النسخة الورقية
العدد 11089 الإثنين 19 أغسطس 2019 الموافق 18 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42AM

كتاب الايام

أعين الجماعات الإرهابية مصوّبة على قرقيزستان

رابط مختصر
العدد 7755 الأحد 4 يوليو 2010 الموافق 21 رجب 1431هـ

منذ أن اندلعت أعمال العنف في قرقيزستان في منتصف يونيو الجاري، أي بعد شهرين فقط من ثورة «السوسن» الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس «قرمان بيك باكاييف»، وأجبرته على طلب اللجوء في بيلاروس، والتقارير تحذر من احتمالات أن تتحول هذه البلاد إلى أفغانستان أخرى، بمعنى أن تصبح ملجأ جديدا للجماعات الإرهابية، وبؤرة لتجمعها وتدريباتها وانطلاقها. فالأخيرة كالميكروبات، لا تظهر ولا تتواجد ولا تعيش إلا في المياه الآسنة، والمياه الآسنة هنا هي البيئات المضطربة التي تتراخى فيها قوة الدولة وهياكلها، أو في الأراضي التي تشهد الانقسامات الجهوية والقبلية والعرقية والطائفية. ولعل ما حدث في أفغانستان أولا ثم الصومال فاليمن أفضل دليل على صحة زعمنا. والحقيقة أن قرقيزستان مؤهلة جدا لاقتفاء أثر أفغانستان والصومال لجهة الحرب الأهلية، واحتضان الإرهابيين، و انهيار مظاهر الدولة المعروفة، وبالتالي التسبب في أزمات دولية خطيرة قد تتجاوز حدودها إلى داخل الكيانات المجاورة لها. فهذه الجمهورية السوفياتية السابقة التي تحاذي الصين وكازاخستان وأوزبكستان وأفغانستان، والتي يسكنها 5.3 مليون نسمة (15 بالمئة منهم من الاثنية الأوزبكية) تجذرت فيها ثقافة العنف والتمييز الإثني على مدى العقدين الماضيين كنتيجة لضعف هياكل الدولة، وضعف اقتصاد البلاد واعتماده على المساعدات الأجنبية، ووجود قيادات تنقصها الشرعية، وظهور الأزمات المعيشية، وإنتشار الفقر والبطالة، ناهيك عن بروز عصابات المافيا المتاجرة بالمخدرات، وإنتشار الجماعات المتاجرة بالشعارات الدينية. إلى ذلك ساهمت حقيقة الأوضاع الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية الصعبة المشابهة لوضع أفغانستان من حيث طبيعتها الجبلية، وعدم إطلالتها على البحار، وافتقارها إلى مصادر الطاقة، واحتضانها لقوميات تمتد جذورها عبر الحدود إلى دول أخرى (تعيش في قرقيزستان أقليات أوزبكية وتركية وروسية وصينية) في زيادة أزمات وتعقيدات هذه البلاد. وعلى الرغم من هذه الحقائق التي تعزز احتمالات خطف الجماعات الإرهابية لقرقيزستان وطلبنتها، خصوصا في ظل تقاسم قرقيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان لما يعرف بـ «وادي التطرف»، أي «وادي فرغانة» المتميز بكثافة سكانية ضاغطة (يضم نحو 20 % من إجمالي سكان آسيا الوسطى) والذي عـُرف تاريخيا بأنه مهد للمشاكل الاجتماعية الخطيرة، وحاضنة للجماعات الراديكالية الإسلاموية المتمتعة بدعم لوجستي من حركة طالبان الأفغانية. وعلى الرغم من أحداث العنف غير المسبوقة في شكلها وعدد ضحاياها (سقط المئات من القتلى والآلاف من الجرحى في الاصطدامات العرقية ما بين الأغلبية القرقيزية والأقلية الأوزبكية منذ منتصف الشهر، كما نزح أكثر من 80 ألف شخص باتجاه أوزبكستان بعد حرق منازلهم ومركباتهم، وبات أكثر من 75 ألف قرقيزي من أصول روسية مستعدا للمغادرة إلى روسيا خوفا على حياته). وعلى الرغم من وجود مصلحة مؤكدة لكافة القوى الكبرى في استتباب الأمن والاستقرار في هذه البقعة ذات الأهمية الجيو-استراتيجية، ابتداء بواشنطن وموسكو اللتين تملكان قواعد عسكرية بالقرب من العاصمة «بشكيك»، وانتهاء ببكين التي لا تبعد «أرومجي» عاصمة إقليمها المضطرب «تركستان الشرقية» عن مدينة «أوش» القرقيزية التي شهدت أسوأ أعمال العنف سوى رحلة طيران مدتها ساعة واحدة. فإن الذي يدعو للاستغراب هو وقوف الكيانات والمنظمات المؤثرة ضمن المجتمع الدولي موقف المتفرج حتى الآن من الأزمة القرقيزية، فيما عدا بعض بيانات الاستنكار والشجب أو دعوات التزام الهدوء وضبط النفس. فما هي يا ترى أسباب هذا اللا إكتراث؟ أو بصورة أدق ما هي أسباب الخوف من الاقتراب من الأزمة؟ يقال إن موسكو مترددة في التدخل، حتى بعد أن طالبتها رئيسة الحكومة الانتقالية القرقيزية «روزا أوتونباييفا» رسميا بضرورة إرسال قوات إلى بلادها من أجل فرض الأمن والنظام، لأنها (أي موسكو) لا تريد أن تكرر ما فعلته في الإغانستان في الثمانينات، خصوصا وأن أوضاع وظروف البلدين إلى حد كبير (...........) كما أسلفنا. لكن موسكو، بسبب وجود مصلحة لها في عودة السلام والاستقرار إلى هذا البلد، رأت أنه من الأفضل أن يتم تدخلها في الأزمة من بوابة «منظمة معاهدة الأمن الجماعي». والأخيرة منظومة أطلقت في عام 1990 بالتزامن مع توقيع «ميثاق باريس من أجل أوروبا جديدة»، وتضم في عضويتها كلا من روسيا الاتحادية، وروسيا البيضاء، وأرمينيا، وقرقيزستان، وطاجيكستان، وكازاخستان. أما لماذا لم تقرن موسكو رغبتها بالفعل؟ فلأسباب كثيرة منها اعتراض واشنطن التي تفضل أن تتولى مهمة التدخل منظمة أخرى هي «منظمة الأمن والتعاون الأوروبي» المكونة من 56 دولة، من ضمنها روسيا التي كثيرا ما بدت كحجر عثرة في سبيل وفاء المنظومة بالتزاماتها( كرد على إثارة المنظمة لمسائل تتحسس منها روسيا: مثل حقوق الإنسان وحرية الإعلام ومراقبة الانتخابات) ومنها الخوف من أن تتحمل موسكو بمفردها جل أعباء التدخل عسكريا وماديا، على اعتبار أنها القوة القيادية داخل المنظومة، ومنها مدى شرعية حكومة «أوتونباييفا» كي تتقدم الأخيرة بطلب رسمي إلى المنظومة للتدخل، وأخيرا وجود إحتمال قوي جدا بأن ترفض أوزبكستان (عقدة موسكو في آسيا الوسطى) مبدأ تدخل المنظومة في الشؤون الداخلية لدولة في المنطقة، وذلك كيلا يشكل الحدث سابقة يمكن استخدامها مستقبلا للتدخل في الشؤون الأوزبكية الداخلية. ومما قيل في هذا السياق أن واشنطون، التي تمثل لها قرقيزستان أهمية جيوبوليتيكية قصوى في حربها ضد معاقل الإرهاب في أفغانستان وباكستان، حرضت حكومة طشقند على رفض مبدأ التدخل المذكور، بل وأيضا رفض أية محاولة روسية إلتفافية مثل اقتراح إرسال قوات كازاخستانية (معظم عناصر القوات الكازاخستانية من أصول روسية). ومما قيل أيضا أن واشنطون، في سبيل تطييب خواطر الرئيس الأوزبكي «إسلام كريموف» الذي إتهمته قبل خمس سنوات بارتكاب خروقات فاضحة في حقوق الإنسان، أرسلت مساعد وزيرة خارجيتها «روبرت بليك» إلى قرقيزستان لتفقد مخيمات اللاجئين الأوزبك في «وادي فرغانة»، ثم إلى طشقند ليؤكد لحكومة «كريموف» إلتزام الإدارة الأمريكية بحماية الأقلية الأوزبكية في قرقيزستان والدفاع عن مصالحها. أما بكين، التي تملكتها الهواجس من احتمال أن يتفق الروس والأمريكيون من خلف ظهرها دونما اعتبار لمصالحها في قرقيزستان، فإن موقفها بدا غامضا كالعادة. ولولا بعض ما أمكن جمعه من افتتاحيات صحفها الرسمية، لما كان بالإمكان تكوين صورة لرؤيتها حول الأزمة. حيث تبين أن بكين حريصة على لعب دور محوري في استقرار آسيا الوسطى، وأن هذا الدور يجب ألا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، وإنما يتعداه إلى التدخل من خلال «منظمة شنغهاي للتعاون» والتي أطلقت الصين فكرتها في عام 2001 وتضم إضافة إليها كلا من روسيا، وكازاخستان، وقرقيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان. وبطبيعة الحال، فإن الصينيين يفضلون، كنوع من التهرب من الأعباء المالية والعسكرية للتدخل، أن يتم حل الأزمة القرقيزية على يد «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» بقيادة روسيا كخيار أول يتلوه الخيار الثاني وهو تدخل «منظمة شنغهاي للتعاون» بقيادة الصين. إن الأزمة القرقيزية، التي حمّلت حكومة بشكيك مسئولية إنفجارها بهذه الحدة إلى «مكسيم باكاييف» نجل الرئيس المخلوع «قرمان بيك باكاييف»، قائلة أن الإبن يستخدم من مقره في لندن الأموال التي سرقها أبوه في إشعال الحرائق في البلاد انتقاما ويأسا (أي تماما كما قالت بانكوك عن رئيس حكومتها المخلوع «تاكسين شيناواترا»)، كان يمكن أن يمثل نموذجا لمدى تعاون موسكو وواشنطن في القضايا الاستراتيجية التي تهم كليهما بنفس الدرجة، إلا أن ما حدث برهن على أن العاصمتين لا تزالان رغم كل صور التعاون والتفاهم، واقعتان تحت تأثير بقايا شكوك الحرب الباردة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها