصواب المطلق، وكل من يرى غير ما تراه، هو على خطأ مطلق، وهو منهج في التفكير لابد وأن يقود أصحابه إلى ممارسة العنف ضد كل من يختلفون معه في الرأي، وهو عنف يبدأ بتكفيره، ثم باستخدام السلاسل والقبضات الحديدية في تأديبه وينتهي بقتله باسم الله. وليس في مسلسل الجماعة ما يستطيع أي منصف أن يعتمد عليه ليؤكد الادعاء بأنه جزء من حملة سياسية رسمية مخططة ضد الإخوان المسلمين، تستهدف تشويه تاريخهم، أو الإساءة إلى سيرة المرشد المؤسس حسن البنا، ففضلا عن أنه ينطوي على انتقادات حادة للحكم القائم تتجاوز أحيانا ما وجه من انتقادات للجماعة، فقد قدم سيرة المرشد المؤسس بشكل حقيقى، كإنسان مثالي، تتملكه فكرة سامية هي أن يعيد مجد الإسلام، وهي فكرة أوقف عليها كل حياته وكل نشاطه، ووضع في خوضها كل مواهبه المتعددة، وموارده المحدودة، على نحو كان مثار إعجاب الذين شاهدوا المسلسل، خصوصا أن الممثل الذى أدى الدور «إياد نصار» قد تقمص الشخصية بشكل أضفى عليها الكثير من الجاذبية والألق. وبصرف النظر عن بعض التفاصيل الصغيرة، غير المهمة التي يمكن الاختلاف بشأنها مع المسلسل، سواء من الناحية الفنية أم التاريخية، فإن مشكلة مسلسل «الجماعة» مع «الجماعة» تكمن في رسالته الأساسية، وهي جوهر أي عمل فنى وأي تقييم تاريخي، وهي رسالة تقول بوضوح إن حسن البنا أقرب ما يكون إلى بطل تراجيدي، حقق نصره التاريخي حين أسس جماعة كبيرة، تسعى بدعوة المسلمين للالتزام بأصول دينهم وأداء فرائضه، والالتزام بآدابه، حتى وصل إلى القمة، لكنه - ككل بطل تراجيدي - وقع في خطئه التاريخي، حين أقحم جماعته في السياسة ليقوده ذلك إلى استخدام العنف في الصراع السياسي، فيؤسس الجهاز الخاص، الذي كان أقرب ما يكون إلى جيش كامل، يمارس كل ما تمارسه الجيوش، ويملك الكثير من الأدوات والإمكانات والمؤسسات التي تملكها، إلى أن جاء الوقت الذي فقد فيه سيطرته على هذا الجيش، الذي شعر بقوته وأنه مصدر كل ما حققته الجماعة من هيبة ونفوذ، فبدأ يقوم بعمليات العنف لحسابه ولحماية نفسه، وليس لحساب الجماعة، أو حتى لهدف تحقيق الفكرة الإسلامية، لينتهى هذا بحل جماعة الإخوان المسلمين، ثم باغتيال حسن البنا نفسه. تلك هي الرسالة التي أراد المسلسل أن يوجهها إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهى استخلاص تاريخى صحيح، ودرس ينبغى أن يعيه الإخوان، لأنه لمصلحتهم ولمصلحة الوطن، ولمصلحة الإسلام. وخلاصته المفيدة: لا سياسة في الدين، لأن ذلك هو الذى يقود إلى العنف الذي يفسد السياسة ويفسد الدين ويدمر الجماعات والأوطان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها