النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

رئيس الوفد الجديد.. بين مطرقة العلمانيين وسندان الدولةالدينية

رابط مختصر
العدد 7802 الجمعة 20 أغسطس 2010 الموافق 10 رمضان 1431هـ

أدهشني د‏.سيد البدوي، ‏الرئيس الجديد لـ «حزب الوفد»‏حين‏ قال في أول خطاب عام‏ يلقيه، ‏بعد انتخابه‏، ‏إن البعض بمن فيهم أعضاء في حزب الوفد نفسه يعتبرونه حزبا‏ علمانيا‏، ‏مع أنه ليس كذلك، ‏ولم يكن في يوم من الأيام كذلك‏، ‏بل كان منذ نشأته حزبا مدنيا ولايزال.‏ ومن الوارد أن يكون وراء حرص رئيس الوفد‏، ‏على إعلان هذا الاستخلاص التاريخي‏ الجديد‏، ‏اللغط‏ الذي أثارته تصريحات د.‏ سعاد صالح‏، ‏أستاذ الفقه المقارن بجامعة‏ الأزهر‏، ‏فور انضمامها إلى الوفد عقب إعلان فوز د‏. ‏البدوي برئاسته، ‏التي قالت فيها‏: ‏إنها لا توافق على تولي قبطي لرئاسة الجمهورية‏، ‏لأنها ولاية عظمى‏، ‏لا يتولاها إلا‏ مسلم‏، ‏وبررت ذلك بأنه لا يجوز أن يكون المسلم مرؤوسا لمن هو أدنى منه‏، ‏مما دفع أحد قادة الوفد لتنبيهها إلى أن ما تقوله يخالف ثوابت الوفد، ‏واضطرها إلى سحب التصريح‏، ‏استنادا إلى الرأي الفقهي الذي يقول‏: ‏إن رئاسة الجمهورية ليست ولاية عظمى، ‏لكنها مجرد وظيفة إذ لم تعد الولاية العظمى بعد إلغاء الخلافة. ويبدو أن اللغط حول اتجاهات الوفد تجاه هذه المسألة قد تجدد بعد‏حضور مندوب عن‏حزب الوفد للاجتماع الذي دعا إليه المرشد العام للإخوان المسلمين‏، ‏مندوبين عن بعض‏القوى السياسية لتنسيق المواقف بينها بشأن ضمانات نزاهة الانتخابات، ‏والزيارات المتبادلة بين‏‏ رئيس الوفد والمرشد العام للجماعة‏، ‏فيما بدا تقاربا وفديا إخوانيا، ‏من‏الوارد أن يكون داخل حزب الوفد نفسه‏، ‏خصوصا العناصر التي انضمت إليه بعد‏انتخابات الرئيس الجديد له‏، ‏من يدفع في اتجاهه‏، ‏لأسباب عملية نفعية تتعلق بمحاولة‏الحصول على ‏أصوات الإخوان وأنصارهم في الانتخابات لصالح مرشحي الوفد‏، ‏ومن‏الوارد أن يكون وراء إشاعة هذه الهواجس حول موقف الوفد من الإخوان‏، ‏أو تضخيمها عناصر وفدية تسعى ‏لتصفية حسابات معركة انتخابات رئاسة الحزب‏.‏ وهكذاوجد الرئيس الجديد لحزب الوفد نفسه، ‏بين مطرقة الذين يدافعون عن علمانية‏الوفد، بما يضمن له أصوات الأقباط والعناصر ‏المستنيرة والمثقفة ‏من المسلمين، ‏وبين‏سندان الذين يطالبون بنفي تهمة ‏العلمانية عن‏الوفد ماضيا وحاضرا ومستقبلا‏، ‏حتى لا يستغل ذلك خصومه‏، ‏فيشيعونها عنه بين الناس‏، ‏وينفض عنه المتأثرون بأفكار التيارات‏ التي تدعو لإقامة دعوة دينية‏، ‏وفي الحالتين فسوف يخسر الوفد أصوات فريق‏ لا‏يستهان به من الناحيتين.‏ ومن الإنصاف لرئيس الوفد‏، ‏أن نقول‏: ‏إن من أراد أن ينفي عن الوفد المفهوم السوقي‏والمبتذل للعلمانية‏، ‏الذي تشيعه عنه الجماعات التي تدعو إلى ‏إقامة دولة دينية، ‏وهو‏مفهوم يقرن بينه وبين‏‏الإلحاد و‏‏الكفر وإنكار الأديان‏، ‏والوفد فعلا لم يكن يوما علمانيا بهذا المعني العامي والجاهل للمصطلح‏، ‏وليس في تاريخ قادته المؤسسين‏: سعد زغلول‏، ومصطفي النحاس‏، ‏وفؤاد سراج الدين أو فيما صدر عن حكوماته من قوانين وقرارات، أو ما طبقته من سياسات‏، ‏ما يشير إلى عداء للأديان‏، ‏أو دعوة للإلحاد، ‏بل إن هذا‏ التاريخ يحفل بأمثلة لا‏‏حصر لها على العكس.‏ كان سعد زغلول أزهريا تخرج في الأزهر ودرس العلوم الدينية، ‏وتتلمذ على يد الشيخ‏ محمد عبده‏، ‏وكان مصطفى ‏النحاس مسلما تقيا نقيا‏، ‏حتى اعتقد المصريون فيه الولاية‏، بعد أن نجا بمعجزة إلهية أكثر من مرة من محاولات القصر الملكي لاغتياله، ‏ومع ذلك‏ فقد كان كل منهما علمانيا مسلما يدعو للفصل بين الدين والسياسة‏، ‏ويؤمن بأن الأمة‏ مصدر السلطات، ‏ويدافع عن المساواة بين المصريين بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم‏ وآرائهم السياسية، ‏ويحكم انطلاقا من رؤية واضحة‏، ‏بأن الحكومة‏، ‏أي‏ حكومة‏، ‏لا يجوز‏ لها أن تنحاز في قراراتها أو تشريعاتها أو إجراءاتها أو وظائفها‏ لأتباع دين معين من رعاياها.‏ كان مصطفي النحاس مسلما علمانيا حين ذهب إليه أحمد حسين‏، ‏مؤسس جمعية‏ مصر الفتاة في الثلاثينيات‏، ‏ببرنامج الجماعة يطلب رأيه فيه‏، ‏فتوقف عند ثلاثية الله‏.. الملك‏.. ‏الوطن‏، ‏التي اتخذتها الجمعية شعارا لها‏، ‏وقال له‏: ‏ما شأن الله والملك والوطن ببرنامج لجمعية‏، ‏أو حزب سياسي‏. ‏إن الله هو ربنا جميعا، ‏والملك هو ملكنا جميعا‏، والوطن هو وطننا جميعا‏، ‏هل تريد أن تقول للناس إن الله هو ربك وحدك وليس ربي‏، وأن الملك هو ملكك وحدك وليس ملكي‏، ‏والوطن هو وطنك وحدك وليس وطني؟ هذه أشياء نملكها جميعا ونتفق حولها جميعا‏، ‏والأحزاب السياسية تؤسس لتدافع عما نختلف حوله وليس عما نتفق فيه.‏ هذا هو تاريخ الوفد الذي لا يجوز لرئيسه أن ينكره أو يتنكر له مهما كانت الضغوط والتوازنات‏، ‏وهذا هو المعنى الحقيقي للعلمانية‏ السياسية التي حفرت اسم الوفد في‏ تاريخ الوطن‏، ‏باعتباره الحزب الذي بلور مفهوم الوطنية المصرية ونقاها من الشوائب‏، وتلك هي المعاني التي يتوجب على ‏الوفد أن يرسخها في عقول قادته وأعضائه القدامى والجدد‏، ‏ليواصلوا نضالهم من أجل تنقية الوطنية‏ المصرية من الشوائب التي تريد أن‏ تعود بنا إلى عصور ما قبل الدولة الوطنية.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها