النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

قليل من التواضع يا أحبّة!

رابط مختصر
العدد 7827 الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 الموافق 5 شوال 1431هـ

! للإنسان الحق في التمسك برأيه وحمايته والدفاع عنه بالطرق التي تمكنه من ذلك، ما دام ذلك التمسك وتلك الطرق لا تعتدي على حقوق الآخرين. وله الحق أيضا في أن يعتبر رأيه هو الصواب او الأصح، وله الحق في أن يدعو اليه ويحاول دعمه بما يشاء وبكل ما تصل إليه يده وعقله وملكاته من أسباب الدعم. الا ان الذي ليس من حقه هو اعتبار رأيه الحقيقة المطلقة، بل إنه هو الحقيقة بعينها، وإن على العالم أن يصدقه ويأخذ برأيه ويدعمه وأن يتخلى الجميع عن آرائهم وأن يعطلوا عقولهم ويستبعدوا كل عمل ونتاج فكري وعقلي انتجوه بعد جهد جهيد. فالحقيقة قسمان، قسم مطلق وهو ما يسمى بالحقيقة المطلقة التي لا تقبل الاجتهاد او التأويل وهي كما أراد لها الخالق. فالشمس حقيقة والقمر حقيقة والموت حقيقة الى آخر ذلك من الحقائق المسلم بها والتي لا يرقى إليها الشك ولا يحتاج وجودها لإثبات او برهان. أما القسم الثاني فهو الحقيقة النسبية، أي الحقيقة التي يحتاج التوصل إليها الى بحث وجهد وعمل قد يقصر او يطول، يهون او يصعب، حسب الموضوع وتشعباته. وهذه النوع من الحقيقة هو ما نقصده في هذه الأسطر. هذه الحقيقة النسبية هي موضوع جدل ونقاش ابتدأ عقودا طويلة مضت ولم ينته حتى وقتنا هذا ومن المتوقع أن يستمر إلى ما شاء الله. ومع أن الكثير من الفلاسفة، قديما وحديثا، انقسموا حول مفهوم وتعريف الحقيقة لكنهم اتفقوا جميعا وبلا استثناء على وجوب التفريق بين الرأي والحقيقة. اتفقوا على أن رأي الإنسان قد يرقى كثيرا ويصل الى مستوى الحقيقة لكنه يبقى رأيا وصل به صوابه الى مصاف الحقيقة او وصل بجهد صاحبه الى معرفة الحقيقة. ذلك الجدل الفلسفي تحول في هذه الأيام مع الأسف الشديد الى واقع معاش يتجسد في أفعال وممارسات تحمل رسالة واحدة وهي: «أنا، وأنا وحدي، الصح وغيري هو المخطئ». لقد كثُرَ بيننا من لا يتورع عن ارتكاب أخطاء هي في الواقع خطايا وجرائم يعاقب عليها القانون. جرائم يتجاوز تأثيرها وتدميرها مرتكبها والمرتكبة ضده وتقع انعاكاساتها السلبية على شريحة كبيرة من الناس لا ذنب لها سوى أنها تعيش مع أخينا «صاحب الأنا» في مجتمع واحد وبيئة واحدة. ذلك الشخص وتلك المجموعة وتلك الفئة وتلك المؤسسات اعتبرت نفسها معصومة عن الخطأ فهي لا تعمل إلا الصحيح ولا تقول إلا الصواب وأنها لا تحيد عن الحق. أعمتها الأنا فأخذت تدعي بأنها هي التي تمثل الحق وأن موقفها هو الحقيقة وأن كل من اختلف معها ولم يقبل بموقفها ووجهة نظرها يُعد خارجا على الحقيقة ومحاربا لها. رأيها هو الصواب، وهي وحدها التي بإمكانها الوصول الى الحقيقة ومعرفتها، وهي التي تقول الحق وتعمل به وهي التي تعرف الصواب وتدعو له. ترفض النقاش وتغلق الأبواب عليه. ترفض النقد وتعتبره كفرا يجب ان يُحاسب ويُعاقب عليه كل من تُسول له نفسه تقديم مثل ذلك النقد او أن يتخذ موقفا مغايرا لموقفها. لا بل ذهب البعض من أصحاب الأنا، من أفراد ومؤسسات، الى اعتبار كل من يختلف معهم في الرأي أويقدم لهم النقد أوالنصيحة عدوا وضالا وكافرا وعميلا لا بل وخائنا. تسمعهم يدعون الى الحوار فتظن أنهم انفتحوا على الآخر ورأيه، لكن ما أن تجلس معهم وتقرأ أجندة الحوار حتى يتبين لك أن الدعوة ما هي إلا لسماع رأيهم فقط والأخذ به. دعوك لا ليحاوروك بل ليملوا عليك رأيهم ويطلبوا منك تتبنى موقفهم. إن قبلت بتغييب عقلك وبيع ضميرك فأنت عندهم في أعلى علييين وإن رفضت أو حتى تلكأت او رغبت في إعمال العقل والفكر أصبحت من المغضوب عليهم ويا لك من مغضوب عليه. الأنا واحتكار الحقيقة تنخران في استقرار وأمن المجتمع. لا يمكن التوصل الى حل ولا يمكن ان يتعافى المجتمع إلا بالقضاء على هذه الآفات. لنضع أمام أعيننا أنه من أجل الوصول الى الحقيقة تم إنشاء محاكم درجة أولى وثانية وثالثة وكبرى واستئناف وتمييز وما ذلك إلا من أجل الوصول الى الحقيقة، ومع كل تلك الإجراءات والاحتياطات ومع الأهلية الكبرى التي وصل إليها القضاة، ضاعت بعض الحقائق. فقليل من التواضع يا أحبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها