النسخة الورقية
العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

سامر الحي.. أسامة أنور عكاشة

رابط مختصر
العدد 7732 | الجمعة 11 يونيو 2010 الموافق 27 جمادى الآخرة 1431هـ

رحل أسامة أنور عكاشة،‏سامر الحي، الذي أطربنا بمسلسلاته التليفزيونية على امتداد ما يزيد على الربع قرن، حول خلالها الكتابة الدرامية التليفزيونية من عمل هامشي يمكن أن يقوم به الروائي أو الأديب في وقت الفراغ، وعلى سبيل أكل العيش‏، إلى فن مستقل ورفيع،‏يستحق أن يتفرغ له،‏وأن يعبر من خلاله عن نفسه، وينفذ به إلى قطاع عريض من الناس‏، ويوصل إليهم رسالته‏.. وكما فعل نجيب محفوظ في بواكير شبابه، عندما لفتت رواياته الأولى نظر صديقه المخرج السينمائي صلاح أبوسيف،‏فطلب منه أن يساعده في ضبط الإيقاع الدرامي لسيناريوهات أفلامه‏، فاستجاب له، وشاركه في كتابة سيناريوهات أفلام مثل المنتقم، وعنتر وعبلة، والوحش، وريا وسكينة، باعتبار ذلك عملا إضافيا يدر عليه دخلا يمكنه من التفرغ لكتابة رواياته‏، فقد بدأ أسامة أنور عكاشة حياته كاتبا للقصة القصيرة،‏ونشر مجموعته القصصية الأولى التي لم توزع سوى 30 نسخة‏، شاءت المصادفة أن تقع واحدة منها في يد القاص والروائي والسيناريست سليمان فياض،‏الذي حولها إلى سهرة تليفزيونية‏.. وبعد عام آخر،‏لم يزد خلاله عدد المباع من نسخ المجموعة إلا عشر، شاءت المصادفة‏، أن تقع إحداها في يد سيناريست آخر هو كرم النجار، فاختار منها قصة ثانية حولها أيضا إلي سهرة تليفزيونية.‏ ولفت رد الفعل الذي قوبلت به السهرتان نظر أسامة أنور عكاشة، فعلى عكس المجموعة الورقية التي لم تصل إلا إلى عدد محدود جدا من الناس، ولم يقرأها إلا قليلون منهم، وضاعت في الزحام الرسالة التي أراد أن تحملها إليهم ولم تلفت نظر صحافي لينشر عنها خبرا، أو ناقد ليكتب عنها مقالا‏، فإن القصة المرئية قد قرأها،‏أو بمعنى أدق شاهدها عشرات الآلاف من الناس‏، بينهم من لا يعرفون القراءة أصلا، وما كان يمكن لهم أن يقرؤوها، حتى لو وزعت آلافا من النسخ‏، ووصلت إليهم الرسالة التي أراد أن تصلهم عندما كتبها‏.. وكان ذلك ما دفع أسامة أنور عكاشة لكي يكتب للتليفزيون ولعله كان ينوي في البداية أن يكون ذلك عملا يقوم به على هامش عمله الرئيسي، وهو كتابة القصة والرواية وعلى العكس من نجيب محفوظ الذي كان يكتفي بكتابة المعالجة السينمائية والسيناريو لقصص يكتبها غيره، من بينها قصص لكتاب لامعين مثل إحسان عبدالقدوس‏، الذي كتب محفوظ السيناريو لبعض رواياته مثل أنا حرة،‏والطريق المسدود، ويرفض أن يكتب قصة للسينما مباشرة،‏حتى لا يجهض مشروعات روايات قصصه في أفلام‏، فإن أسامة خاض مغامرة كتابة النص بأبعاده الثلاثة، القصة،‏والسيناريو والحوار، وباستثناء مسلسل «‏وقال البحر» الذي مصره أسامة عن رواية جون شتاينبك،‏و«رحلة السيد أبوالعلا البشري» التي مصرها عن دون كيخوته للكاتب الإسباني سرفانتس،‏فقد رفض أسامة على عكس آخرين من كتاب الدراما التليفزيونية والسينمائيين اللامعين، ومنهم نجيب محفوظ،‏ويوسف جوهر،‏وعبدالحميد جودة السحار،‏أن يكتب السيناريو والحوار لروايات يكتبها غيره‏، مهما كانت قيمتهم كروائيين‏.‏ وهكذا خسرت القصة القصيرة والرواية أسامة أنور عكاشة لسنوات طويلة،‏فلم يعد إليهما إلا بعد تألق اسمه ككاتب تليفزيوني‏، ووقف على قمة كتاب الدراما التليفزيونية، وأضاف إليها محاولات لكتابة المسرحية، وكأنه ندم على هجره لمشروعه الأصلي‏، وتنكره لعشقه الأول، وعاد مرة أخرى للفكرة الراسخة التي كانت شائعة في جيله والأجيال السابقة عليه، وكان نموذجها هو نجيب محفوظ نفسه، وخلاصتها:‏أن الذي يبقى من الكاتب هو إبداعه المطبوع والمنشور في كتب، وأن كل ما يكتبه ليذاع في الإذاعة أو يعرض في السينما أو التليفزيون أو المسرح أو ينشر في الصحافة،‏يتبدد في الهواء، ويضيع مع الزمن،‏لذلك كان توفيق الحكيم ومحمود تيمور ينشران ما يكتبانه من مسرحيات في كتب قبل أن تمثل على المسرح،‏إيمانا منهما أن ذلك هو الذي سوف يبقى‏منهما‏.‏ وربما كان تألق اسم أسامة أنور عكاشة ككاتب تليفزيوني، هو السبب في أن أعماله الروائية والمسرحية وحتى السينمائية،‏وقد كتب ثلاثة أفلام هي دماء على الأسفلت،‏والهجامة‏، وكتيبة الإعدام،‏لم تلق ما تستحقه من اهتمام،‏أو من إقبال جماهيري‏، بعد أن ساد الاعتقاد بأن الدراما‏الأساسية‏هي‏الملعب‏الرئيسي‏الذي‏يتقن‏اللعب‏فيه، والذي يسدد فيه الأهداف‏.‏ ولم يكن أسامة أنور عكاشة هو الوحيد من جيله الذي واجه مشكلات الاختيار بين كتابة الرواية والقصة‏، وبين الكتابة للتليفزيون‏، أو بين الكتابة للنخبة والكتابة للجماهير‏، وبين نشر قصة أو رواية أو قصيدة لا يقرؤها سوى مئات أو آلاف‏، أو كتابتها على شكل فيلم أو مسلسل تليفزيوني أو أغنية‏، يشاهدها ويتأثر بها مئات الآلاف من الناس‏، وربما عشرات الملايين‏، فقد كانت هذه المشكلة شائعة في ذلك الجيل‏، حيث كان هناك اعتقاد بأن الفنون الجماهيرية كالسينما والتليفزيون والأغنية‏، وإلى حد ما المسرح‏، هي فنون استهلاكية وخفيفة التأثير‏، ينساها الناس بعد أن يشاهدوها أو يسمعوها‏، خصوصا أنها فنون تحتاج إلى رأسمال لتمويلها‏، وتخضع لقانون العرض والطلب ولمزاج الجمهور‏، مما قد يضطر المبدع للاستسهال‏، أو لتقديم تنازلات‏، أو للكتابة بطريقة الجمهور عاوز كده‏، فيهبط بمستوى أعماله‏، وتفقد قيمتها كفن رفيع‏.. وكان من تجليات هذه الحيرة‏، أن شعراء بحجم عبدالرحمن الأبنودي‏، وسيد حجاب‏، كانا يعتقدان في ذلك الوقت‏،‏أن كتابتهما للأغنية هو عار ينبغي أن يخجلا منه‏، وأن تأليفهما لها هو مجرد سبوبة لأكل العيش‏، تعينهما على التفرغ لمشروعهما الأساسي وهو كتابة الشعر‏، ولم يتنبها إلى خطأ هذا الشأن‏، إلا عندما بدأت الأغاني التي يكتبانها تلفت النظر وتستقطب الأسماع، ويرددها الناس‏، وعندما اكتشفا أنها كانت شعرا حقيقيا‏، يجدد في كلمات الأغنية‏، وينتقل بها من الأفق المحدود الذي كانت تدور فيه‏، إلى آفاق جديدة أكثر رحابة وأكثر عمقا‏، ولعلهما تذكرا آنذاك أن أمير الشعراء أحمد شوقي كتب قصائد بالعامية المصرية لحنها وغناها محمد عبدالوهاب‏، كان من بينها النيل نجاشي‏، وفي الليل لما خلي‏.‏ وربما كان السبب في نجاح الفنون الجماهيرية‏، كالسينما والتليفزيون والمسرح‏، في النفاذ إلى الناس، هو أنها فنون مركبة‏، تجمع بين أكثر من موهبة‏، فالقصيدة هي إبداع فرد‏، لكن الأغنية هي إبداع جماعي يشارك‏، فضلا عن الشاعر‏، الملحن والعازفون والمغني‏، وهو ما يجذب إليها من يستمتعون بالشعر والغناء والموسيقى، وكان ذلك ما حدث لروايات نجيب محفوظ‏، التي ظل الاهتمام بها مقصورا على المهتمين بالرواية‏، إلى أن تحولت إلى أفلام سينمائية‏، أضافت إلى موهبة المؤلف‏، مواهب أخرى تشمل السيناريو والحوار والتمثيل والديكور و الموسيقي والغناء والملابس والإخراج‏، فاجتذبت إلى هذه الروايات الأفلام جمهورا لا حصر له‏، اكتفي بعضه بمشاهدة روايات نجيب محفوظ في طبعتها السينمائية‏، ونبهته الطبعة السينمائية‏، إلى أهمية أن يقرأ هذه الروايات وغيرها من أعمال نجيب محفوظ‏، التي لم تتحول إلى أفلام في طبعتها الورقية‏.‏ أما الذي لا شك فيه‏، فهو أن أسامة أنور عكاشة كان ملهما حين قرر أن يتفرغ للكتابة التليفزيونية‏، ولعله لم يتنبه حين اتجه إليها أن الذي حسم حيرته‏، هو موهبته التي قادته إلى ما خلق له‏، ولما هو ميسر له‏، لذلك أخذ نفسه بدرجة من الالتزام والجدية‏، كانت الطابع العام لشخصيته وللموهوبين من جيله‏، فشحذ هذه الموهبة بالقراءة والتجريب‏، وتعامل مع الدراما التليفزيونية‏، باعتبارها فنا أصيلا‏، يستحق أن يعطيه عمره‏، وأن يسهم في إرساء قواعده وتقاليده‏، ويحوله من فن استهلاكي يستهدف التسلية الرخيصة وملء أوقات الإرسال التليفزيوني إلى فن رفيع‏، يستخدم الجماهيرية الذرية للتليفزيون‏، في تقديم رسالة تجمع بين الفرجة والفكر‏، وبين المتعة والعقل‏.‏ وهكذا عاش أسامة أنور عكاشة أكثر من ربع قرن‏، أشبه بسامر الحي‏، تجتمع حول أعماله الأمة العربية كلها‏، تسمع إلى حكاياته الممتعة‏، وتفكر معه‏، وتتحمس مع أو ضد شخصيات مسلسلاته، وتنتظره كل رمضان‏، الذي أصبح أحد أبرز علاماته‏، لتواصل الاستماع إلى ملاحمه‏.‏ وفي هذا الأسبوع غاب سامر الحي‏.. وانفض السامر‏.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها