النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

إنا على فراقك يا أبا سهيل لمفجوعون

رابط مختصر
العدد 7802 الجمعة 20 أغسطس 2010 الموافق 10 رمضان 1431هـ

لم تكد مآقينا تجف من الدموع حزنا على الأخ والصديق العزيز المفكر أحمد البغدادي الذي صدمنا برحيله المفاجئ في الأسبوع الماضي، حتى فوجئنا بخبر مؤلم آخر عن رحيل قامة أخرى من قامات التنوير والحداثة والإبداع في خليجنا، ألا وهو الصديق الغالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي. لن أتحدث في هذه العجالة، التي يعتصر فيها القلب ألمًا وحزنًا على انتقال أبي سهيل إلى جوار ربه، عن مشوار الفقيد أو ما تركه لنا من كنوز في عوالم الأدب والشعر والسياسة والإدارة، أو مدى هيامه بجزائر النخيل واللؤلؤ التي عشقها وعشق أهلها، وإنما أحصر حديثي في الجوانب الإنسانية الرائعة في سيرته من تلك التي لمسها لمس اليد كل من عرفه أو اقترب منه رحمه الله. سمعت بالراحل الكبير قبل وقت طويل من لقائي الأول به. إذ وجدت عند النبش في الأوراق التي تركها لنا والدي قبل رحيله، وريقات وإيصالات تفيد باقتراضه مبالغ مالية زهيدة كثلاثين أو خمسين روبية من الوجيه عبدالرحمن القصيبي، مع تعهدٍ بسدادها على أقساط، علاوة على رسائل من الوالد إلى الأخير مذيلة بالسلام على الأولاد ومنهم «غازي». أما معرفتي الشخصية بالراحل الكبير فتعود إلى الفترة التي أطلق فيها باكورة أعماله الروائية وهي رواية «شقة الحرية» الشيقة. إذ لم أشأ بعد قراءتي لذلك العمل الممتع، والذي اقتربت أحداثه وشخوصه وحواراته كثيرا مما عشته وعاشه معي أقراني من طلبة البحرين والخليج في بيروت – رغم اختلاف المكان والزمن – أن أجلس صامتا دون أن أرد من فوق صفحات الجرائد البحرينية والخليجية على بعض الأقلام العربية المأجورة التي لم تهاجم وتنتقد «شقة الحرية» كعمل فني، وإنما تجاوزت الحدود وراحت تهاجم كاتبه، انطلاقا من موقف سياسي عنصري مسبق ضده وضد بلده الخليجي. وأتذكر أن صحيفة «أخبار الخليج» نشرت المقال المذكور في موقع بارز، الأمر الذي استرعى انتباه المرحوم الأستاذ يوسف أحمد الشيراوي، وكان زميلا مقربا، وصديقا مشاكسا لأبي سهيل، فأطلع الشيراوي القصيبي عليه. وهكذا لم تمر عدة أيام إلا والشيراوي ينقل إلي رسالة شكر من أبي سهيل على ما كتبته. مثلت تلك الواقعة مفاجأة كبيرة لي، خصوصا وأن الرسالة جاءت من شخصية كبيرة مرموقة لكاتب كان وقتها يحبو في عالم الكتابة، بل لم يكن قد أنهى تعليمه العالي، غير أن الأمر شجعني على التواصل مع الفقيد كتابة وتبادلا للمؤلفات وتحاورا في المسكوت عنه. هذا قبل أن نلتقي شخصيا في عاصمة الضباب حينما كان هو سفيرا لبلاده لدى بلاط السانت جيمس، وكنت أنا مجرد طالب دكتوراه بالكاد يقارع مستلزمات المعيشة الصعبة في بلاد الإنجليز. لم تمنع القصيبي وظيفته المرموقة كدبلوماسي ووزير سابق، أو مكانته السامية لدى الجالية العربية المغتربة كداعم للأنشطة الخيرية والاجتماعية، وموقعه الثقافي كأكاديمي سابق وكاتب وشاعر ومفكر من أن يتعاطى مع من هو أقل منه بكثير. وبهذا فقد ضرب – رحمة الله عليه – أروع الأمثلة في التواضع، على العكس من آخرين كثر ممن لم يصلوا إلى ربع قامته، لكنهم أحاطوا أنفسهم بجدران وأسوار يصعب اختراقها. فقد كان باب القصيبي مفتوحا سواء في مكتبه و مجلسه الأسبوعي داخل السفارة السعودية في لندن، أو في مقر سكنه بالقرب من قصر الأميرة الراحلة «ديانا» في حديقة كينسينغتون. الأمر الآخر الذي لمسته شخصيا من خلال التعاطي مع الفقيد، أنه لم يرد قط أحدا قصده في خدمة مقدور على تلبيتها. وفي هذا السياق، أتذكر أنه واجهتني ذات مرة وأنا في لندن مشكلة مستعصية كدت أفقد الأمل في حلها، فإذا بها تحل في غضون فترة قصيرة على يد أبي سهيل الذي عالجها بحكمته ورويته المعهدوتين، فأزاح عني كابوسا كان يهـدد استـمــراري في دراسـتي. عـلاوة على ذلك، كان أبو سهيل صريحا مع معارفه حينما يتعلق الأمر بخلل يفوق إصلاحه طاقته، فكان يوفر بذلك على الآخر دخول المتاهات وبذل جهود لا طائل من ورائها. حدث ذلك لي شخصيا حينما لجأت إلى الراحل الكبير ذات مرة طالبا توسطه لدى إحدى الدوائر الرسمية الخليجية للإفراج عن وثيقة كي أستعين بها كمرجع في أطروحتي للدكتوراه، فإذا به يقول: « لا تتـعـب نفـســك يا عبـدالـله.. فتـجربتي تقـول انه حتى لو كان نصـها منــشورا في عـدد اليــوم من الجرائد المحلية، فإنهم لم يمنحوني أو يمنحونك إياها بحجة أنها سرية!!». ولم ينس أن يرشدني إلى البدائل وأماكن توفرها بحسب خبرته السابقة كحاصل على الدكتوراه من جامعة لندن، علما بأنه كان ينزعج من مناداته بالدكتور، ويكره توقيع اسمـه مذيلا بحرف الدال. ومما أتذكره عن الفقيد أنه خصص فصلا كاملا في أحد مؤلفاته لسرد ما كتبته عن رواية «شقة الحرية»، وأرسل لي نسخة من المؤلف، فقمت، من باب رد الكرم، بإهداء معاليه كتابي عن حكايات الرعيل الخليجي الأول في الهنـد والــذي تضمن إشارات إلى العلاقات التجارية لعائلة القصيبي الكريمة بالهند، فإذا به يبعث لي برسالة شكر حزينة تسيل من حروفها الدموع والأشجان قائلا: لو أن الله مدّ في عمر صديقنا «يوسف أحمد الشيراوي» (وكان صاحب اطلاع واسع في كل ما يخص الهند) لكان فرح بكتابـك فرحا عظيما». رحم الله أبا سهيل المفكر والمبدع الإنسان صاحب الضمير الوقاد، والكلمة الحرة، والرأي السديد، والقرار الشجاع، والكف النظيف، والابتسامة الجالبة للحبور، والمواهب المتعددة، رحمة واسعة وألهم ذويه ومحبيه وأصدقاءه الكثر في كل مكان الصبر والسلوان. وإنا على فراقك يا أبا سهيل لمفجوعون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها