النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الاستهلاك.. الملامح غير المرئية

رابط مختصر
العدد 7812 الأثنين 30 أغسطس 2010 الموافق 20 رمضان 1431هـ

احتل الانشغال بقضية الاستهلاك الرمضاني حيزاً كبيراً في الصحافة قبل أن يعلن أول يوم من رمضان، وظلت المقالات تتوارد يوماً بعد يوم، يحمل بعضها شرحاً وتفسيراً لضرورة المحافظة على العادات الغذائية الصحية والابتعاد عن الخاطئة منها، وأدلى المتخصصون بدلوهم في هذا الجانب بنصائح وتعليمات من جهة، في حين ازدادت المقالات والبرامج التلفزيونية المرتبطة بالاستهلاك الغذائي، ولم يبخل المختصون في إثراء الموائد الرمضانية بالأطباق الشهية والحلويات التي تغري العيون والنفوس. ويشكل هذا الاستهلاك الرمضاني جزءاً من منظومة الاستهلاك الكلي، وهماً للسلطات الرسمية في الدول الإسلامية، مما يجعلها في حالة طوارئ لاستقبال هذا الشهر بتوفير السلع الغذائية بالأسعار «المناسبة». ويظل هذا الانشغال والاحتفاء الإعلامي السنوي، يثير فضولاً اقتصادياً واجتماعياً، إلا أن صورته تتوارى مع حلول عيد الفطر منتظرة موعدها القادم. ويبقى السؤال يعيد نفسه في تيه بحثاً عن بصيص ضوء لهذه الظاهرة المرتبطة بالإنسان التي تتصف بالديناميكية. لقد فرض التطور الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات الغربية تحولاً في دوافع الأفراد وممارساتهم في الاستهلاك من منطق الحاجات وطريقة الاستعمال إلى منطق الرغبة واللذة بعد توسع إنتاج السلع والخدمات، وانعكس ذلك على المجتمعات الأخرى بدرجات متفاوتة نتيجة تحسن الأوضاع المعيشية في بعضها وعولمة الاقتصاد إنتاجاً واستهلاكاً. وبات الاستهلاك بصورة عامة، لا يرتبط كلياً بإشباع الحاجات الأساسية (المأكل، الملبس،.. الخ) التي تلبس ثوب الضرورية لبقاء الإنسان واستمرار وجوده. بل أصبح الاستهلاك في الوقت الحاضر يأخذ شكل نظام يقوم على معان وقيم أخرى يتلاعب أو يناور الأفراد من خلالها، جماعياً وفردياً، في تخصيص موارد كبرى سواء من الوقت والجهد والطاقة البدنية.. الخ من أجل إشباعها، وأضحى هذا التحول يمثل تصورات جديدة تقوم على فكرة واجب الاستهلاك بدلاً من حق الاستهلاك. ظلت دراسة الاستهلاك من الناحية الاقتصادية خاضعة لمنهج الاقتصاد الجزئي، هذا المنهج الذي يسلط الضوء على عملية اتخاذ القرارت الفردية (لماذا يتم اختيار نوعية معينة أو ماركة محددة وليس الأخرى) أو تحليل بنية الاستهلاك عن طريق عوامل معينة مثل القوة الشرائية والدخل والانتماء الاجتماعي. أي أن المدخل الجزئي يرتكز على ربط قرار الفرد في عملية الشراء، كمعيار للاختيار الرشيد القائم على القدرة الفردية في الاختيار بين البدائل المتعددة، بعرض السلع والخدمات ومدى تعظيم الإشباع الفردي (قياس المنفعة) ومقارنة ذلك بالموارد التي هي في الحقيقة محدودة. ولكن هذا القرار قد يخفي في جوفه مجموعة من العوامل التي تتحكم في الاختيار وليس بين مختلف السلع فقط. إلا أن الوقائع اليومية والدراسات قد أثبتت أن هناك عوامل أخرى غير الاختيار بين السلع تؤثر في عملية القرار مثل السعر والنوعية وسمعة المنتج والتصميم.. الخ، إضافة إلى معيار تعظيم المنفعة أو تقليل المخاطر أي المخاطر التي تضر بالمستهلك: خطر نوعية المنتج والخطر النفسي والخطر المالي «اثر الشراء على ميزانية المستهلك» والخطر الاجتماعي «صورة اقتناء المنتج كالمضاهاة والتفاخر». هذه الحزمة من العوامل التي تقود إلى تشابك الجوانب الاقتصادية بالاجتماعية تلقي على السطح صعوبة عزل الاستهلاك عن التطور التاريخي للمجتمع، وتعكس تاريخية الاستهلاك التي تلبس ثوباً ثقافياً عن طريق دمج العلاقات المادية للسلع بالعلاقات الإنسانية. إن اعتبار الاستهلاك كعنصر ثقافي يوسع النظرة الأحادية التي هي غير كافية للخوض في ثنايا مفهوم الاستهلاك المحصور في عملية واحدة المتمثلة في فناء السلع عن طريق استعمالها مرة واحدة أو لمدة طويلة أو تعظيم المنفعة، أي أن القبول بمفهوم الاستهلاك كعنصر ثقافي يتطلب فهما جديدا تقوده مجموعة من الممارسات التي تجمع آفاقا متعددة: العاطفية والمتعة والانفعالية والرمزية والاجتماعية. إن الأجواء الرمضانية لا تعكس في الواقع، إلا صورة جانبية واحدة لدوافع الاستهلاك، فليس من المؤكد أن تولد هذه الضجة السنوية وعياً، لبناء حكمة في ترشيد الاستهلاك بشكل عام، فالبحث عن مستهلك «رشيد» لا يوجد إلا في دروس الاقتصاد الجزئي لتسهيل عرض النظريات التي تحصر الاستهلاك بعامل الدخل وحده عند بقاء العوامل الأخرى خارج عملية التحليل، أي جرت عادة الاقتصاديين على التملص من ذلك، بالافتراض بأن جميع المتغيرات الأخرى التي تؤثر ثابتة وغير متغيرة، كما يصبح من الصعب مماثلة انعكاسات زيادة الدخل في الدول المتقدمة والدول النامية التي سيظل فيها بند الغذاء يحتل درجة نسبية عالية في سلة إنفاق الأسر حيث حاجة الغذاء غير مشبعة أو أن المناسبات الاجتماعية أو الدينية تعطي الفرص للإنفاق مجاراة لما يدور في المجتمع من عادات تكرست منذ سنين. ويصبح وجه الإنفاق الأسري غير واضح الملامح، إذا ربط بمستوى الدخل المطلق فقط، أي عدم مقارنته بدخول الأسر الأخرى التي تحيك معه صلات ووشائج، سواء في السكن أو في العلاقات الاجتماعية حيث ان العوامل الذاتية للمستهلك التي تنطلق من البنية النفسية والعادات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع قد تؤثر في قرار المستهلك بصورة أو بأخرى عن طريق ما تتيح من فرص وما تفرض من قيود على عملية الاستهلاك التي تتأثر بميول الفرد واتجاهاته وما توفر من سلع في الأسواق. لذا فتغيير تلك العملية لا يتم بصورة آلية وسريعة، ويكون من الصعب إقناع أو إجبار الناس على تغيير نمط إنفاقهم في فترات محدودة وقصيرة من الزمن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها