النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

التكنولوجيا أو معضلة التفكير «النانوي»

رابط مختصر
العدد 7770 الأثنين 19 يوليو 2010 الموافق 7 شعبان 1431هـ

لقد تحدث الفنانون والأدباء عن أمنيات يتوق الإنسان للوصول إليها في قصص خيالية وساحرة للألباب طوال عصور التاريخ متمثلة في حلم طيران الإنسان بأجنحة أو على بساط ينقله من مكان إلى آخر، حيث كانت هذه الأفكار تعتبر ضرباً من الجنون أو سحرا يحمل التفاؤل. بل شكل هذا الضرب الجنوني خرائط مستقبلية، سبقت وحركت مخيلة العلماء في خلق أدوات تحقق حلم الإنسان في تنقلاته والعيش دون بذل جهد في إنجاز أهدافه. كان من الصعب تخيل آلة أثقل من الهواء أن تحلق وتطير بسرعة تقارب سرعة الصوت لنقل البشر والبضائع، فقد جاء هذا الحدث العظيم نتيجة الانفجار التكنولوجي الذي عرفه النصف الأول من القرن العشرين، لينعكس على حياة الناس واقتصادهم، حيث دخلت تمديدات الكهرباء والمياه البيوت وأصبحت السيارة وسيلة نقل شعبية. وتلاحقت إنجازات العلم والتقنية بعد ذلك كالمضادات الحيوية والراديو والتلفزيون والأسلحة النووية والحاسوب، وساعدت الآلات الزراعية بمختلف أشكالها إنتاجية العمل في هذا القطاع وقللت جهد العاملين فيه وعددهم. أثارت تلك القصص دوافع الإنسان وعمل على تغيير عالمه المادي والفيزيائي الذي يعيش فيه، وظل الإنسان يلهث ودون هوادة بما يملك من نظرة لعالمه من خلال دوافعه وتصوراته الذهنية ويتحرك ويعمل من أجل رؤية تحمل في جوفها كيفية استخدام الظواهر الطبيعية لخدمة حياته الدنيوية، أي نظرة الاستثمار الدائم للعلم والتكنولوجيا في تشكيل وتصنيع الحياة. إن تسارع التغيرات التكنولوجية (صناعة وعمل الأشياء) التي تقودها المجتمعات الغربية، استطاعت أن تبلور مساراً تاريخياً لاحتياجات الإنسان والإمكانيات المادية وتلقي بالضوء على المستقبل. فقد أعطت التكنولوجيا منذ القرن التاسع عشر تلك المجتمعات، من جهة قصب السبق دون مواربة على غيرها من المجتمعات منذ القرن التاسع عشر ووهبتها سلطة وسطوة يدعمها العلم الذي يمثل الفهم والتفسير النسقي والمنهجي الذي يحققه الإنسان في بيئته التي يعيش فيها من جهة أخرى. ولا شك سيكون ثقل تكنولوجيا النانو التي تعني عالم التقنيات المتناهي في الصغر أو (فن التلاعب بالمواد على المستوى الذري أو الجزئي لبناء أدوات مجهرية أو التقنيات التي تصنع على مقياس يعادل واحدا من ألف مليون من المتر) عظيماً في حياة الإنسان خلال العقود القادمة. فقد شرعت هذه التقنيات تتسرب في الأغراض الطبية والعلمية كالمياه لا تنتظر أحداً، تتخذ أشكالاً وتتدفق حول أشياء وتجد ممرات سرية في مختلف حياة الإنسان. لقد وضعت هذه التكنولوجيا الجديدة أساساً قوياً في تكثيف التغيرات المستقبلية التي تدعمها العقول «الالكترونية»، هذه العقول التي تمثل معياراً للتقدم ومسطرة لقياس مدى استثمار بلد ما قدرات عقول أبنائه، خالقة الثروة والسلطة. ويرخي هذا التقدم العلمي والتكنولوجي ظلاله بصورة كبيرة وعنيفة على وعي الإنسان بذاته ويهز مركزه في هذا العالم الذي كان يراه ثابتاً وينقله إلى عالم لا يعرف الثبات، ومن فكر يؤمن بأن كل شيء وضع بنسب محددة ومعينة بدقة ومسيرة لغرض معين إلى فكر تقني ورؤية تكنولوجية لا تستثني شيئاً في هذا العالم من ضروب التغيير، بل أضحى هذا العقل الحداثي أو العقلانية الذرائعية حسب مصطلح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس «قارباً ينبغي ركوبه وتسخيره بالمقدار الممكن» أي ان هذا العالم لا يعرف شيئاً يشكل غاية بذاته بل هو وسيلة وأداة للوصول إلى هدف لا يحدده إلا الإنسان الذي يبث الروح ويعطي الهوية للشيء بعمله. إن نداء الاستيقاظ من سبات الفكر والركود الحضاري، لا جدوى منه دون علم يقوم على جهد نقدي إزاء البنى الفكرية السائدة ويساعد على خلق تفكير إبداعي، وبعيد عن اختبار القدرة على الحفظ الذي كان مطلوباً في عصر المخطوطات أو التفاخر برأس محشو بمجموعة كتب أي فقدت الذاكرة صفتها الذاتية والمعرفية بعد اختراع الكتابة، وتحولت إلى ذاكرة جماعية وموضوعية متمثلة بثلاثية العقول: العقل الإنساني والعقل الالكتروني والعقل الجمعي، وبات ذلك عنصراً معطيا وثابتا في معادلة عملية التطور البشري. إن الهجمة الشرسة للحداثة التي لم نشارك فيها والتي نحاول محاربتها بأسلحة الماضي، ستكرس لنا وضعاً متدنياً في سلم النهوض ومأزقاً حضاريا في العقود المستقبلية، حيث سيزداد تطور التكنولوجيا النانوية التي ستحتل مكانة أساسية في التغير القادم. ولن تخرجنا عملية التلاعب بمماثلة المفاهيم التي تبلورت من حضارة سابقة لمفاهيم عصر تهيمن عليه صناعة تقوم على مفهوم ثلاثي للعقول من التقهقر الحضاري أو لن تفلح عمليات الاستخدام المفرط للمنتجات التقنية المستورة في مد اليد للهروب من ذلك المأزق. وبكلمات أخرى لن يحمي التفكير «النانوي» أو التفكير الذي لا يخترق ثقب الإبرة من الوقوع في حبائل مكر العقل الذي سيقود المصالح الخاصة ومشاريعها، كتوابع وأدوات غير واعية، للمسار التاريخي العام الذي يحدده العقل بعمله وحضارته المهيمنة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها