النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10973 الخميس 25 أبريل 2019 الموافق 20 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

الحرب التي لا تنتهي

رابط مختصر
العدد 7727| الأحد 6 يونيو 2010 الموافق 22 جمادى الآخرة 1431هـ

نعني بالحرب التي لا تنتهي، الحرب الكورية التي مضى عليها الآن نحو ستة عقود، لكن طبولها لازالت تقرع ما بين الفينة والأخرى مهددة بتدمير كل ما بنته السواعد الفتية في منطقة شمال شرق آسيا منذ خمسينات القرن المنصرم. حيث من المعروف أن هذه الحرب، التي اندلعت في عام 1951 بهجوم مفاجئ شنته القوات الكورية الشيوعية المدعومة من الروس والصينيين ضد نظام الرئيس الكوري المدعوم من الغرب “سيغمان ري”، لم تنته إلا عام 1953. بل أن انتهاءها، الذي خلف دمارا شاملا ونحو ثلاثة ملايين قتيل، لم يوقع حولها معاهدة سلام رسمية، إنما جرى العرف على اعتبارها منتهية بتطبيق ما اقترحه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “دين راسك” على الأرض. وكانت خطة “راسك”، الذي كان يشغل وقتها منصب خبير في الشؤون الإقليمية بوزارة الخارجية الأمريكية، تقضي بتقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين متباينتين إيديولوجيا بينهما منطقة منزوعة السلاح بطول 248 كيلومترا: واحدة شمالية متحالفة مع السوفييت وبها جل مكامن الثروات المعدنية التي كان الاستيلاء عليها حلما من أحلام الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، وأخرى جنوبية متحالفة مع الغرب وبها أفضل الأراضي الزراعية ونحو ثلث الشعب الكوري حينذاك (24 مليون نسمة). وقد جرى وقتها تداول هذه الخطة في مجلس الأمن الدولي والتصويت عليها، دون أن تصطدم بفيتو من موسكو لأن الأخيرة كانت قد علقت عضويتها في هذه الفترة في مجلس الأمن احتجاجا على منح مقعد الصين لحكومة فرموزا الموالية للغرب. وبطبيعة الحال ليس في منطقة شمال شرق آسيا ما لا يسر الخاطر ويؤذي العين ويوجع القلب سوى نظام “بيونغيانغ” الستاليني الذي أستمرأ المراوغة والمشاغبة والاعتداء والتلويح بالقوة وخرق قواعد وقوانين المجتمع الدولي. وهو في هذا يشبه إلى حد بعيد النظام الفقهي الإيراني، فكلاهما يهددان جاراتهما المسالمات، ويدعيان السيادة على بعض ترابهن أو مياههن، وكلاهما يجسدان عامل توتر وشغب في إقليمين من أهم أقاليم العالم الاستراتيجية، وكلاهما يمتلكان القدرات النووية أو يسعيان إلى امتلاك الأسلحة المحرمة من أجل فرض إرادتهما بالقوة. أما العامل المشترك الآخر المتمثل في قمع شعبيهما فحدث ولا حرج. ومن الطبيعي أن يلجأ نظام هذا حاله إلى التصعيد كلما لاحت في الأفق بوادر للسلام، على نحو ما حدث في أواخر مايو المنصرم. ففي الوقت الذي كان فيه المراقبون يتوقعون من نظام “بيونغيانغ” أن يعود إلى طاولة المفاوضات السداسية بشأن برنامجه النووي المثير للجدل، فاجأ الأخير العالم بخطاب ناري تصعيدي ضد “سيئول” على خلفية تقديم الأخيرة دلائل دامغة حول تسبب جارتها الشمالية في مارس الماضي بإغراق البارجة الحربية “تشيونان” التابعة للبحرية الكورية الجنوبية، بما في ذلك قتل بحارتها الستة والأربعين. وبعبارة أخرى، فإنه بدلا من أن تقوم “بيونغيانغ” بتقديم اعتذار إلى جارتها الجنوبية عما حدث، معطوفا على تطمينات بألا يتكرر ذلك مستقبلا، راحت تــُحدث كعادتها الضجيج المصاحب للشتائم الوقحة وإطلاق التهديدات باكتساح أراضي الجنوب، وإعلان حالة استنفار في صفوف جيشها لخوض معركة “التحرير والتوحيد تحت قيادة الزعيم الملهم كيم جونغ إيل”، الأمر الذي لم تجد معه حكومة سيئول مفرا من الرد. وفي هذا السياق قيل أن حكومة الرئيس الكوري الجنوبي المحافظ “لي ميونغ باك” لم تكن تحبذ التصعيد، بل لم تكن تحبذ حتى الإعلان عن أن صاروخا كوريا شماليا هو الذي تسبب في إغراق إحدى بوارجها الحربية، كيلا يظهر جيشها أمام الرأي العام أقل مستوى من جيش الشطر الشمالي. لكن سيئول، كما قيل في أكثر من تحليل، تعرضت لضغوط فغيرت طريقة إدارتها للأزمة. وبعبارة أخرى تعرضت سيئول إلى ضغوط من واشنطون كي تعلن للعالم نتائج تحقيقاتها حول حادثة إغراق البارجة “تشيونان”، من أجل مزيد من التعرية لنظام “بيونغيانغ”، ومزيد من ردود الفعل الصلبة إزاء شغب الأخيرة على نحو ما كان الأمريكيون دائما يطالبون به كنوع من الضغط. ومثلما خدمت الأزمة الأخيرة واشنطون فإنها خدمت اليابان أيضا، حيث صار الآن بإمكان رئيس الوزراء “يوكيو هاتوياما” أن يستخدمها كبرهان على خطر ألاعيب بيونغيانغ في المنطقة، وبالتالي كمبرر للمضي قدما في اتفاقية مثيرة للجدل مع الحليف الأمريكي حول بناء قواعد عسكرية جديدة في “أوكيناوا”. أما الرد الكوري الجنوبي على وقاحة “بيونغيانغ” فقد تمثل في إعلان الرئيس “لي ميونغ باك” عن جملة من الخطوات التي اعتبرت في نظر المراقبين تراجعا خطيرا في سياسة “شروق الشمس” التي كان الرئيس الكوري الجنوبي الأسبق “كيم داي جونغ” قد أطلقها في عام 1998 من أجل إعادة تأهيل نظام “كيم جونغ إيل” وإنقاذه من مصاعبه الاقتصادية. تلك السياسة التي لم تثمر في الحقيقة عن تهذيب سلوك الأخير، كيلا نقول انها مدته بأسباب الديمومة لممارسة المزيد من الغطرسة والشغب. وقد شملت خطوات سيئول الأخيرة قطع أشكال الروابط والاتصالات مع الشطر الشمالي، بما في تلك الروابط التجارية والملاحية التي كانت “بيونغيانغ” تستفيد منها سنويا بما لا يقل عن ربع بليون دولار. كما شملت تجميد المساعدات الإنسانية التي أنقذت مواطني الشطر الشمالي من المجاعة طويلا، ومنع مواطني الشمال من زيارة أقاربهم في الجنوب، والقيام بجهود دبلوماسية، من أجل خلق موجة استنكار عالمية ضد بيونغيانغ، ومن أجل نيل تأييد دولي لجهة فرض المزيد من العقوبات الصارمة ضد نظام “كيم جونغ إيل”. على أن الخطوة الكورية الجنوبية التي استأثرت باهتمام المراقبين أكثر من غيرها، تمثلت في إعلان سيئول بأنها تنوي العودة إلى ممارسة الدعاية المضادة للنظام الستاليني في الشمال باستخدام مكبرات الصوت عبر خط الحدود الفاصل. تلك الممارسة التي ظلت قائمة طيلة سنوات الحرب الباردة قبل أن تتوقف بتدشين سيئول لسياسة “شروق الشمس” التي أتينا على ذكرها. هنا ردت بيونغيانغ بطرد عدد من الرسميين الجنوبيين العاملين في مجمع “كايسونغ” الاقتصادي الذي بنته شركات كورية جنوبية متوسطة وصغيرة عبر خط التقسيم من أجل مساعدة بيونغيانغ للخروج من أزماتها الاقتصادية القاتلة، بل هددت بتجميد العمل تماما في المجمع رغم أنه يوظف ما لا يقل عن 40 ألف مواطن كوري شمالي، ويصب في خزينة الشمال نحو 50 مليون دولار سنويا كأجور لا يرى العمال الشماليون منها شيئا. إلى ذلك أعلنت بيونغيانغ عن تجميد كافة الاتصالات مع سيئول بما فيها الاتصالات ما بين جمعيتي الصليب الأحمر في الشطرين، وما بين الرسميين المسؤولين عن تبادل المعلومات حول حركة الملاحة في المياه الفاصلة بين الدولتين، بل وأضافت إلى ذلك تهديدا بإيقاف كل أشكال التعاون مع الشطر الجنوبي وإلغاء معاهدة عدم الاعتداء المبرمة بين الكوريتين، وتهديدا آخر بأن قواتها سوف تطلق النار على مكبرات الصوت الكورية الجنوبية، إذا ما عادت لتحرض جنودها أو “تلوث عقولهم بالشعارات الإمبريالية”. كثيرة هي الأسئلة التي تتردد الآن بقوة، لعل أولها هو عما إذا كانت هذه الخطوات التصعيدية من الجانبين قد تؤدي إلى نشوب حرب كورية جديدة، خصوصا وأن فتيلها موجود ولا يحتاج إلا إلى إطلاق رصاصة واحدة عبر الحدود؟، وثانيها هو عن الموقف الصيني من هكذا تطور، لا سيما وأن بكين، التي تعتبر النافذة الوحيدة التي تطل من خلالها “بيونغيانغ” على العالم، سعت دوما إلى إطفاء الحرائق التي تشعلها “بيونغيانغ” بمزيج من دبلوماسية التطمينات باتجاه سيئول وطوكيو وواشنطن، ودبلوماسية الاستنكار والشجب المبطنين باتجاه “بيونغيانغ”، وثالثها هو عما إذا كانت “بيونغيانغ” ستلجأ إلى استخدام الموظفين الكوريين الجنوبيين في مجمع “كايسونغ” كدروع بشرية أو كرهائن من أجل تحقيق مطالبها؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها