النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10878 الأحد 20 يناير 2019 الموافق 14 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

رد الاعتبار إلى ثقافة الاعتذار

رابط مختصر
الجمعة 14 صفر 1431هـ العدد 7599

الخطباء والوعاظ والدعاة وكافة العلماء وبخاصة من الذين يعتلون منابر بيوت الله للوعظ والإرشاد وتوعية الناس بقيم الدين وتعاليمه، هم أولى الناس وأجدرهم بأن يسارعوا إلى تقديم اعتذارهم الجميل إذا أساءوا إلى الآخرين في خطبهم وأحاديثهم الدينية، فهم القدوة والمربون في نظر القاعدة الشعبية العريضة، الاعتذار فضيلة أخلاقية سامية، وقيمة عليا من قيم ديننا الذي يحثنا إلى المبادرة لتصحيح أخطائنا في حق الآخرين والاعتذار ثم الاحسان والتعويض عن الإساءة، عشرات النصوص الدينية تخاطب وجدان المسلم وتثير الوازع الأخلاقي في نفسية للاعتراف بالخطأ سواء في حق الله أو في حق الآخرين، ولعل (التوبة) ومشتقاتها من أكثر الألفاظ دوراناً في القرآن، وما التوبة إلا التعبير الأسمى عن (فضيلة الاعتذار) عشرات النصوص الدينية في تمجيد (النفس اللوامة) التي تقوم بعملية (النقد الذاتي) و راجع نفسها باستمرار وتنشغل بتصحيح عيوبها بأكثر من عيوب الآخرين، عشرات النصوص الدينية في إحسان الظن بالمسلم والصفح والإحسان ومقابلة الحسنة بالإساءة حتى تمحها، لا أحد معصوم من الخطأ ولكن – أيضاً – لا أحد فوق الاعتذار، الاعتذار ليس ضعفاً، بل دليل قوة وثقة بالنفس، وهو عنوان للرقي الأخلاقي والبلسم الشافي للجراح وله أعظم الأثر في تذويب العداوات وإزالة المرارات وتأليف القلوب، ومواساة المشاعر، الاعتذار مطهر صحي للذات ومصحح للسلوك، وله فعل السحر في النفوس وفي كسب القلوب وفي مداواه الجروح وإزالة الاحتقانات، وما أجمل أن تسود ثقافة الاعتذار مجتمعاتنا العربية والإسلامية!! عدم الاعتذار دليل قساوة القلب وجمود المشاعر وتضخيم الذات واستعلائها على الآخرين، من يكابر ولا يعتذر عن أخطائه، من يزعم أنه يملك الحقيقة المطلقة، الذين لا يراجعون أنفسهم ولا يعترفون بأخطائهم تجاه الآخرين هم نتاج ثقافة التعصب الديني والأيدلوجي والتي ترى الآخرين من منظار الاحتقار والدونية، الذين لا يعتذرون، أصحاب عقول إقصائية – والإقصائية هي نوع من الفكر والممارسة التي لا ترى إلا نفسها ولا تعيش إلا بنفسها كما يقول (تركي الحمد) العقل الإقصائي هو الذي يقف وراء أكثر الكوارث في التاريخ البشري، العقل الإقصائي هو الذي ينصب صاحبه قاضياً يحكم على معتقدات الآخرين، من لا يعتذر لا يعترف بأخطائه، ومن لا يعترف بأخطائه لا يتعلم منها ولا يطور نفسه وحياته، السؤال المطروح: إذا كانت لفضيلة الاعتذار هذه المكانة العالية في ديننا وفي تراثنا الثقافي وفي الأدبيات العربية فلماذا لا نراها مجسدة في سلوكياتنا وفي تعاملاتنا وفي علاقاتنا؟! لماذا لا نفعل فضيلة الاعتذار في أنماط التنشئة الاجتماعية وفي مناهج التعليم والتربية؟! ( الاعتذار ) وبقية القيم الإنسانية العليا لازالت معلقة في الفضاء المجتمعي ولا نجد لها تطبيقاً واسعاً في سلوك حي وممارسة فاعلة بين أفراد المجتمع، مد بناظريك عبر الساحة العريضة فماذا ترى؟! ما أكثر الإساءات والمرارات والتجاوزات وما أقل الاعتذارات! شعوب ودول وأحزاب ومنابر ورموز دينية وسياسية وثقافية تسيء إلى بعضها ثم تكابر وتناور وتراوغ ولا تعترف ولا تعتذر، شعوب ودول اعتذرت عن تجاوزات تاريخية. اليابان اعتذرت لشعوب جنوب شرق آسيا والصين عن الفترة الاستعمارية، أمريكا اعتذرت لأفريقيا عن تجارة العبيد، بابا الفاتيكان اعتذر عن الحروب الصليبية، فرنسا اعتذرت عن شحن يهودها للحراق، شعوب كثيرة اعتذرت لبعضها ولم أسمع دولة عربية اعتذرت لأخرى إلا الاعتذار اليتيم الذي قدمه (أبو مازن) لدولة الكويت، عندما زارها وقال (نعتذر عما بدر منا ونقول لأهلنا في الخليج نحن بحاجة ماسة لدعمكم ومساندتكم) فكان الرد الجميل من أمير الكويت (يا سيدي لماذا نتحدث عن الاعتذار الموضوع انتهى، وأنت بين إخوانك) لا يقدم على الاعتذار إلا رجال عندهم من الثقة بأنفسهم ومن الشجاعة في تحمل مسؤولياتهم ما يجعلهم يصححون مواقفهم، ولكن هذه حالة فريدة في الحياة السياسية العربية، صدام شن عدواناً على دولتين جارتين وتسبب في قتل الملايين وذهب ولم يعتذر ولازال أنصاره يبررون خطاياه! الأنظمة الثورية المتعاقبة ألحقت الهزائم والكوارث بأوطانها ولم تعتذر لشعوبها، آلاف المعتقلين السياسيين في السجون ماتوا من التعذيب وذهبوا من غير أي اعتذار أو تعويض، وحتى على مستوى الجماعات السياسية لم نجد إلا اعتذار وحيد قامت به الجماعة الإسلامية بمصر (القوميون) تكلموا بخصومهم ولم يعتذروا ولم يقوموا بأية مراجعة نقدية عامة لطروحاتهم، (الإخوان) لم يعتذروا عن تاريخ طويل من العنف وقال كبيرهم: (الإخوان لا يعتذرون) جميع التيارات السياسية ارتكبت مظالم كبيرة ضد بعضها ولم تعتذر! وحتى على المستوى الثقافي وجدنا اتحاد كتاب العرب ونقابات المحامين والرموز الثقافية الكبيرة التي ساندت (صدام) كل هؤلاء لم يعتذروا للشعب العراقي وعلى المستوى الديني: المنابر الدينية التي كفرت الكتاب والمفكريين والفنانين واستحلت دماءهم لم تعتذر! خطباء (حيّ على الجهاد) الذين خطفوا منابر بيوت الله وحولوها منابر سياسية وحرضت ضد الكتاب والسياسيين والفنانيين، ومفرقة للمسلمين ومؤججة للكراهية والطائفية ولتغرير بالشباب ودفعهم للهلاك، لم يعتذروا ولا رقيب ولا حسيب عليهم، ومع أن (قمة مكة) جرمت التكفير والفتاوى التحريضية إلا أنه لا أحد يملك مقاضاتهم أو المطالبة بتنحيتهم عن منابر التوجيه، وحتى إساءة بعض العلماء لبعضهم، هل رأيت عالماً يعتذر لعالم؟! وعلى مستوى الحركات المسلحة (حماس) وبالرغم من انقلابها الدموي لم تعتذر للشعب الفلسطيني و(حزب الله) لم يعتذر للشعب اللبناني رغم المغامرة الكارثية، (الأقليات) الدينية والعرفية في العالم العربي لها اعتذارات مستحقة ونحن نطالب الآخرين بالاعتذار ولا نبادر بالاعتذار، لو كان الاعتذار ثقافة سائدة في حياة العرب لأمكن وضع حد لكثير من القضايا العالقة وإلا زالت مرارات كثيرة في النفوس ما أجمل أن نعتذر لبعضنا! وما أجمل أن تسود ثقافة الاعتذار حياتنا ومجتمعاتنا!! هي كلمات بسيطة لكن لها أثر سحري يزيل المرارات، الاعتذار قيم وثقافة وفضائل تتأسس عبر التنشئة الأولى وتترسخ بالممارسة وتصبح نسقاً عاماً يحكم العلاقات الاجتماعية، اننا بحاجة لرد الاعتبار لثقافة الاعتذار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها