النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

مسلسلات تشويه .. وتلميع .. الأسلاف

رابط مختصر
العدد 7823 الجمعة 10 سبتمبر 2010 الموافق غرة شوال 1431هـ

من بين المشاكل التقليدية التى تتناول مسلسلات التراجم التليفزيونية التي يشيع على سبيل الخطأ تسميتها بـ «مسلسلات السير الذاتية» ما يضعه ورثة الشخصيات التاريخية من عراقيل إدارية وقانونية فى وجه أى مسلسل تليفزيوني، يتناول سيرة أسلافهم، سواء قبل إنتاجه أو بعد ذلك. وينطلق بعض الذين يضعون هذا النوع من العراقيل من فكرة ثابتة بأن سيرة آبائهم وأجدادهم هي جزء من سيرة حياتهم، وأن أي إساءة لتاريخ الأسلاف، هي إساءة لتاريخ الأحفاد، وأن من حقهم استنادا لذلك أن يراجعوا سيناريو المسلسل الذي يتناول سيرة هؤلاء الأحفاد ليطمئنوا أن كاتبه لم يشوهها، وبالتالي يشوههم. وينطلق آخرون من أقارب الشخصيات التاريخية، من منطق يرى أن مسيرة حياة أسلافهم الراحلين، هي جزء من الميراث المادى الذي تركه لهم هؤلاء الأسلاف، كما أن من حقهم أن يرثوا ما تركوه من عقارات ومنقولات وحسابات في البنوك، فمن حقهم كذلك أن يرثوا حقوق استغلال سير حياتهم في مصنفات فنية، وأن يتقاضوا جزءًا من ملايين الجنيهات التي يربحها أصحاب شركات الإنتاج التليفزيوني من استغلال هذه السير. والأمثلة على ذلك لا حصر لها، كان من بينها الإنذار القضائي الذي أرسله فيصل الأطرش، ابن شقيق المطربة الراحلة أسمهان إلى التليفزيون المصري يحذره فيها من إظهار شخصية عمته ضمن شخصيات مسلسل «أم كلثوم»، لأنه صاحب الحق القانوني في استغلال قصة حياة عمته، وأمام تهديده برفع الأمر للقضاء، قرر التليفزيون المصري - الذي أنتج المسلسل - أن يحذف شخصية أسمهان من المسلسل، حتى يتوقى وجع الدماغ. وكان من بينها كذلك الحملة الإعلامية التى شنها ورثة الشيخ محمد متولي الشعراوي، على مسلسل «إمام الدعاة»، الذى يتناول سيرته، وشملت اتهام صناع المسسل بتشويه صورته، وتعمد الانتقاص من قدره، وإضافة شخصيات متخيلة لم تكن له صلة بها، وتبين فيما بعد أن وراءها خلاف مالي، على حق استغلال سيرة حياة الشيخ، وآخر الأمثلة على ذلك، هي الدعوى التى أقامها سيف الإسلام حسن البنا، نجل المرشد العام المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، أمام محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة، يطالب بوقف عرض مسلسل «الجماعة» لأنه يشوه سمعة والده، والدعوى التي أقامتها جماعة الإخوان المسلمين ضد صناع المسلسل. وبصرف النظر عما إذا كان الدافع وراء هذه العقبات «أدبيا وعلميا» يتعلق بحماية سير هذه الشخصيات من التجني و التشويه، أو ماديا يتعلق بحق الورثة فى الحصول على نصيب من استغلال سيرة حياة أسلافهم، فإن نقطة الانطلاق في الحالتين خاطئة من الناحيتين الأدبية والقانونية.أما الأسباب، فلأن ورثة الشخصيات التاريخية ليسوا بالضرورة أكثر الناس علما بالسيرة الحقيقية والكاملة لأسلافهم، إما لأنهم لم يعاصروهم، كما هي الحال بالنسبة لكل من فيصل الأطرش، الذى لم يولد إلا بعد وفاة عمته بخمسة عشر عاما، وسيف الإسلام حسن البنا، الذي كان في الثانية عشرة من عمره حين اغتيل والده عام 1949، أو لأن الجانب العام من حياة الشخصية التاريخية التي شاركته نشاطه في هذا المجال، وتعرف عنه من التفاصيل ما لم تعرفه أو تطلع عليه أسرته، التي تقتصر معلوماتها عنه عادة على الجانب الذي له صلة بحياته العائلية، وبالتالي فإن اعتبارهم المصدر الرئيسي والوحيد لتاريخهم، سوف يحول المسلسل من عمل تاريخي أو درامي، إلى حفل تأبين يتبارى فيه الخطباء، لذكر مناقب الراحل الكريم، انطلاقا من رؤية الأبناء التي تقدس ذكرى آبائهم وأمهاتهم، ولا تطيق أن تسمع عنهم كلمة نقد، أو موقفا يهز صورتهم المعلقة على حائط صالون المنزل. ولو مددنا هذا المنطق على استقامته لسلمنا بحق أبناء الشخصيات التاريخية في الرقابة على كل الأطروحات الماجستير والدكتوراه، وكل الكتب والأبحاث التي تتناول سيرتهم أو جوانب منها، أو لأعطيناهم الحق في مقاضاة كل من يكتب عنهم ما يرى فيه الورثة إساءة للطرفين، وهو ما سوف ينتهى بمصادرة الحق في البحث التاريخي، وإحالة المؤرخين إلى المعاش، ليعين أبناء الشخصيات التاريخية رؤساء لأقسام التاريخ في الجامعات.. وعلى عكس ما يدعيه ورثة الشخصيات التاريخية، فإن صناع مسلسلات السير والتراجم، لا يسعون لتشويه تاريخ هذه الشخصيات، بل يسعون عادة إلى تلميعها وتنقيتها من الشوائب وينطلقون في ذلك من رؤية سطحية وساذجة تذهب إلى أن فنون التليفزيون تتوجه عادة إلى أفراد الأسرة، وعليها أن تراعي ذلك فى كل ما تقدمه بما في ذلك المسلسلات التي تتناول سير وتراجم أبطال التاريخ، بحيث تقدم هؤلاء باعتبارهم قدوة ومثلا أعلى، ليقتدى بهم الناس، خصوصا الشباب ويتخذوا منهم أسوة حسنة، يسيرون على دربها، وكانت النتيجة أن هذه المسلسلات تقدم الشخصيات التاريخية للمشاهدين بصورة ملائكية لا صلة لها بالبشر، فهم على شاشة التليفزيون شخصيات نورانية، تتسم بكل الفضائل، صادقون، شرفاء، أمناء، مهذبون، لا يعرفون الحقد والضغينة، لا يغضبون، ولا يغارون ولا يتآمرون، ولا يشعرون بالمنافسة، وهي صورة تؤدي في النهاية إلى تحقيق عكس ما يريده أصحاب هذه الرؤية التليفزيونية للشخصيات التاريخية، لأنها تدفع كل إنسان طبيعى لليقين بأنه لا يصلح لأن يكون مثلهم، ولليأس من السير على دربهم، طالما يفتقد لصفة أو أكثر من الصفات المثالية التي يضفيها التليفزيون عليهم. والحقيقة أن حملة الإرهاب القانونية التي يمارسها ورثة الشخصيات التاريخية، على صناع المسلسلات التليفزيونية التى تتناول سير أسلافهم، تفتقد لأي أساس قانوني» لأن قضايا القذف والسب، هي من قضايا الشكوى، أي التى لابد وأن يقيمها المقذوف في حقه بنفسه، لأنه المتضرر الوحيد منها، فإذا لم يقمها خلال ثلاثة أشهر من الواقعة سقط حقه فى إقامتها، ولأن المرحوم قد انتقل إلى رحاب الله، فإن حق ورثته في رفع مثل هذه القضايا يقتصر على ما قد يصيبهم شخصيا من قذف أو سب إذا كانت شخصياتهم قد ظهرت في المسلسل، ولأن حق الورثة في استغلال سيرة حياة مورثهم، يقتصر على الحالة التي يكون قد كتب فيها مذكراته، ويكون المسلسل قد استند إلى هذه المذكرات وحدها في التأريخ لسيرته، وحتى هذه الحالة فإن حق الورثة فى استغلال ما تركه مورثهم من كتب يسقط بعد خمسين سنة من وفاته، وهو ما ينطبق على مذكرات حسن البنا، الذي مضي على وفاته ستون سنة، بصرف النظر عن أن المسلسل لم يعتمد على هذه المذكرات كمصدر وحيد لوقائعه. أما الضحية الوحيدة لمسلسلات السير والتراجم، فهو المشاهد المسكين. صحيح أن هذا النوع من المسلسلات يخلق حالة من الفضول لدى مشاهد التليفزيون قد تدفعه للقراءة في التاريخ، لكن من الصحيح كذلك أن المشاهد يقع بين مطرقة المكائد القانونية، التي يمارسها ورثة الشخصيات التاريخية، وسندان الذين يسعون للربح من هذه المسلسلات فيسلقونها بلا علم أو معرفة، أو يدفعهم إرهاب الورثة لتقديم صورة ملائكية لقادة التاريخ، لا تغرى أحدا باتباعها أو السير على دربها، لأنها تنتمى إلى كائنات غير بشرية، لا صلة لها بمن يشاهدون التليفزيون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها