النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11207 الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:52AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

سينما القطاع العام.. وسياسة التدخل عن بعد

رابط مختصر
العدد 7760 الجمعة 9يوليو 2010 الموافق 26 رجب 1431هـ

عاد حلم القطاع العام السينمائي ليشغل السينمائيين،‏أو بعضهم، ‏وكأنهم‏،‏أو معظمهم،‏ليسوا هم الذين أطلقوا الزغاريد ودقوا الدفوف،‏حين قررت الدولة عام‏ 1972 ‏وقبل ما يقرب من أربعين عاما‏، أن تحمل عصاها على كاهلها وترحل عن مجال صناعة السينما، ‏وأن تصفي إمبراطوريتها السينمائية التي لم تعش سوى ثماني سنوات‏ 1971/1963،‏تملكت خلالها كل عناصر الصناعة،‏من الاستوديوهات إلى ‏المعامل،‏ومن دور العرض إلى شركات الإنتاج والتوزيع، ‏وتحول خلالها كل المهنيين وغير المهنيين العاملين فيها إلى موظفين في القطاع العام‏،من الفنيين العاملين وراء الكاميرا وفي مقدمتهم المخرجون إلى النجوم الذين يقومون ببطولة الأفلام،‏لتكون تلك أول خطوة في سياسة الانفتاح الاقتصادي‏،‏التي لم تعلن رسميا إلا بعد ذلك بثلاث سنوات‏.‏ والشيء المؤكد‏، ‏أن تأميم صناعة السينما في خريف‏ 1963، ‏لم يكن قرارا أو اختيار وزير، ‏لكنه كان سياسة نظام، بصرف النظر عن أن الموجتين الأوليين من قرارات التأميم، ‏في يوليو‏ 1961 ‏وأغسطس‏ 1963، ‏لم تشملاها‏، ‏فذلك ترتيب للأولويات، كان لابد معه،وأن تركز هذه القرارات‏، ‏على الهياكل الأساسية للاقتصاد،‏وأن تسيطر الدولة على الصناعات الأساسية والضرورية لتمويل خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية‏، ليحل الدور في التأميم بعد ذلك على صناعة السينما‏،‏ليس فقط باعتبارها صناعة‏، ‏كان ينظر إليها أحيانا باعتبارها الصناعة الثانية بعد صناعة القطن،‏لكن، ‏أساسا، باعتبارها إحدى أدوات توجيه الرأي العام‏.‏ وكما‏ إن تأميم الهياكل الرئيسية للاقتصاد جاء في سياق تدريجي‏، ‏بدأ بتأميم ممتلكات الأجانب في أعقاب حرب السويس وبعدها، وبإنشاء المؤسسة الاقتصادية لتدير هذه الممتلكات، وتمويل مشروعات خطط التنمية، ‏ثم بتأميم بنك مصر والبنك الأهلي عام‏ 1960، ‏فإن تأميم السينما جاء في سياق خطوات تدريجية بدأت منذ عام‏ 1954، ترمي للسيطرة على الإعلام،‏ليكون أداة للتعبئة،‏ولحشد الجماهير المصرية والعربية حول أهداف ثورة التحرر الوطني في زمن الحرب الباردة‏، ‏وهي مرحلة كانت الدول المستقلة حديثا تسعى للقفز على فجوة التخلف التي تفصلها عن الدول المتقدمة،‏لتثبيت استقلالها وتنمية اقتصادها بما يشبع احتياجات شعبها، ‏وتتالت هذه الخطوات منذ عام‏ 1954 ‏بتقوية الإذاعة المصرية،‏ومد فترة إرسالها‏،وتنويع المستهدفين برسالتها الإعلامية‏، ‏وببناء مؤسسة صحافية قوية تملكها الدولة‏،‏هي دار التحرير لتصدر صحفا يومية صباحية ومسائية، ومجلات أسبوعية‏، ‏كان من بينها مجلة للسينما هي أهل الفن ثم بتقديم أصحاب الصحف التي طالبت بعودة الجيش إلى ثكناته، ‏إلى محكمة الثورة، ‏ليترتب على ذلك إغلاقها وسحب تراخيص الصحف غير المنتظمة في الصدور، وكان معظمها معارضا،‏لتصل هذه الخطوات إلى ذروتها بصدور قانون تنظيم الصحافة في‏ 24 ‏مايو‏ 1960، ‏الذي نقل ملكية المؤسسات الصحافية الكبرى إلى الدولة.‏ ولأن السينما من وجهة نظر ثوار يوليو، ‏هي أداة إعلامية للتوجيه والتعبئة‏، ‏فقد بدؤوا منذ عام‏ 1954، وفي وقت مواكب لتأسيس دار التحرير للصحافة بإنشاء شركة النيل للسينما، ‏لتنتج أفلاما تعبر عن توجهات ما كان يوصف آنذاك بالعهد الجديد، ‏ثم اتبعت بعد ذلك، وفي عهد تولي فتحي رضوان ثم ثروت عكاشة لوزارة الثقافة،‏سياسة التوجيه عن بعد، بالرعاية والدعم والإقراض ومنح الجوائز وإنشاء المعاهد المتخصصة في الفنون لتصل هذه الخطوات المتدرجة إلى ذروتها، ‏بقرارات تأميم وشراء الاستوديوهات ودور السينما وشركات الإنتاج عام‏ 1963، ‏ويبدأ ما عرف بعد ذلك بـ «القطاع العام السينمائي»‏.‏ لم تكن سياسة توجيه السينما عن بعد، دون التدخل المباشر في شؤونها سياسة خاصة بالوزير ثروت عكاشة، ولم يكن إنشاء القطاع العام السينمائي،‏سياسة خاصة بالوزير عبدالقادر حاتم،‏بل كان كل منهما،‏يعبر عن سياسة مرحلية للنظام تجاه الموقف من السينما كصناعة وكأداة للتعبئة السياسية،‏بل لعل رغبة النظام في تطبيق سياسة مختلفة تجاه الثقافة بشكل عام، ومن بينها السينما، كان أحد أسباب رحيل ثروت عكاشة،‏عن وزارة الثقافة عام‏ 1963،‏ليأتي عبدالقادر حاتم الذي كانت رؤيته لدور الثقافة في المجتمع الثوري الاشتراكي، على عكس ما يتصور كثيرون من المثقفين،‏أقرب إلى رؤية جمال عبدالناصر،‏الذي كان يرى أن اشتراكية الثقافة تعني أن يتوجه المنتج الثقافي إلى الشعب، لا إلى النخبة، ‏وأن يؤثر في الجماهير لا في الصفوة‏، ‏وأن يقدم فنونا تعليمية، لا تجارب طليعية، ‏وهو ما ذكره ثروت عكاشة نفسه في مذكراته‏.‏ خلاصة الكلام أن القطاع العام السينمائي، كان جزءا من القطاع العام الثقافي‏، ‏الذي استكمل تشكله خلال تلك السنوات، ‏في ظل السياسة التي وصفت بعد ذلك، بأنها سياسة الكم لا الكيف:‏شركة عامة للتوزيع ودور العرض،‏وشركة عامة للاستوديوهات،وشركة عامة لإنتاج الأفلام العربية‏،‏وأخرى للانتاج المشترك مع الشركات العالمية، ‏كتاب كل ست ساعات، مجلات ثقافية أسبوعية وأخرى شهرية، عشر فرق مسرحية للتليفزيون، غير مسارح وزارة الثقافة، ‏أفلام حرف أ، ‏وب‏،‏وج‏ ... ‏إلخ،‏وهي سياسة فهم الذين وضعوها،‏أن هذه هي اشتراكية الثقافة،‏وأن هذه هي الثقافة‏، ‏وهذه هي السينما التي يمكن أن تشيع القيم الجديدة‏،‏لدى ‏المواطنين في مجتمع اشتراكي فتعبئ بذلك الشعب لكي يسهم في بناء المجتمع الجديد‏.‏ فيما بعد، ‏تغير العهد،‏وتغيرت السياسة، ‏انتهى عهد الدولة التدخلية التي تسيطر على الاقتصاد لكي توفر موارد لتمويل خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية،‏وتسعى لتوسيع عائدها على أوسع قاعدة شعبية،‏وساد الاعتقاد بأن الرأسمالية والاقتصاد الحر وقوانين السوق، ‏هي التي تجلب كل الطيبات، وبدأت تصفية القطاع العام بتصفيته في مجال السينما، أيامها قال السينمائيون وغير السينمائيين في القطاع العام السينمائي، بما في ذلك الذين أسسوه وعملوا فيه وتربحوا منه،‏ما لم يقله مالك في الخمر‏: ‏خسائر بالملايين تشكل إهدارا للمال العام، قصص وسيناريوهات اشتراها القطاع العام من دون أن تكون صالحة أو يكون في نيته إنتاجها‏،‏بل لمجرد مجاملة أصحابها الطيور المهاجرة من نجوم السينما والمخرجين والمنتجين وحتى الفنيين هربوا إلى لبنان لكي يعملوا بها،‏لتفقد مصر صفة هوليوود الشرق، معظم الأفلام التي أنتجها القطاع العام لا تختلف في شيء عما كان ينتجه القطاع الخاص قبلها، ‏باستثناءات قليلة،‏التدهور يزحف على الاستوديوهات ودور السينما والمعامل‏، ‏بسبب توقف القطاع العام عن صيانة وتجديد الاستوديوهات ودور السينما، والمعامل بسبب عدم صيانة أو تجديد البنية التحتية للصناعة.‏ ومع التسليم بأن هذا التصميم السلبي لتجربة القطاع العام السينمائي، ‏ينطوي على درجة كبيرة من التجني،‏تتجاهل كثيرا من الإيجابيات التي أضافتها إلى السينما، ومنها ارتفاع نسب الأفلام المتميزة التي أنتجها عن المتوسط العام لهذا النوع من الأفلام في إنتاج مرحلة القطاع الخاص قبله وبعده، فضلا عن الفرص التي أتاحها لنجوم ومخرجين وكتاب سيناريو جدد‏.‏ أما المهم، ‏فهو أن القطاع العام السينمائي قد أصبح تاريخا من التاريخ، ‏يمكن أن نبحث في تجربته‏،وأن نستفيد من دروسه،‏لكنه، ‏بالصورة التي كان عليها، ‏غير قابل للعودة للحياة،‏لأنه كان جزءا من سياسة عامة،‏انتهى زمانها، ‏فلا مصر اليوم اشتراكية، ولا القطاع العام في الاقتصاد قائم،‏إذ لم يعد منه إلا بقايا يجري الآن البحث في وسيلة للتخلص منها، فإذا كان لابد من التسليم بأن سيطرة الدولة على مجال الانتاج الثقافي الذي يقوم على الإبداع‏، ‏وعلى تنوع الرؤى، يهدد بإهدار حرية الإبداع،‏ويقوض التنوع الذي بدونه لا تزدهر الفنون، ‏فلابد من التسليم كذلك بأن سيطرة القطاع الخاص على الصناعات الثقافية،‏ومنها السينما يخضعها للقانون الأساسي للرأسمالية، ‏وهو البحث عن الربح من أي سبيل‏.. ‏وقد يكون صحيحا، ‏أننا في حاجة إلى دور ما للدولة في مجال الثقافة بشكل عام، وفي مجال السينما بشكل خاص،‏لكن هذا الدور لا يمكن أن يكون عودة القطاع العام السينمائي بالصورة التي كان عليها،‏بل العودة إلى سياسة التدخل عن بعد التي كانت الدولة تتبعها قبل نشأة القطاع العام السينمائي، بالجوائز السينمائية التي تدعم الأفلام المتميزة ذات الرسالة، وبالدعم المباشر لإنتاج أفلام من مستوى رفيع تشكل منافسة جادة للأفلام التجارية، ‏وهو اتجاه تأخذ به الدولة الآن‏، ‏يستحق الدعم ويتطلب الإضافة‏.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا