النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10878 الأحد 20 يناير 2019 الموافق 14 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

نقد القيم

رابط مختصر
العدد 7767 الجمعة 16 يوليو 2010 الموافق 4 شعبان 1431هـ

هذا عنوان لكتاب صغيرالحجم، عظيم النفع، جليل الشأن، للدكتور عبدالله الفيفي الأستاذ بكلية الآداب بجامعة الملك سعود، هو دراسة نقدية لـ«موسوعة القيم ومكارم الأخلاق العربية والإسلامية” الصادرة في المملكة العربية السعودية عام 2000، باعداد فريق علمي كبير من الباحثين والباحثات وتضمنت 51 قيمة اجتماعية عربية أو إسلامية وخصت كل قيمة بمجلد صغير لتبلغ عدد مجلداتها مع المقدمة 52 مجلداً، يقدم الباحث هذه الدراسة النقدية للموسوعة رغم أنه أحد المشاركين فيها بهدف اثراء الموسوعة كقيمة فكرية غير مسبوقة في مجالها ونقد الخطاب الذي أفرزها، ولن يتسع المجال لتناول مباحث الكتاب لذلك سأركز على هذه القضية: الأولى: علاقة الأخلاق بالقيم: يرى المؤلف أن الموسوعة وقعت في شيء من الخلط بين “الأخلاق” و “القيم” حين اعتبرت الأولى مرادفة للثانية والأمر ليس كذلك فالأخلاق تقوم على معيار يقوم سلوك البشر من حيث هو خير أو شر بينما القيم تشمل دائرة أوسع وأشمل وأوغل تأثيراً في حياة الإنسان من خيرية أو شرية أعماله، كما أن دوافع القيم تتشكل من مصادر شتى منها: الديني والفلسفي والنفسي والإجتماعي والاقتصادي، اضافة إلى أن القيم مرتبطة بالوظيفة الإجتماعية والضرورات المجتمعية في سياق زماني ومكاني معينين، ينتقد الباحث التداخل بين المعيار القانوني والقيم الإجتماعية، إذ أن هناك فارقاً بينهما في مسألتي الإلزام والعقوبة كما في المعيار القانوني، والتساهل والتسامح في القيم الإجتماعية كما في الثقافات الإنسانية، أما في الثقافة العربية فلا يبدو هذا التفريق قائماً لأن القانون المدني نفسه قائم على القيم الإجتماعية، ولأن للقيم في المجتمع العربي قوانينها الإجتماعية الخاصة والملزمة، بل إن الأخذ بها - صالحة أو غير صالحة - ما زال سلماً للوصول، فالكرم مثلاً باب للسيادة كما أن الوجاهة العرقية أو الإجتماعية أصبحت اليوم “طوطمية” حديثة تحت مسمى “وساطة” وما زالت قيماَ مرعية تكسر معيارية القانون ومباديء العدالة والمساواة بل وتتدخل لإبطال ما يترتب عليه من عقوبات وتؤكد سلطة المعيار القيمي القبلي، ان الموسوعة حين تربط القيم بالأخلاق فإنما تغيب قيماً إنسانية إسلامية إيجابية مثل قيم: “العمل” “العلم” “العقل” “العقلانية” وتتجاهل قيماً سالبة مثل قيمة “الظلم” لدى الجاهلية، تلك القيمة التي عبر عنها زهير بن أبي سلمى: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم بل جعل المتنبي، الظلم من شيم النفوس، وان كان العرب قد رأوا في الظلم حين يصدر من ذوي القربى رأيا آخر كما عبر عنه طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند مع أنه يفخر هو بنفسه في ممارسته الظلم والعدوان على الآخرين، وكأن ظلم البعيد قيمة عربية( إيجابية) في حين ظلم القريب ليس كذلك، وفي المثل الشعبي “أنا وأخي على إبن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب” وهذا يوضح أن التفاخر العربي كان في حقيقته، فخر العربي في الحط من أخيه العربي، أي أن المواقف لا تعتمد على معيار الحق وإنما تدور مع العصبية والقرابة. الآن ما هي الإفرازات الإجتماعية لهذا التداخل بين القيمة والمعيار الأخلاقي؟ يرى الباحث أن هذا التداخل يقف بمثابة إشكالية عضوية في بنية الثقافة العربية، وهو أحد أسباب التصدع القيمي بين الأجيال أو حتى داخل الجيل الواحد، فمثلاً “الشجاعة” التي كانت قيمة قبلية معيارية، مهددة بالتراجع في مجتمع اليوم الذي يقوم على شجاعة الحق والقانون، لكن سلطة المعيار القبلي لا زالت تفرض نفسها على الوعي واللاوعي الفردي والجمعي فإذا هما يفرزان عن “الشجاعة” أقوالاً خطابية دعائية، ربما أردفتها أفعال “عنترية” هوجاء، وهذا أدى إلى جبن الإعتراف بالضعف أو الخطأ البشري، وغياب ثقافة الإعتذار، وهي سلوكيات مرضية لاتحتكم إلى المنطق بمقدارإحتكامها إلى معيارية القيم كما يلقن إياها الطفل، وهذا ينطبق على معطيات صراع العرب لإسترداد حقوقهم العادلة، فإن أكثر ما يفسد عليهم التدبيرالعقلاني، تنازع القيم دواخلهم وقد يضحون بأنفسهم وبما في أيديهم لكي “يقال” أو خوفاً من أن “يقال” وبذلك تغدو قيم معيارية خلقت لزمان غير زماننا، عوائق ثقافية وحضارية، ثانياً: القيمة بين الثبات والتحول: هل القيم ثابتة لا تخضع للتطور؟ ينتقد المؤلف تمسك الموسوعة بالمفهوم القار للقيم في العالم العربي والإسلامي والذاهب إلى أن القيم مرتبطة بـ “القدم” وذلك في مسعى إلى القول بأن القيم العربية، قيم عليا، ثابتة، سائدة، دائمة، استمرارية، أزلية وليست عابرة كالقيم الغربية، وهي تستشهد بمقولة الجاحظ حين جعل القيم العليا في المجتمع العربي التقليدي: “القيم الدينية وقيم الشرف والأصل والأسرة والثأر” وذلك في مقابلة القيم الغربية: العمل والحرية والفردية، وبحجة أن القيم الغربية: مادية ونفعية أما قيم المجتمع العربي فهي غير مادية وغير نفعية، يقول المؤلف: لو أمعنا النظر في تصنيف القيم للجاحظ لتبين: أنه تصنيف ينتمي إلى ما قبل الإسلام، وأن قيم العمل والحرية والفردية والمساواة، هي قيم إسلامية لا غربية، ولو أمعن أيضا النقد في تصنيف القيم على أساس العمل والحرية والفردية، لتبين أنها الأقدر على أن تصبح قيما دائمة التطور، لا قيم “الشرف والأصل والأسرة والثأر” المنتمية إلى ما قبل الإسلام، وأما تصنيفها إلى كونها نفعية وغير نفعية فإنما ينبني على النظرة إلى مفهوم “النفعية” وإلا فجميع القيم نفعية بشكل أو بآخر لا على أنه النفع المادي فحسب بل النفع النفسي والذهني، وعندئذ فالقيم الأخلاقية نفعية، أما المغالطة في عزو قيم العمل والحرية والفردية إلى المادية واللادينية فمسلك مألوف في المفاضلة القيمية بين الغرب والشرق، إن القيم في مخاض تحول دائم، ذلك أن القيم التي لا تنمو ولا تتطور مع نمو المجتمع ليست بقيم وإنما هي مقدسات دينية، وحتى القيم الدينية لابد أن يكون فيها مجال للتطور وإلا لما كان هناك إجتهاد، بل لما صلح الدين لكل زمان ومكان، ولكن هل يعني ذلك أن تتحول قيمة “الصدق” لتستبدل بها قيمة الكذب؟! لا، ولكن المقصود أن نمو القيم وتحولها يعني أن درجة الثبات في القيمة ذاتها نسبية، حتى أن القيمة الواحدة في الزمان الواحد والمكان الواحد، لـتتراوح قبولاً ورفضاً حسب المواقف، فهل الصدق مثلاً يصلح في كل حال، أم أنه في بعض الحالات قد يكون ضاراً؟ وعندئذ تنتفي وظيفته، وعليه فالصدق الذي يمكن أن يؤدي بحياة إنسان لو سمعه، سيستحيل إلى جريمة بينما الكذب الذي كان مرذولاً هو الذي سيمسي فضيلة. إذن لا معنى بالقول بثبات القيم إلا أن يكون التعصب لتقاليد الماضي وتقديس قيمه وأسلافه، دعونا نتساءل: ما إفرازات هذا الوضع؟ يقول الباحث في تعليقه على كثرة ترديد الموسوعة، الحديث عن “اهتزاز الثوابت” وإننا نحن العرب، قد كدنا نذوب في حميا طوفان التقدم الفكري والمادي الغربي، فيوضح قائلاً: في مفردات هذا الخطاب تتجلى بعض القيم السالبة التي ما فتأت وسائل التربية والإتصال تغذي بها النفوس والعقول، ومنها غرس الشعور بالذلة والمسكنة، وأن الإنسان العربي قد أضحى ريشة في مهب الغرب وأعاصيره، فلا حول له ولا قوة إلا بالإعتصام بمفاهيم هلامية تسمى “ثوابت” فلقد بتنا كما تقول الموسوعة: “منجذبين إلى كل برق لامع، إذ غلبتنا الحضارة الغربية بما أفرزت” إنها قيم تقفل العقل وتعزل الإنسان، خائفاً يترقب، في قوقعة قصية عن العالم من حيث تنزع عنه الثقة الفطرية في التكافؤ الإنساني وتزعزع القناعة بأن تفوق الآخر لا سبيل إلى اللحاق به، ولذلك صارت فكرة الثوابت مثبطة عن كل تحرك إلى الأمام، فهي تفترض أن الآخر لا ثوابت له وأن ثوابتنا هي الخيار الوحيد والنهائي لقيم الخير والفضيلة في الوجود، ومن ثم سيثبت كل صاحب هوى أو عرق أو انتماء، عاداته وتقاليده على أنها هي ثوابت الأمة، هذا التصور يخطىء في حق ذاته والآخر معاً، إذ يغفل عن أن ليس هناك في الإسلام من ثوابت مطلقة إلا ما يتعلق بأمور العقيدة، ومن هذا يتبين أن مصطلح الثوابت لا يكون أحياناً بأكثر من قناع لتسويق عرقي. كيفية النهوظ في ظل الثوابت المقيدة: المجتمعات المنغلقة تفرض تحت شعار الثوابت قيماً ماضوية تستحيل مع الزمن إلى شكليات لا تصدر عن قناعة في سلوكيات الأجيال الجديدة ولكنهم يضطرون إليها تحت ضغط التقاليد فتتحول سلوكياتهم إلى “النفاق الإجتماعي” حيث تناقض القيم الظاهرة القيم الباطنة، في حين أن المجتمعات المفتوحة بما تتمتع به من قيم الحرية والتسامح، تقل فيه هذه الهوة، فتكون أقدر على إستيعاب التغيرات الطبيعية، ولأجل هذا فإن القيم الصالحة للبقاء تنمو شجرتها نمواً متصلاً يواكب حياة الإنسان وثقافته، بيد أن هذا النجاح في التكيف القيمي مرهون بقيمتي الإنفتاح على الآخر والمرونة الذهنية والنفسية في التعامل مع كل جديد. هاتان القيمتان إن وجدتا، رشحتا الأمة إلى نهضة حضارية فاعلة، ثم كانتا من أسباب بقائها، ولعل هذا هو ما حفظ على “اليابان” قيمها الخاصة وعصمها من الإنهيار، فنجاح المعادلة اليابانية – ازاء إخفاق المعادلة العربية – يعود إلى أن المجتمع الياباني، مجتمع مدني في جذوره، بينما المجتمع العربي مجتمع قبلي في جذوره. المدن اليابانية التي ساهمت في ولادة المجتمع الياباني الحديث استطاعت أن تبرز تقاليد المساواه والإخاء وتتجاوز العادات والتقاليد الموروثة إلى قيم جديدة من المواطنة وإحترام الآخر بمعزل عن الإنتماءات الإجتماعية، حسم الصراع القيمي في المجتمع الياباني واستطاع هذا المجتمع أن يؤلف بسلاسة بين تراثه الخاص وانفتاحه على الحضارة الغربية، في حين مازالت المشاريع العربية تعاني الفشل في كسر الطائفية والقبلية والقومية ودمجها في أنظمة مدنية حديثة تتخذ سبيلاً لها بين الأصالة والمعاصرة، ولأن كان التناقض هو طابع الخطاب الثقافي العربي، فان من المألوف كذلك من المثقفين وغيرهم، أن يقف بهم النفاق لما ينعتونه بـ “ثوابت القيم والمباديء” وذلك على صعيد الشعارات فقط، أما على صعيد السلوك فكلهم يدركون أنهم يكذبون على أنفسهم، قبل غيرهم ومن هذا يتضح أن نصب ثقافة الآخر، عدواً تقليدياً، ليس إلا نوعاً من الاستهلاك الثقافي الداخلي للأمة، تتلهى به دون نقد القيم، ومحاكمة الذات، وإنصاف الآخر بما له وما عليه، ووفق معايير موضوعية لا معايير بلاغية. ان التباكي على قيم الماضي والبكاء من قيم الحاضر،ليشبه مسلك الذين يفدون الى المدينة فينصب بيت شعره داخل بييته الجديد، اذ يعزعليه ان يتخلى عما ألف، العقلية التي تنعى “الجود العربي”لان الحديث عنها أصبح حديثاعن”التبذيروقلة التدبير”والحديث عن “الشجاعة”حديث عن”الغفلة والجهالة”بزعم أنهما قيمتان من الثوابت الموروثة وفق نموذجهما القبلي”حاتم وعنترة” ،تتجاهل أنهما قيمتان تعدان اليوم فعلاً - إن هما مورستا بنواميسهما القديمة – خارجتين عن قيم العصر، فالجود بتلك الصفة القديمة بات تبذيراً و سفهاً في مجتمع الوفرة، وأي قيمة اليوم – في زمن التقنية القتالية – للشجاعة بمفهومها العنتري القديم، إلا أن تكون غفلة و جهالة ؟! أفليس من ينعى قيمتي: الجود والشجاعة على ذلك النحو، متغافلاً عن عصره ؟! أجل أنه يتغافل عن أن الجود الحاتمي كان وسيلة حياة و مقايضة ضرورية بين الناس .

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها