النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

مسلسلات السير غير الذاتية

رابط مختصر
العدد 7816 الجمعة 3 سبتمبر 2010 الموافق 24 رمضان 1431هـ

من المصطلحات التليفزيونية التي تشيع على ألسنة الكتاب والصحفيين والإعلاميين والمشاهدين في شهر رمضان من كل عام‏، ‏وتثير الجدل عادة مصطلح مسلسلات السير الذاتية الذي يستخدمه هؤلاء جميعا‏، ‏استخداما خاطئا ولا صلة له بمعناه الحقيقي‏، ‏في الإشارة إلي المسلسلات التي تترجم لتاريخ حياة شخصية تاريخية في مجال السياسة أو الفن أو الأدب‏، ‏ومن بين ما عرض منها خلال السنوات القليلة الماضية‏، ‏المسلسلات التي تروي سير شخصيات من نوع أم كلثوم وقاسم أمين وجمال عبد الناصر وإسماعيل ياسين وأسمهان وليلى مراد والملك فاروق ومن بين ما عرض منها في رمضان هذا العام مسلسلا شيخ العرب همام والجماعة الذي يروي سيرة حسن البنا المرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين‏.‏ والوجه الأول للجدل الذي يثار حول هذا المصطلح‏، ‏والأقل إثارة للاهتمام‏، ‏يتعلق بالخطأ الشائع في استخدامه‏، ‏فـالسيرة الذاتية في مصطلح علم التاريخ‏، ‏هي السيرة التي يرويها صاحبها بنفسه ويكتبها بقلمه‏، ‏ومن أشهرها‏، ‏وربما يكون أولها في أدبنا العربي الحديث‏، ‏كتاب الأيام الذي كتبه د‏. ‏طه حسين في بداية ثلاثينيات القرن الماضي‏، ‏وروى فيه سيرة حياته منذ طفولته‏، ‏حتى عودته من البعثة‏، ‏وقد تحول في بداية الثمانينيات إلى مسلسل تليفزيوني قام ببطولته أحمد زكي‏.‏ والسيرة الذاتية ـ التي قد تأخذ شكل مذكرات أو يوميات يكتبها صاحبها يوما بعد يوم‏، ‏أو تأخذ شكل ذكريات يرويها جملة في مرحلة متقدمة من حياته ـ تختلف في مصطلحات علم التاريخ عن السير والتراجم التي يكتبها أحد المؤرخين ليروي فيها سيرة حياة علم من أعلام الأدب أو الفن أو السياسة‏، ‏ويستعين في روايتها بكل ما كتبه أو كتبه عنه الآخرون‏، ‏في أن كاتب السيرة الذاتية يختار من تاريخ حياته‏، ‏ما يريد إذاعته‏، ‏ويقدم رؤيته لنفسه‏، ‏في حين أن كاتب السيرة ـ فقط وبدون ذاتية ـ هو مؤرخ محايد‏، ‏يروي الأوجه المختلفة لسيرة الشخصية التي يترجم لها‏، ‏ويقدم رؤيته كمؤرخ لها‏.‏ وبهذه التفرقة بين المصطلحين‏، ‏فليس فيما قدمته أو تقدمه الدراما التليفزيونية من مسلسلات ما يمكن أن يطلق عليه مصطلح مسلسلات السيرة الذاتية بما في ذلك مسلسل الأيام نفسه‏، ‏لأن الذين حولوا الكتاب إلى دراما تليفزيونية‏، ‏أضافوا إليه من الخيال أو من مصادر أخرى ـ شخصيات ووقائع تضاف تحت بند الضرورات الدرامية‏، ‏وبالتالي فإن المصطلح الصحيح للتعريف بهذا النوع من المسلسلات هو مسلسل السيرة بدون ذاتية من فضلك‏، ‏لأن النوع الوحيد من الفنون التليفزيونية‏، ‏الذي يمكن أن يطلق عليه عنوان سيرة تليفزيونية ذاتية هو البرامج التي تظهر فيها الشخصية بنفسها لتروي ذكرياتها للمشاهدين‏، ‏ومن أبرزها الحوار المطول الذي أجراه سعد الدين وهبة مع الموسيقار محمد عبد‏‏الوهاب‏، ‏والذي روى فيه الأخير على امتداد أكثر من عشرين حلقة ذكرياته‏، ‏وبرنامج شاهد على ‏العصر الذي كان يقدمه الإعلامي عمر بطيشة‏، ‏والذي يقدمه بالاسم نفسه‏، ‏علي شاشة قناة الجزيرة الآن الإعلامي أحمد منصور‏.‏ أما الوجه الآخر للجدل الذي لا يتوقف حول هذا النوع من مسلسلات السير بدون ذاتية فهو مجموعة المشكلات التي تثار حولها في كل مرة يعرض فيها أحدها‏، ‏وهي مشكلات تتقنع عادة باتهام كتابها بأنهم يشوهون التاريخ ويسيئون إلى أبطاله‏، ‏من دون أن يكون هذا هو السبب الوحيد‏، ‏وقد لا يكون واردا على الإطلاق لكن على أي الأحوال‏. ‏هو الجانب الموضوعي الوحيد فيما يثار من جدل حول هذا النوع من المسلسلات‏، ‏التي تثير عادة سؤالا مشروعا هو‏: ‏إلى أي مدى يحق لكاتب المسلسل التليفزيوني الذي يدور حول سيرة شخصية تاريخية أو يروي وقائع تاريخية‏، ‏أن يغير الحقائق التاريخية أو يضيف إليها باسم الضرورات الدرامية؟‏!‏ وفي الإجابة عن هذا السؤال لابد من التفرقة بين نوعين من المسلسلات التاريخية الأول‏: ‏هو المسلسلات التي يكون فيها التاريخ خلفية لوقائع تصور الحياة الاجتماعية في حقبة زمنية سابقة‏، ‏ومن نماذج ذلك المسلسلات مثل بين القصرين وباب الحارة وخان الحرير والشارع الجديد وغيرها‏، ‏وهي مسلسلات لا تظهر فيها شخصيات تاريخية حقيقية‏، ‏لكن ذلك لا يعفي صناعها من الالتزام بإعادة تخليق الواقع التاريخي طبقا للحقائق التاريخية من حيث الملابس والتقاليد والعادات والمهن والألقاب والصحف والأغاني ولغة الحوار‏، ‏وكل التفاصيل الأخري‏، ‏وهي قاعدة عامة‏، ‏ينبغي أن تلتزم بها كل المسلسلات التاريخية سواء كان التاريخ مجرد خلفية لوقائعها‏، ‏أم كان موضوعا لها‏.‏ والحديث عن الضرورات الدرامية في هذا النوع من المسلسلات الاجتماعية‏، ‏التي تتخذ من الماضي خلفية لها‏، ‏ليس واردا لأن شخصياتها كلها متخيلة‏، ‏لكن الأمر يختلف حين يتناول المسلسل سيرة حياة شخصية معروفة‏، ‏أو يروي وقائع تاريخية سياسية أو فكرية أو اجتماعية‏، ‏إذ لابد من الالتزام الصارم بوقائع التاريخ كما وردت في المصادر والمراجع‏، ‏التي تتناول الحقبة أو الشخصية التي يؤرخ لها المسلسل‏، ‏والكاتب الدرامي المتمكن هو الذي يبذل مجهودا في جمع المادة التاريخية من مظانها المختلفة‏، ‏ويستند إلى الدراما الطبيعية في وقائع التاريخ لبناء عمله‏، ‏وتوفير كل ـ أو معظم ـ الضرورات الدرامية التي يتطلبها استنادا إلى هذه الوقائع‏، ‏من دون أن يلجأ إلي الخيال‏، ‏إلا في التفاصيل الصغيرة‏، ‏التي لا تغير حقيقة من حقائق التاريخ المهمة والأساسية‏، ‏فمن حقه أن يضيف شخصية ثانوية غير مؤثرة في الأحداث‏، ‏للتعبير عن فكر أو تأكيد سمة من سمات الشخصية‏، ‏أما الذي ليس من حقه‏، ‏فهو أن يتعلل بالضرورات الدرامية‏، ‏ليطلق لخياله العنان‏، ‏ويخفي بذلك عجزه عن بذل ما يكفي من المجهود‏، ‏الذي يؤهله لكي يكتب دراما تاريخية لا تتطلب أن يكون المؤلف كاتبا دراميا فقط‏، ‏ولكن مؤرخ كذلك‏.‏ وإذا كانت القاعدة العامة‏، ‏في كتابة الدراما التاريخية‏، ‏سواء كانت مسرحية أم فيلما أم رواية أم مسلسلا‏، ‏هي الالتزام بالوقائع التفصيلية التي وردت في مصادر ومراجع التاريخ‏، ‏فإن اللجوء إلى الخيال وارد في حالة التأريخ الدرامي لشخصيات أو وقائع تاريخية‏، ‏لا تنطوي المصادر والمراجع التاريخية‏، ‏على القدر الكافي من التفاصيل التي تعين كاتب الدراما على تقديم عمل درامي عنها‏، ‏وبالذات الشخصيات والوقائع التي تنتمي إلى التاريخ القديم أو تاريخ العصور الوسطي أو مطلع العصور الحديثة‏، ‏التي ضاع قسم مهم من تفاصيلها‏، ‏لأنها لم تصل إلي من عاصرهم من المؤرخين‏، ‏أو لأن ما دونه هؤلاء المؤرخون عنهم وعنها قد تبددت مخطوطاته فيما تبدد من وثائق ومخطوطات ذلك الزمان‏!‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها