النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

العملة الأوروبية الموحدة .. اختبار المصير

رابط مختصر
العدد 7728| الأثنين 7 يونيو 2010 الموافق 23 جمادى الآخرة 1431هـ

ألهبت الأزمة اليونانية نتيجة الديون السيادية والإسراف الحكومي في الاستدانة، مخيلة وعقول المحللين الاقتصاديين والماليين. وبدأت التحليلات والتأويلات تلهف وراء تفسير «مقبول» يحفظ ماء الوجه ويعطي نظرة ولو مواربة ، تحمل التفاؤل لمستقبل اليورو الذي يعيش أزمة حادة بعد التخوف من تداعيات المحنة اليونانية على الدول الأوروبية وما تجره من آثار سلبية على البلدان الأخرى. وانصب الجدل بين المحللين بصورة عامة في اتجاهين: أولهما يرى أن تخلي اليونان عن عملتها الوطنية (الدراخما) واستبدالها باليورو الذي وحد العملات بين الدول الأوروبية ، قد جر اليونان إلى مستنقع عدم القدرة على التعاطي مع الأزمة المالية بمرونة، وترتكز هذه الحجة على إمكانية تخفيض سعر العملة الوطنية من أجل دعم الصادرات وخفض مديونيتها. ولكن تمثل هذه الحجة هروباً إلى الأمام، لما قد تسببه من أضرار جسيمة نتيجة احتمالية هروب رؤوس الأموال خوفاً من تحويل اليورو إلى العملة الوطنية بأسعار صرف منخفضة أو احتمال طلب المستثمرين معدلات فوائد كبيرة للاحتفاظ بالعملة الوطنية بدل اليورو؛ ويصبح شراء اليورو بعملة منخفضة ثقلاً قاتلاً لارتفاع تكاليفه على الاقتصاد عند تسديد المديونية. ويمكن إضافة قضية أخرى إلى ذلك متمثلة في توقع بروز مشكلات إدارية قد تنجم من الانسحاب من منطقة اليورو وتؤدي إلى شلل في آليات الاقتصاد . ويعتقد البعض إن تقديم اليورو كضرورة لمساندة التجارة الحرة بين الدول الأعضاء تحت شعار «سوق واحدة وعملة واحدة» بسعر صرف ثابت، لا يمثل شرطاً لازدهار التجارة، ولن يكون قادراً على الاستجابة للتأثيرات المتراكمة الناتجة عن الاختلافات في الإنتاجية وتفاوت التركيبة الصناعية والصعوبات التي تواجه المرونة في أسواق العمل. أما الاتجاه الثاني فيعتبر خطة الإنقاذ الأوروبية قد أعطت الأمل في تقليل احتمالات حدوث انهيار في منطقة اليورو في السنوات الثلاث القادمة أي إن الحل سيظل مؤقتاً . وهذا ما جعل حزمة الإنقاذ للاقتصاد اليوناني موضع نقد متمثلاً في إدارة الأزمة والسياسات التقشفية التي انبثقت من رحمها والتي قد تقود إلى تباطؤ النمو والركود الاقتصادي ودون القضاء على عوامل الأزمة الناجمة من المديونية الضخمة وعجز الميزانية. في الحقيقة إن مشروع العملة الموحدة « اليورو « يحمل في جوفه جانبا سياسيا، إضافة للجانب الاقتصادي، فهو يشكل رمزاً لإنجاز أوروبي تاريخي، يجمع دول كانت بالأمس تعيش صراعات عنيفة ، فالتخلي عن اليورو اليوم سيكون بمثابة فشل لذلك المشروع التكاملي. لذا يدرك الأوروبيون إن المستقبل السياسي الذي يراهنون على نجاحه مرتبط باليورو، رمز المشروع الأوروبي، والذي وصفه جاك ديلور (أحد مؤسسي اليورو) بـ «جوهرة التاج الأوروبي». لاشك إن الأزمة التي ضربت الاقتصاد اليوناني جاءت شديدة على العملة الأوروبية، ولكن لا تحمل في طياتها الضربة القاتلة لليورو التي تؤدي إلى اختفائه من الساحة أو فقدانه كامل قيمته أو صفته كعملة احتياط لبعض البلدان، بل أن تراجع قيمة اليورو في الوقت الراهن منذ أبريل الماضي، قد ساعد في كشف قيمة اليورو الحقيقية التي تعكس ثقل منطقة اليورو في الفضاء الاقتصادي العالمي. كما خفف وقوف أوروبا وإصرارها في خطة إنقاذ اليورو، القلق الكبير والتشاؤم غير المبرر الذي خيم على الأسواق المالية في ظل أجواء دولار يعاني من الضعف والهشاشة في قوته. وعلى الرغم من حزمة الإنقاذ التي أقرها الإتحاد الأوروبي والبالغة بنحو750 مليار يورو، والتي خففت احتمال حدوث انهيار خلال السنوات الثلاث القادمة لليونان، إلا أنها لا تشكل حائطاً مانعاً لتوقعات حدوثها في المستقبل بسبب عدم انتفاء أسباب هذه الأزمة. لذا بات من الضروري التكاتف من أجل إنقاذ الوحدة النقدية وبسلك سبل عديدة منها ، كما اقترح بعض الاقتصاديين: الحاجة إلى ميثاق استقرار يفرض حدوداً شديدة تلغي الاستثناءات والإعفاءات في التعامل مع عجوزات الميزانية، ومرونة في الأجور لتعزيز التنافسية في البلدان ذات الصعوبات، ووجود آلية تمويل لحالات الطوارىء. فالمتمعن في هذه المجموعة من الإجراءات سوف يكتشف عدم كفاءتها على خلق قاطرة نمو دائم وبقاء المشكلات الأساسية دون تغيير وأنها تفرض الحياة والتعايش على دول مختلفة في إطار سياسة نقدية موحدة وسعر صرف ثابت ، إضافة إلى أن هذه الإجراءات تصب فقط في معالجة الأزمة بشكل ظرفي ومؤقت ولا تدخل إلا في منطق المالية الحسابي وهيكلة الواردات والنفقات، وبقائها بعيدة عن الخوض في علاج يتضمن استعادة عافية الطاقة القادرة على سداد الديون والنمو. لهذا قد تفتح محنة اليونان والعملة الأوروبية الموحدة الباب للمطالبة بفكر جديد للاقتصاد العالمي بعد عولمته وتوالد الأزمات المختلفة والخطرة في المرحلة الثانية من الأزمة المالية العالمية الأخيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها