النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10973 الخميس 25 أبريل 2019 الموافق 20 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

في اليابان أيضاً.. «ما بيصائب للحكم إلا صائب»

رابط مختصر
العدد 7734 | الأحد 13يونيو 2010 الموافق 29 جمادى الآخرة 1431هـ

حينما ذهبنا إلى بيروت للدراسة الجامعية في مطلع السبعينات، لفتت أنظارنا - ضمن أمور أخرى - الشعارات السياسية الكثيرة المكتوبة فوق جدران المباني، وكان من بينها شعار يتصدر كل الحيطان واللافتات في المناطق ذات الأغلبية السنية. كان الشعار يقول ببساطة «ما بيصائب للحكم إلا صائب»، وترجمته هي أنه لا يصلح لحكم لبنان إلا «صائب سلام». وكان الأخير وقتها من أبرز من تعاقبوا على رئاسة الحكومة اللبنانية. ذلك الشعار ظل على الدوام حاضرا في ذهني، خصوصا عند الكتابة عن الشأن السياسي الياباني. فقد ثبت من التجربة الطويلة لهذا البلد في حقبة ما بعد هزيمتها في الحرب الكونية الثانية، أنه لا يصلح لحكم اليابان إلا حزبه العتيد الأعرق أي «الحزب الليبرالي الحر»، فهذا الأخير، رغم كل الانقسامات التي عصفت به، ولا سيما ما بين تياراته الشابة والعجوزة، ورغم كل الفضائح المالية التي لحقت برموزه الكبيرة، ورغم تبدل وجوهه القيادية بمعدلات زمنية سريعة، ظل يحكم اليابان دون انقطاع منذ تأسيسه في عام 1955، وحتى عام 1993 الذي شهد خروجه من السلطة للمرة الأولى. لكن هذا الخروج لم يستمر طويلا، إذ سرعان ما فشل الائتلاف الحزبي المنافس له في إدارة البلاد، وقدم رئيسه «توميتشي موراياما» استقالته من رئاسة الحكومة في غضون عام واحد، ليعود الليبراليون الأحرار مرة أخرى إلى السلطة. أما المرة الثانية التي هــُزم فيها «الليبراليون الأحرار فكان في العام الماضي، حينما فاز عليهم في الانتخابات التشريعية التي أجريت في أغسطس 2009 «حزب اليابان الديمقراطي» بقيادة «يوكيو هاتوياما» الذي خلف «تارو آسو» كرئيس للوزراء على رأس حكومة ائتلافية من ثلاثة أحزاب. لكن حكومة «هاتوياما» لم تستطع أيضا الصمود أكثر من عام، ليستقيل رئيسها في أوائل الشهر الجاري، مدشنا بذلك مرحلة جديدة من اللاإستقرار الإداري والسياسي، خصوصا وأن البلاد غيرت أربعة رؤساء حكومات خلال أربع سنوات. فمن بعد حقبة شبه طويلة من الاستقرار في ظل رئيس الحكومة الأسبق، صاحب الكاريزما الشخصية والمواهب القيادية الفذة، «جونيتشيرو كايزومي» الذي حكم ما بين عامي 2001 و2006، تولى رئاسة الحكومة لمدة أقل من عام كل من «شينزو أبي»، و«ياسو فوكودا» و«تارو أسو» و«هاتوياما» على التوالي. والقارئ لتاريخ اليابان السياسي سيكتشف أنه قد مرّ على هذا المنصب الرفيع منذ عام 1947 30 شخصية سياسية، جُلـّها بطبيعة الحال من «الحزب الليبرالي الحر». كما سيكتشف أنّ أطول رؤساء الوزراء بقاء في السلطة كان أيضا قائدا للأخير. أما الملاحظة الأخرى الجديرة بالاهتمام فهي تقديم الساسة اليابانيين مصلحة أحزابهم على مصالحهم الشخصية، وذلك في ظاهرة معاكسة تماما لما يجري في العالمين العربي والنامي. فـ «هاتوياما» فضـّل أن يتخلى عن منصبه الرفيع كرئيس للوزراء وزعيم لحزب اليابان الديمقراطي قبل أنْ يحين الحادي عشر من يوليو، وهو موعد انتخابات نصف مقاعد مجلس الشيوخ المكون من 242 مقعدا (هذا المجلس أقل صلاحيات من مجلس النواب، لكنه صار يلعب دورا هاما في إقرارالتشريعات، خصوصا حينما يتمتع الحزب الحاكم بأغلبية في مجلس النواب، ولا يتمتع بمثلها في مجلس الشيوخ)، وذلك خوفا من أن يؤدي تمسكه بالسلطة إلى هزيمة حزبه في تلك الانتخابات، على خلفية تراجع شعبيته من 70 بالمئة إلى أقل من 20 بالمئة، بسبب نكثه بوعود انتخابية سابقة حول نقل قاعدة «فوتينما» الأمريكية من جزيرة «أوكيناوا» (حيث يعيش 1 بالمئة فقط من سكان اليابان) استجابة لمطالب سكانها، وإيجاد حل يتناغم مع رأي عموم اليابانيين حول تواجد 50 ألف جندي أمريكي فوق أراضيهم، ووعود أخرى ببدء حقبة سياسية مختلفة في تاريخ البلاد، ثم بسبب ضلوع الأمين العام لحزبه «إيتشيرو أوزاوا» في فضائح تمويلات سرية، هذا ناهيك عن اتهامات وُجهت إلى عدد من مساعديه بالحصول على أموال بطرق غير مشروعة لدعم حملته الانتخابية في عام 2009. لقد قيل وكـُتب الكثير حول أسباب بروز «حزب اليابان الديمقراطي» وتمكنه من انتزاع السلطة من «الحزب الليبرالي الحر» بعد هيمنة الأخير على مقادير الأمور لنحو نصف قرن. لكن أهم ما لفت نظر المراقبين هو أن الحزب الأول استفاد كثيرا من أخطاء الحزب الثاني، بمعنى أنه لئن لم يسع إلى تبني سياسات مختلفة جذريا عن سياسات منافسه، ولا سيما فيما يتعلق بالروابط التاريخية مع الحليف الأمريكي، فإنه على الأقل حاول تجديد الدماء في الحياة السياسية اليابانية. ذلك التجديد الذي لطالما وعد به الليبراليون الأحرار ناخبيهم، لكن دون أن ينفذوه. وهكذا، يمكن القول إن حظوظ الحزب الأعرق في اليابان بالعودة إلى السلطة في أية انتخابات تشريعية قادمة تتوقف على الشخصية التي سوف تقودها، ومدى ملاءمتها للمرحلة، ومدى جاذبيتها في مواجهة «ناوتو كان» (64) زعيم «حزب اليابان الديمقراطي» / رئيس الحكومة المعين حديثا، والساعي إلى البقاء في السلطة فترة أطول من أسلافه، أي أكثر من عام. ولعل أكثر ما يميـّز رئيس الحكومة الجديد عن كل أسلافه السابقين هو أنه لا ينتمي إلى العائلات الإقطاعية التي عادة ما تحصل على مقعد برلماني، ثم تورثه لأبنائها وأحفادها. فـ «ناوتو كان» المولود في أكتوبر 1946 لأب كان يعمل مديرا لمصنع زجاج، والمتخرج في عام 1970 من معهد طوكيو للتكنولوجيا، مجازا في الفيزياء التطبيقية، يـُدين في بروزه وصعوده إلى شيء واحد فقط هو: أنشطته وتحركاته المدنية وجهوده في تنظيم الجماهير للمطالبة بحلول سريعة لمشاكل الإسكان والرعاية الصحية والمساواة الجندرية والتلوث البيئي، ناهيك عن قيادته في 1974 للحملة الانتخابية لدخول مجلس الشيوخ للسيدة «فوساي إيتشيكاوا» (المدافعة الصلبة عن حقوق المرأة اليابانية) والرجل الذي بدأ حياته السياسية في السبعينات بثلاث محاولات فاشلة للحصول على مقعد نيابي، ثم محاولة ناجحة في عام 1980 حينما ترشح في طوكيو عن حزب «اتحاد الإشتراكيين الديمقراطيين»، حافظ منذاك على مقعده البرلماني، لكن كممثل لأحزاب سياسية مختلفة، كما أنه تقلد وزارة الصحة والرعاية في 1996 في حكومة الليبراليين الأحرار الائتلافية بقيادة رئيس الحكومة الراحل «روتاريو هاشيموتو»، ثم وزارة المالية منذ يناير 2010 في حكومة «يوكيو هاتوياما» المستقيلة. وحينما كان وزيرا للصحة، سمح ببيع الدم الملوث، فكان أن تسبب في إصابة الكثيرين بمرض الإيدز، الأمر الذي عرّضه لنقمة شعبية، سرعان ما توارت كنتيجة لقيامه بالاعتذار علنا لشعبه، ووصف ما فعله بالجريمة التي لن يغفرها لنفسه. ومن المشاكل الأخرى التي واجهت الرجل وكادت أن تعصف به بعيدا إلى زوايا النسيان في الساحة السياسية، اتهامه ظلما في عام 2004 بالتهرب من دفع ما يجب عليه لحساب معاشات الإدخار. وهي التهمة التي أرجعتها وزارة الصحة والعمل والرعاية لاحقا إلى خطأ إداري. وقد اختصر «كان» ذات مرة مشكلته لجهة عدم صعوده إلى المنصب الأول في البلاد، بقوله: «نا مو ناكو سوسهيكي مو كاني مو ناكو»، وترجمتها هي «لا اسم، ولا تنظيم، ولا مال»، وبعبارة أوضح، أراد «كان» أن يقول إنّ من كان مثله ممن لا يستندون إلى عائلات معروفة، أو إلى تنظيمات حزبية قوية، أو إلى موارد مالية ضخمة، لا يستطيعون الصعود إلى القمة بسهولة. لكنه ها هو يصعد، ويدلل عمليا على عدم صواب مقولته، ويؤكد أنه بالعزيمة والإصرار والتاريخ النظيف، والسيرة العلمية الراقية، لا يوجد ما يحول دون صعود النجباء إلى هرم السلطة في اليابان أو سواها من دول آسيا ذات الأنظمة الديمقراطية الراسخة. بقي أن نعلم أن رئيس الحكومة اليابانية الجديد هو من أشد المدافعين عن فكرة اضطلاع جيش الدفاع الياباني بدور خارجي يتلاءم مع قوة ومكانة بلاده العلمية والإقتصادية، على الأقل في إقليم شمال شرق آسيا والمحيط الباسيفيكي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها