النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الدولار الأمريكي.. فارس المستقبل المنظور

رابط مختصر
العدد 7777 الاثنين 26 يوليو 2010 الموافق 14 شعبان 1431هـ

يحضر الدولار الأمريكي دوما في قلب المشهد الاقتصادي، ويمارس نجوميته سواء في الازدهار أو الركود منذ اعتلائه تدريجياً عرش العملات العالمية مع نهاية الحرب العالمية الأولى وأصبح الوريث الشرعي الوحيد بعد الجنيه الإسترليني في نهاية الحرب الثانية، وبات الدولار لغة المال في جميع أنحاء المعمورة على مدى زمان طويل. ولكن يظل اللبس منتصباً في كل لحظة لإعطاء تفسير مسلسل تذبذبات الدولار وموقعه الدولي كوسيلة للتبادل الدولي ومخزن للقيمة ومقياس لقيم العملات، وتزداد الحيرة والتناقضات في الرأي بعد الأزمة المالية والاقتصادية الحالية التي جاء بعد تغيرات اقتصادية وسياسية عديدة شهدها العالم. جاء صعود الدولار واحتلاله وظيفتي الوسيط للمبادلات الدولية والاحتياطي لمواجهة اختلال موازين المدفوعات بين دول العالم، ليس نتيجة اتفاق دولي، بل ما تكدس في خزائن الولايات المتحدة الأمريكية من ذهب وعملات أجنبية من جهة، وخروجها من الحرب العالمية الثانية دون ضرر، بل بطاقة انتاجية مدنية وعسكرية كبيرتين من جهة أخرى. إضافة إلى أن قوة نظام النقد القائم على قاعدة الذهب، قد بدأت في التلاشي وأدى هذا الضعف إلى عدم القدرة في إعادة التوازن الاقتصادي الداخلي للدول نتيجة عجزه في توفير السيولة الكافية من الذهب لمواكبة الزيادة المستمرة في المعاملات الدولية منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. إلا أن نهاية ستينات القرن الماضي قد أفرزت ظروفاً جديدة لنظام النقد الدولي، فقد بدأ الضعف ينخر في قوة الدولار كعملة دولية نتيجة العجز في ميزان التجاري الأمريكي الذي لم تكن تعرفه الولايات المتحدة من قبل وزيادة مديونيتها تجاه الدول الأخرى؛ مما جر إلى زعزعة الثقة في الدولار، وعدم قدرته في بث روح الاستقرار في مستويات أسعار الذهب والعملات الأخرى. هذا النظام الذي يفترض مبدئياً أن تكون إدارة العملة الدولية تأخذ في اعتبارها المسؤولية الدولية قبل متطلبات مصلحة الاقتصاد الوطني. إلا أن قرار الرئيس الأمريكي نيكسون عام 1971 المتمثل في إنهاء قاعدة تحويل الدولار إلى ذهب قد رجح كفة المصلحة الوطنية ضمنياً وخاصة بعد حرب فيتنام، وصاحب ذلك من ضغوط تضخمية على الاقتصاد الأمريكي التي انعكست أضرارها على الاقتصاد العالمي؛ وعرف الاقتصاد الأمريكي نتيجة ذلك تدهوراً نسبياً لصالح ألمانيا(الغربية) واليابان، إلا أن هذا لم يؤثر سلباً على ثقل الدولار عالمياً التي عززه تدفق الاستثمارات اليابانية والألمانية. لقد شكلت هذه الظروف فرصة لإزاحة عبء استبدال الدولار بالذهب من كاهل الولايات المتحدة الأمريكية وتثبيت نظام نقدي يقوم على تعويم أسعار الصرف، أي أعطى هذا النظام استقلالية وحرية في انتقال رؤوس الأموال على الساحة العالمية وأصبح الدولار الورقي يسيطر عالمياً كمستودع للقيمة ووحدة حساب ووسيط تبادل لبعض السلع. كما يلاحظ المراقبون منذ تسعينات القرن الماضي، ان انخفاض سعر صرف الدولار يتم تحت سيطرة الإدارة الأمريكية التي تدرك أن هناك حدا للخفض بحيث لا تتم الإساءة إلى مكانة الدولار كمهيمن مصرفي، بحيث توظف الولايات هذا الانخفاض لتحقيق مصالحها أولاً للنفاذ إلى الأسواق العالمية وثانياً تقليل القيمة الفعلية للديون الخارجية الأمريكية. إلا أن هذا قد أثار حفيظة الدول الناشئة والنامية والفقيرة وخاصة بعد الأزمة المالية الحالية التي اندلعت في الولايات المتحدة الأمريكية وانتشار آثارها في مختلف دول العالم وأضحت هذه الدول ضحية لتراجع قيمة الدولار الذي احتفظت كاحتياطيات استراتيجية بهدف الحماية من تقلبات أسواق السلع الأولية والنفط وتدفقات رأس المال. لقد بلورت انخفاضات الدولار رأياً موحداً يؤكد أهمية مراجعة نظام النقد الدولي وتحكم عملة واحدة لدولة واحدة تكيف سياساتها حسب مصالحها دون التفات لمصالح باقي دول العالم. لذا أصدرت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة (الأونكتاد) في 29 يونيو 2010 تقريراً يدعو إلى التحول عن الدولار كعملة رئيسية للاحتياطيات العالمية، وذلك لعدم استطاعته في حماية القيمة، أي أصبح الدولار غير قادر أن يكون مستودعاً مستقراً للقيمة وهي لازمة وشرط أساسي لعملة الاحتياطي العالمية. كما أيد التقرير الاستعاضة عن الدولار بحقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي الذي أثار تخوف الولايات المتحدة الأمريكية. هذا التخوف الذي دفع المسؤولين في الأمم المتحدة لإعطاء تبرير دبلوماسي يحمل الزمن الطويل في جوفه باقتراح وضع خطة تدريجية ومرحلية لاستبدال الدولار بحقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي لتخفف الضغوط عن الولايات المتحدة وعدم اضطرارها في توفير الدولارات في الأسواق العالمية وتحمل أعباء العجز في الميزان التجاري والموازنة كترضية للدول النامية والفقيرة. ولكن يخفي ذلك التبرير في طياته صعوبة عملية تتشكل في تخلي العالم عن فارس المستقبل المنظور، أي الدولار في ظل النظام النقدي الحالي القائم على تعويم أسعار الصرف الذي يحقق بعض الشروط الأساسية وينقصه ضمان استقرار قيمة العملة، دون مراعاة لتاريخ النظم النقدية والوضع الجيوبوليتيك وموازين القوى السياسية والعسكرية في العالم والأوضاع الاقتصادية العالمية التي يحتل الدولار الأمريكي فيها منذ مؤتمر «بريتون وودز» عرش الصدارة في النظام النقدي العالمي. فمازال الدولار يمثل حوالي 86 بالمائة من قيمة مبادلات الأسهم العالمية و63 بالمائة من إجمالي الاحتياطيات النقدية العالمية وما يفوق 900 مليون دولار من صادرات النفط اليومية، أي لن تختفي العملة الأمريكية بسرعة، رغم ما يعانيه الدولار من متاعب كثيرة ولن تكون حصاراً شاملاً ومانعاً لنمو الحكمة الإنسانية أمام إعادة التفكير والبحث لتجاوز الصعاب والتحديات لولادة البديل الذي سيستغرق زمناً حتى يتم الاعتراف بشرعيته، فهو سعي مستمر ومرتبط بالسياق الاقتصادي والسياسي العالمي أي وليد السياسة والمصالح التي يخدمها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها