النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

الخلافة.. وسلطة الأمة

رابط مختصر
العدد 7809 الجمعة 27 أغسطس 2010 الموافق 17 رمضان 1431هـ

كانت الدعوة لإعادة إحياء الخلافة الإسلامية‏، ‏من القضايا التي حسمت بعد الضجة العنيفة التي ثارت بشأن بقائها أو إحيائها‏، ‏في أعقاب خطوتين دراميتين صادمتين أعلنهما في تركيا الغازي مصطفى كمال أتاتورك قائد الحركة الوطنية التركية‏، ‏وأنصاره في حكومة المجلس الوطني الكبير‏، ‏بالفصل بين‏ الخلافة والسلطنة في نوفمبر عام‏ 1923، ‏ثم بإلغاء الخلافة نهائيا في العام التالي‏، ‏لتبدأ حركة نشطة في أكثر من بلد إسلامي تدعو لعقد مؤتمر الخلافة‏، ‏للبحث في اختيار أحد ملوك المسلمين لتنصيبه خليفة‏، ‏ونقل مركز الخلافة إلى بلده‏، ‏لكن طموح كل منهم لتولي المنصب، ‏ورفضه لأن يكون خاضعا للسلطة الروحية لغيره، ‏جعل الفكرة غير قابلة للتحقيق‏.‏ وكانت من بين التداعيات المهمة لتلك المرحلة، ‏الضجة التي أثارها كتاب الإسلام وأصول الحكم‏، ‏الذي نشره الشيخ علي عبدالرازق، ‏قاضي محكمة المنصورة الابتدائية عام‏ 1925، ‏وذهب فيه إلى أن الخلافة ليست من أصول الحكم في الإسلام‏، ‏فبدا وكأنه اعتراض على الحركة التي كان يتزعمها مشايخ أزهريون من الموالين للقصر الملكي لنقل الخلافة إلى مصر‏، ‏وتعيين الملك فؤاد خليفة للمسلمين، ‏فاعتبروا ما ورد فيه تحريفا‏، ‏وحاكمته هيئة كبار العلماء بالأزهر‏، ‏وفصلته عن عمله في القضاء‏، ‏لتثور أزمة وزارية انتهت بانهيار حكومة الائتلاف التي كانت تتولى الحكم في مصر آنذاك‏.‏ وعلى امتداد نصف القرن الذي مضى منذ عثوري على كتاب الخلافة وسلطة الأمة‏، ‏وقراءتي له لأول مرة‏، ‏تغيرت أشياء كثيرة كانت من بينها عودة الدعوة لإحياء الخلافة الإسلامية، ‏لتكون شعارا معلنا أو مضمرا لكثير من حركات تيار الإسلام السياسي المعاصرة التي برزت بقوة على الخريطة الفكرية والسياسية العربية والإسلامية‏، ‏منذ هزيمة‏ 1967، ‏التي اتخذت مبررا للحكم بهزيمة المشروع القومي ومبررا للظن بأن الأوان قد آن لإعادة إحياء الخلافة من جديد‏.‏ وكان هذا هو الذي دفعني لإعادة قراءة كتاب الخلافة وسلطة الأمة باعتباره وثيقة فكرية تستكمل وثائق معركة إحياء الخلافة في عشرينيات القرن الماضي‏، ‏وباعتباره كذلك وثيقة معاصرة تفيد في الحوار الدائر الآن بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة‏ المدنية‏.‏ والكتاب يقع في‏ 72 ‏صفحة من القطع المتوسطة، ‏وقد نقله عن التركية عبدالغني سني بك.‏ وطبقا لما ذكره في المقدمة ذاتها فإن النص الذي يقول إنه ترجمة حرفية، ‏ويتضمن بحثا كلفت حكومة المجلس الوطني الكبير‏ -‏وهي حكومة ثورية كان أتاتورك قد شكلها في أنقرة تاركا حكومة السلطان والخليفة تمارس سلطتها على العاصمة اسطنبول وحدها‏- ‏بعض علماء الشرع بإعداده حول موقف الشريعة الإسلامية من مسألة الخلافة، ‏لينتهوا منه إلى جواز إلغاء السلطنة‏، ‏وكف يد الخلافة عن تدبير أمور الأمة السياسية والإدارية، ‏وهو الحكم الشرعي الذي استندت إليه حكومة أتاتورك في أنقرة لإلغاء السلطنة‏، ‏قبل أن تتبعها بعد شهور بإلغاء الخلافة‏.‏ ويجزم التقرير بأن مسألة الخلافة هي من المسائل الفرعية‏، ‏ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة ولا علاقة لها بالاعتقاد‏، ‏فهي ولاية عامة لكنها غير روحانية‏، ‏كولاية البابا الروحانية‏، ‏بل إدارية سياسية كالولاية العامة التي يتولاها الملك أو الرئيس‏، ‏وطبقا لما ذهب إليه فإن الخلافة في التطبيق العملي قد انقسمت إلى قسمين‏: ‏خلافة كاملة وحقيقية يستوفي الخليفة فيها الصفات والشروط اللازمة‏، ‏ويمارس كل السلطات على رعاياه‏، ‏وخلافة صورية لا يتوافر للخليفة فيها كل الشروط أو يحوزها صاحبها بالقهر‏، ‏وربما لا يمارس كل سلطاته على رعاياه‏.‏ وفي تحليله إلى شروط الخلافة‏، ‏كما أوردها فقهاء المسلمين السنة‏، ‏وهي أن يكون الخليفة مسلما‏، ‏حرا‏، ‏عاقلا‏، ‏بالغا، ذكرا‏، ‏سليما في حواسه وأعضائه‏، ‏كفؤا‏، ‏عالما شجاعا‏، ‏عادلا‏، ‏قرشيا‏.. ‏رأى أنها جميعا منطقية‏، ‏لكنه توقف أمام الشرط الأخير‏، ‏وهو أن يكون الخليفة من قريش‏، ‏أي من بني النضر بني كنانة‏، ‏قائلا‏: ‏إن عدم توافر أحد الشروط العشرة السابقة على هذا الشرط في أحد القرشيين‏، ‏يحول دون إسناد الخلافة إليه‏، ‏وعدم توافر شرط القرشية‏، ‏فيمن تتوافر فيه الشروط العشر‏ة ‏السابقة عليه‏، ‏يفقده شرطا أساسيا من شروط الخلافة التي يتحتم أن تتوافر جميعا فيمن يتولى هذا المنصب‏، ‏وهو ما أوقع الأمة في الإثم‏، ‏لأن علماء أهل السنة أوجبوا تنصيب الإمام على الأمة‏، ‏ولم يجيزوا في الوقت نفسه‏، ‏إمامة من لم يستجمع كل شروط الإمامة‏، ‏ولاسيما شرط القرشية‏، ‏فكانت النتيجة‏ أن تولي الخلافة من تتوافر فيهم شرط القرشية ولا تتوافر فيهم بعض من الشروط الأساسية الأخرى‏، ‏مثل الكفاءة والعدل والعلم‏.‏ وهكذا انقسمت الخلافة إلى خلافة حقيقية‏، ‏هي التي يستجمع صاحبها كل الشروط‏، ‏وخلافة صورية‏، ‏هي التي يفتقد فيها إلى شرط أو أكثر‏، ‏أو يحصل على منصبه بالغلبة أو القهر‏، ‏وهي في جوهرها سلطنة أو سلطة زمنية لا صلة لها بمعناها الروحي والديني‏، ‏وفي الحالتين فإن اجتماع كل شروط الخلافة الحقيقية في شخص واحد‏، ‏حتى لو كان الوحيد الذي تجتمع فيه هذه الشروط‏، ‏لا تجيز له أن ينصب نفسه خليفة رغما عن الأمة‏، ‏فالخلافة نوع من أنواع العقود بين الأمة والخليفة‏، ‏وهي عقد وكالة لا يصلح إلا بالإيجاب والقبول‏، ‏وبالانتخاب والبيعة‏، ‏والخليفة ليس مسؤولا عن طريقة حكمه أمام الله عز وجل فقط‏، ‏بل مسؤول كذلك أمام الأمة‏، ‏وهناك فارق بين خلافة النبوة‏، ‏أي خلافة النبي صلى الله عليه وسلم‏، ‏وهي مقصورة على الخلفاء الراشدين وحدهم‏، و‏منذ عصور ما بعد الخلفاء الراشدين لم يكن سوى سلطنة مذمومة‏، ‏وحكومة مردودة شرعا‏، ‏وأن الذين يسمون بالخلفاء لم يكونوا غير الملوك والسلاطين‏، ‏وهو ما يعني سوى الفصل بين الخلافة والسلطنة‏، ‏والسلطة الروحية والسلطة الزمنية‏، ‏بحيث لا يتدخل الخليفة في شؤون الدنيا‏، ‏وبحيث تخضع السلطة الزمنية لإرادة الأمة‏، ‏التي تختارها وتحاسبها‏، ‏وتفيد سلطتها حتى لا توقع الظلم برعاياها‏.‏ هذه هي خلاصة البحث الذي استند إليه أتاتورك‏، ‏قبل‏ 90 ‏سنة‏‏.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها