النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10972 الأربعاء 24 أبريل 2019 الموافق 19 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

تراث فنان الشعب إمام عيسى

رابط مختصر
العدد 7739 الجمعة 18 يونيو 2010 الموافق 5 رجب 1431هـ

منذ خمسة عشر عاما، وفي مثل هذه الأيام من عام 1995، رحل عن عالمنا الشيخ إمام عيسى 1918- 1995، وحيدا في “حارة حوش قَدَم” بالغورية، ونعاه بإعلان مدفوع الأجر، احتل عمودا كاملا من صفحة الوفيات بجريدة الأهرام، طابور طويل من الشخصيات العامة، ضم رؤساء أحزاب وقادة سياسيين وشعراء وأدباء وصحافيين ينتمون إلى أجيال مختلفة، واحتشدوا في مأتمه، ومعهم آلاف آخرون، يتبادلون العزاء في الرجل الذي لم يكن أحد يعرف له نسبا، ولم تكن له شجرة أسرة يفخر بها، والذي مات من دون أن يترك ولدا أو زوجة وعاش معظم سنوات عمره في حجرة ضيقة، من منزل قديم، يقع في إحدى حارات القاهرة المملوكية، تحمل اسم “حُوش قَدَم” وهو اسم حمله عدد من سلاطين المماليك، وترجمته بالعربية، هو “قدم الخير”. ولفت احتشاد النخب المصرية السياسية والثقافية، لوداع الرجل، نظر أحد كبار الصحافيين، فكتب على صفحات “الأهرام” مقالا يبدي فيه دهشته لاهتمام هذا العدد الكبير من رموز الوطن، بوفاة رجل وصفوه، في إعلان النعي الذي نشروه في الأهرام، بأنه “فنان الشعب”، مع أنه وهو من الشعب لم يسمع باسمه من قبل، ولم يستمتع بفنه. وكان باعثا على الدهشة، أن تهتم كل الصحف ومحطات الإذاعة والتليفزيون التي تصدر أو تبث بالعربية من داخل حدود الأمة العربية أو من خارجها، بوفاة الشيخ إمام عيسى، وأن تعد برامج خاصة عن حياته وفنه، وتنشر صفحات مطولة عنه، بينما التزمت أجهزة الإعلام والصحف المصرية الكبرى، الصمت التام تجاه خبر رحيله، إما لأن المسؤولين عنها لا يعرفون شيئا عن الرجل، أو لأنهم قدروا أن خبر وفاته لا يهم قراءهم ومستمعيهم، الذين لم يسبق لمعظمهم، أن استمع إلى ألحانه في قنوات التليفزيون، وكانت كلها آنذاك محطات أرضية، إذ لم يكن البث الفضائي العربي قد بدأ بعد، أو محطات الإذاعة، والتي لم تطبع ميكانيكا على شرائط كاسيت، وتطرح للتداول العام. وكان ذلك كله طبيعيا، لأن الشيخ إمام عيسى، عاش ومات وهو يبدع فنه خارج إطار مؤسسة الإعلام المصرية الرسمية، فيما عدا المرحلة الأولى من ظهوره هو وزميله أحمد فؤاد نجم، كاتب القصائد التي كان يلحنها ويغنيها، إذ شهدت ظهورا محدودا لهما على شاشات التليفزيون المصري وبعض محطات الإذاعة، وكان وراء هذا الظهور عناصر مستنيرة من المثقفين المصريين، أقنعت المسؤولين عن الإعلام الرسمي آنذاك، أن ما يكتبه نجم وما يلحنه ويغنيه إمام هو فن جديد ومختلف، يستحق الاحتفاء به، وتشجيعه، لأنه يتغنى بقدرة الوطن على تجاوز هزيمة 1967، ويدعو للصمود، ويشيع التفاؤل بإمكانية النصر، وأن ما ينطوي عليه من نقد للظواهر السلبية التي قادت إلى الهزيمة، لا يتجاوز الخط الوطني العام، وهي وجهة نظر أخذ بها التليفزيون المصري، لشهور لم تتجاوز الخمسة أو الستة، كان خلالها يبث برنامجا أسبوعيا بعنوان “مع ألحان الشيخ إمام”، إلى أن أصيب البرنامج بالسكتة التليفزيونية، وانتقل الشيخ إمام ونجم في نهاية عام 1968 إلى المعتقل. ومنذ ذلك الحين ولسنوات طويلة بعد ذلك ظل الثنائي أحمد فؤاد نجم يبدع فنه خارج المؤسسة الإعلامية الرسمية، إذ كانت المعارضة الجادة للسياسات الحكومية وهي الطابع الغالب على ما يبدعانه من فن، خصوصا خلال حقبة التغيرات الدراماتيكية التي شهدها عهد الرئيس السادات، فكان طبيعيا أن تبادلهما المؤسسة رفضا برفض، فلا تكتفي بمقاطعته أو تكتفي بمنع أغانيه فحسب، بل أن تعتقله هو ونجم أكثر من مرة. على أن مقاطعة المؤسسة الإعلامية الرسمية، لألحان الشيخ إمام لم تحل دون انتشارها بين المثقفين، الذين كانوا يستمعون إليها منه مباشرة، في حفلات يقيمونها في بيت أحدهم، أو في مؤتمرات الحركة الطلابية خلال السبعينيات، التي كان الثنائي نجم وإمام أحد ملامحها الأساسية، وكانت الجامعات هي المركز الرئيسي للنشاط المعارض آنذاك للسياسات العامة في عهد السادات على الصعيدين الاجتماعي والوطني، أو عبر تسجيلات صوتية لهذه الحفلات، كانت تنسخ بطرق بدائية، وتذاع في بعض محطات الإذاعة العربية التي كانت تعارض سياسات الرئيس السادات، خصوصا في مرحلة تصاعد الحرب الباردة العربية - العربية، بسبب الخلاف حول الاتجاه للتفاوض المباشر والصلح مع إسرائيل. لكن هذه التسجيلات قد افتقدت لكثير من الشروط الفنية الأساسية، من حيث هندسة الصوت، والتوزيع الموسيقي، والكورس والمونتاج، فمعظمها تسجيلات يؤديها الشيخ بصوته على العود، بمصاحبة ضابط إيقاع، وبكورس يتكون عادة من المستمعين، أجريت في أماكن مفتوحة، فجاءت مشوشة، وأفقدت الألحان كثيرا من ألقها ومن جمالها. ومع بداية الثمانينيات أتيح للثنائي، نجم وإمام، أن يغادرا مصر في رحلات فنية، شملت عددا من العواصم العربية، من بينها بيروت ودمشق والجزائر وطرابلس، والعاصمة الفرنسية باريس، حيث أقاما عددا من الحفلات، شهدها مئات الآلاف من العرب المقيمين والمهاجرين، وخلال هذه الرحلة وقع الخلاف بين الاثنين، وانفصمت الشراكة الفنية بينهما، التي استمرت ما يقرب من العشرين عاما، وعاد الشيخ إمام وحيدا إلى مصر، وحاول أن يبحث عن شعراء آخرين غير نجم، يلحن ويغني من أشعارهم، لكن الزمن كان قد تغير وكانت الظاهرة السياسية والاجتماعية، التي ألهمتهما الشعر والغناء قد تلاشت، وكانت الحركة الطلابية، التي رفعت شعارات التحرر الوطني والعدل الاجتماعي والعروبة، قد تركت مكانها في الجامعات، لجيل جديد من الطلاب، يعتبر الموسيقى والغناء كفرا، والدعوة للقومية العربية، خضوعا للطاغوت. وعاد نجم في منتصف الثمانينيات، ليكتب مسرحيات تعرضها مسارح الدولة ومسارح القطاع الخاص، ويكتب أشعارا جميلة تذاع كمقدمات لمسلسلات تليفزيونية، ويتعامل مع آخرين، يلحنون أشعاره الجديدة، أو يعيدون تلحين عدد من القصائد التي سبق أن لحنها الشيخ إمام، بينما انزوى الشيخ إمام في “حارة حوش قَدَم” وأحاط الإهمال بتراث الرجل، حتى وهو حي، فلم يجد من يعتني حتى بحصره، وتهدده النسيان الذي يترصد ذاكرتنا الوطنية في كل مجال.. وفي أعقاب وفاته، أعلن فريق من أصدقائه المصريين أنهم سيشكلون جمعية للحفاظ على تراثه، وأعلن أحد الموسيقيين العرب، أنه شرع في تدوين ألحان الشيخ إمام بالنوتة الموسيقية للمحافظة عليها، وناشد من لديه تسجيلات لتلك الألحان، أن يزوده بها، ثم اختفت أنباء المشروع في الزحام.. ومع أن بعض المعجبين بألحان الشيخ إمام، قاموا بمحاولة لتنقية التسجيلات المتوافرة من هذه الألحان باستغلال التقدم التكنولوجي في هذا المجال، ومن خلال ستديوهات صوتية تملك إمكانات ذلك، وحققوا نتائج إيجابية، إلا أن التجربة ظلت محدودة، بالإمكانات المادية الضئيلة. ومن الخطأ أن يتصور أحد أن الحاجة إلى ألحان إمام قد انتفت بانتقاء الظروف السياسية التي أوصت بها، فحتى لو كان هذا صحيحا، فإن الاحتفاظ بهذه الألحان وتدوينها، هو استكمال ضروري لتوثيق ملمح من أهم ملامح ظاهرة التفاعل العربي مع هزيمة 1967 على صعيد الفن والأدب، وفضلا عن أن ألحان الشيخ إمام تتميز بمذاق خاص، باعتبارها امتدادا لمدرسة فنان الشعب سيد درويش، تستلهم جملها وإيقاعاتها من الموروث الموسيقي الشعبي، مما يجعل لها أهمية في ذاتها، فإن جانبا ليس قليلا من هذه الألحان، لم تكن لها صلة بالأحداث السياسية بمعناها المباشر واليومي، ومنها ألحانه الوطنية والاجتماعية وطقاطيقه الغزلية ومواويله وبكائياته. إن السعي لتجميع تراث الشيخ إمام وتدوينه وإعادة توزيعه وتقديمه على نطاق جماهيري واسع، وفي إطار من الاحترام الذي يليق به، مهمة طال انتظارها، وقد آن الأوان لأن تتصدى للقيام بها، جهة رسمية أو خاصة، قبل أن تتبدد، فنندم حين يفوت أوان الندم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها