النسخة الورقية
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    7:36PM

كتاب الايام

المشعوذون الجدد

رابط مختصر
العدد 7727| الأحد 6 يونيو 2010 الموافق 22 جمادى الآخرة 1431هـ

لماذا باتت القرية البحرينية مرتعا للنصب والاحتيال بعد ان كانت هادئة وبسيطة وساذجة؟ هل انتقلت عدوى المدن الفاسدة الى اخلاقيات القرية ام ان القرية صارت مصدرا لاخلاقياتها الجديدة بعد أن كانت مستوردا لكل بدعة وضلالة تفرزها المدينة؟ لقد كانت شخصية المشعوذ محصورة في معمار البنية الاخلاقية المدينية، اذ تجده متشقلبا ويلف في كل الامكنة عارضا مهاراته اليومية على الناس، يبيعهم كلاما في علب فارغة ويوزع الاحلام في خواتم السحر ويمنح كل بيت صكوك السعادة، كان المشعوذ خليطا من كل انواع الفذلكة والدهاء والرهبنة، وكل صنوف الكذب والتدجيل والتدليس، فهو بائع لعربات الذهب في الطرقات، ومستودع هائل من القصص الملونة بالخديعة، هذا المشعوذ اليوم نراه يتجدد في مجتمعنا فيتمدد كالسرطان الخبيث في جسد القرية المسالمة ليبتلعها كالتنين المسربل بالنار والدجل. المشعوذ الجديد اخترق البنية الاخلاقية للقرية واخذ يوزع بطاقات الدعوة لحفلة عرس الموت، فهناك يضع على المدعوين وعيونهم عصاب السواد ليجعل من ادمغتهم لا ترى الا احلام الثروة الموعودة. فهل انبثق عالم الاختلاس والنصب في القرية من فراغ؟ ام ان تربة خصبة جديدة هيأت له كل عوامل الاصطياد السهل، لكي يكدس في “كوارتين” البيت ربطات مؤلفة من الدنانير، لأولئك الذين تم اصطيادهم في “فخ الاحلام” هكذا زين المشعوذون الجدد للناس البسطاء وغير البسطاء سهولة الثراء والكسب العاجل في مناخ دولي اتسم بالازمة المالية الحادة، فيما راح سيد اللعبة يشعوذ الالاعيب تحت حجج جميلة تدغدغ شهوانية رنين المال عند البشر، البشر المولعون برغبة التملك المريض لشتى انواع الارباح حتى وان كانت رائحتها كريهة تحمل من الاستغراب والتعجب اكثر من مسار حياتنا الهادئ والبسيط. لقد نجح صاحب “الكوارتين”، ونجح اصحاب ربطات العنق في المباني الزجاجية وهم يحركون بالربوت كنترول شخوصهم من خلف الكواليس في القرية الوادعة. ما اضحكني كثيرا في تلك القضية التي هزت ’’عرش الوفاق السياسي’’ وحاول ليّ عنقه وبوزه عن حقيقتها، اذ ترك لمثل هؤلاء الناس ساحة مكشوفة لاقتناص ضحاياه، وتركهم عرضة لمستشفيات الطب النفسي وقسم الطوارئ، بل وقادت ضحية اخرى نحو الانتحار فكتبت صحافتنا عن الخبر بسخرية ومأساوية في ذات الوقت عن ذاك الضحية الميتة والضحايا الاحياء. النكتة الكبرى هو محاولة التلاعب بمسألة ان من خدع هؤلاء الناس ليس الا شخصا مختلا عقليا؟!! فشعرت بسعادة للغاية من ذلك التصنيف الرائع، حيث ان المختلين عقليا في البحرين اذكى من الاصحاء فقلت في نفسي يبدو ان المختلين لدينا ايضا غير عاديين وينبغي تحويلهم الى الطب النفسي العالمي كعينات فريدة ربما جاءت الينا من كوكب اخر، فمن خدعهم المختل عقليا ليسوا ايضا مختلين عقليا والا سنبدأ في الشك بأن هناك نسبة كبيرة في القرى ’’مختلة عقليا’’ بصوة اكبر من صاحب اللعبة ’’العظمى’’ التي اخلت بعقول الجميع وادخلتها في هوس الركض والبحث عن مال سريع التراكم بصورة تفوق لعبة الشعوذة والسحر التقليديين. تعالوا نبلور المسألة وحقيقتها، اذ لا يمكن للطب النفسي ان يصدق بأن مختلا خدع اصحاء! او مختلا حوّل الاصحّاء الى مختلين، فطمع الثروة ومعسول الكلام جعلت المشعوذ يخرج لسانه العذب وعندما يذهبون يخرج لهم لسان الشيطان، فقد استخدم المشعوذون الجدد من وراء الكواليس مشعوذا صغيرا ضمن فريق واسع يدير طاولة القمار بدون اضاءة او ضجيج في غرف بدت مظلمة حتى في وضح النهار بسبب عتمة الستائر وسوادها، فكل شيء تحرك بصمت وتخطيط والا ما وصلت تلك “الكوارتين” الى ملايين دون ان يعرف احد بسرها وحركتها! “كوارتين” المخادعين الذهبية استبشر بها الضحايا وكان عليهم ان يسألوا انفسهم هل من المعقول ان يحرك كل تلك المسرحية رجل مختل وبمفرده في قرية مهما قلنا عنها تبقى قرية متطورة سياسيا وعلميا وبها من الخبرة ما يكفي لانتزاع القناع من على وجه المشعوذ، واعلان حالة حرب ضده من الجميع، ففي تلك “الكوارتين” المكدسة اختفت خناجر التضليل والكذب على ناس ناموا على حلم الثروة الصغيرة واستيقظوا على كابوس الفزع والمرارة والصدمة. مبروك للمشعوذين الجدد الامكنة التي يزرعون فيها “فيروساتهم” ومبروك للناس التعلم من تجارب الخديعة، ومبروك للوفاق على صمتهم ’’الادبي’’، فقد بات الناخب مطلوبا للتصويت فقط ولا غير، فكل ما يعني المؤسسة السياسية والدينية في القرية هو جبر خاطر الناس وطمأنة قلوبهم برغوة الكلام المعسول مرة اخرى، حيث الايام القادمة للانتخابات اهم من “الكوارتين” المعلبة برزمات الدنانير التي فاقت الارقام الستة من الاصفار. اعوذ بالله من رذيلة يرتكبها الاصحاء والحمقى والمشعوذون واصحاب الضلالة ليوم الدين، انه غفور مجيب رب العالمين. بمثل تلك الادعية سيغفر و سيتوب المشعوذون لبعضهم البعض، غير أن الامن لن يغفر لتلك الخطيئة الكبرى من جهة، والجريمة الاكبر من جهة اخرى، فقد هزت الحادثة مسلمة القيم الهادئة في القرية، فلا داعي عن مواصلة الصمت والتستر عن دعاتنا ’’المشعوذون الجدد’’.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها