النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

شيء من الخوف

رابط مختصر
العدد 7735 الاثنين 14يونيو 2010 الموافق 1 رجب 1431هـ

ينقسم الخوف الذي ينتاب البشر بصورة عامة إلى نوعين هما: خوف موضوعي، ينشأ عن انتصاب الإنسان أمام مواقف خطرة تهدد حياته، فيلوذ بالفرار كوسيلة للبقاء، أو خوف آخر غير موضوعي، لا يهدده بالهلاك أو الأخطار الحقيقية كالخوف من الظلام. ولكن نكتشف خوفاً مغايراً عند الانخراط في العمل. هذا الخوف الذي نشهده أو نلمسه في مواقع العمل يمكن أن يلبس ثلاثة أثواب متلونة: أولاً الخوف الإداري الذي يمثل ثلاثة أضلع هي خوف المرؤوس من رئيسه، وخوف المرؤوس من نفسه، وخوف الرئيس من مرؤوسه. وقد يتقمص ذلك الخوف الثلاثي في الإفراط في التدقيق في الأعمال، مما يحرم الفرد الحرية في البحث عن طرق جديدة لأداء العمل تجنباً للتأنيب أو المعاقبة للخروج عن الإجراءات التي لم تراجع فعاليتها منذ زمن. ويقود هذا الخوف الإداري إلى هدر في الجهد و الطاقة و يفرض على الفرد اتخاذ طرق متعددة كالطاعة العمياء في تنفيذ الأوامر بصورة مؤقتة أو مزيفة ..الخ التي تؤمن له ساعات عمل بسكينة و دون مشاكل . ولكن هذه الطرق المتعددة قد تعيق إدخال محاولات التطوير، بسبب فقدان الفرد لروح المبادرة نتيجة الرعب و الهلع اللذين يلقيان بثقلهما على محيط عمل الفرد و يجعلانه يخاف الوقوع في الأخطاء و العيوب أو الابتعاد عن المشاركة في عمليات التغيير أو يقلص رغبته في الاستفادة من المعرفة والخبرة المتراكمتين في الإنتاج؛ وتكون محصلة ذلك انحسار الدور الإنساني الهام في تعظيم القيمة المضافة و تحسين الأداء عن طريق عقله وجسده. ويشكل الخوف من التغيير الذي نشهده في مختلف بقاع العمل نوعاً آخر من الخوف وأمر ضار يربك غرس ثقافة جديدة لتحسين الأداة والاستفادة من القدرات والكفاءات العلمية والإدارية في إدارة المعرفة لزيادة الإنتاجية ، نظراً لما يسببه هذا التغيير من عدم استقرار وثبات للبعض أو خوف من فقدان مكانة اجتماعية أو مادية أو أسباب ذاتية. ولكن هذا النوع من الخوف يحرم المؤسسات من زيادة قدراتها التنافسية وعطائها. لذا نجد مقاومة التغيير تكتسي أقنعة متنوعة مرئية وغير مرئية، كدراما لصراع بين قوى الاستقرار والتغيير وصراع بين الرغبة في عدم قبول الواقع و حقيقة الواقع وصراع بين الخوف من المستقبل والأمل في المستقبل وصراع بين دور الإداري المحـافـظ ودور القائــد وكيل التغيير. ويظل الشكل الثالث من الخوف مرتبطاً بالمستقبل الذي يرعب الفرد لضبابيته وعدم قدرته في إزالة اللثام عن المجهول كالمستقبل الوظيفي وتموجات مساره من صعود أو هبوط، ونظرة الآخرين من رؤساء أو مرؤوسين؛ فيجفل الفرد في موقعه حائراً وعاجزاً في سحب الأضواء إليه أداءً أو إبداعاً. هذا الخوف سيثقل كاهل المرء بمعوقات، تعرقل استفادته من معطيات الحياة كموارد للنمو والتعلم، فتهمشه و تعزله ذاتياً. لا شك إن انتشار و تغلغل هذا الجزء من حزم الخوف إلى نسيج المؤسسات، لابد وأن يصيبها بالشلل ويعمي عيونها و بصيرتها عن التقدم في عطائها، ويربك قدرتها على المنافسة ويعطل الفرد والجماعة، مصدر التفوق والتميز الذي تحتاجه المؤسسات في عالم تقوده المعرفة والعلم، هذا العالم الذي تتقلص فيه المادة الأولية في عمليات الإنتاج والقيمة المضافة. وتصبح عملية تلمس الآمن في الانعزال مضيعة للطاقات الإنسانية التي تغرق في بحور الخوف من النفس والآخر والمستقبل. إنه ليس كافياً تسليط الضوء على بقع الخوف التي تخترق المؤسسات وتبتلع الإبداع، وإنما الأهم غرس ثقافة مغايرة لمواجهة هذا الخوف أي بلورة «ثقافة مؤسسة» محفزة ودافعة وباحثة عن مستويات أداء عالية في الإنتاج والتميز. لهذا تزداد أهمية الرؤية والتفكير المستقبلي في غرس ثقافة بعيدة عن الخوف في مواقع العمل قائمة على فكرة «الهدم الخلاق» التي تبعد الثقافة القديمة المشبعة بالخوف و تفسح المجال لإشراق ثقافة جديدة يكون الإبداع فيها عاملاً حاسماً لاستمرارية البقاء في عالم يعصف به التغيير، فلا حزن على حرق المراكب من أجل إنقاذ البحارة و وصولهم بسلام إلى الأرض، لبعث الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها