النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

عندما سقط الأستاذ حنفي في الانتخابات

رابط مختصر
العدد 7725| الجمعة 4 يونيو 2010 الموافق 20 جمادى الآخرة 1431هـ

من بين كتب السير الذاتية التي كتبها أشخاص عاديون، ‏ممن يوصفون في المصطلح القانوني بـ آحاد الناس‏ - ‏والتي أشرت إلى نماذج منها في مقال الأسبوع الماضي‏- عثرت في مكتبتي على كتاب بعنوان «سقطت في الانتخابات»، ألفه الأستاذ حنفي محمود جمعة المحامي، الذي رشح نفسه في الانتخابات البرلمانية، التي أجريت في يناير‏ 1945، ‏على مبادئ الحزب الوطني‏ - ‏وهو الحزب الذي أسسه في عام‏ 1907 ‏الزعيم مصطفى كامل باشا وحل عام‏ 1953 - ‏وكانت تلك أول‏- ولعلها آخر‏- مرة يرشح فيها نفسه للانتخابات، التي كان دافعه لخوضها الأحلام التي ناوشته وهو يدرس في كلية الحقوق، في أن يجلجل صوته تحت القبة، دفاعا عن حقوق الشعب،‏لتكون تلك هي الخطوة الأولى، في الطريق الذي ينتهي بانتقاله من موقع آحاد الناس إلى خانة عظماء الرجال،‏الذين يشار إليهم بالبنان.‏ لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن،‏وسقط الأستاذ حنفي في الانتخابات سقوطا ذريعا، بعد شهرين من المجهودات الشاقة والتجارب المريرة، ‏يبدو أنها ظلت تضغط عليه بقوة، حتى دفعته‏- بعد أسبوعين فقط من ظهور نتيجة الانتخابات‏- إلى الجلوس إلى مكتبه ليدون ذكرياته عنها، في هذا الكتاب الذي نشره على نفقته وصدر في مايو‏ 1945، ‏أي بعد أقل من أربعة أشهر على سقوطه المدوي، ‏وحرص على أن يوقع بخط يده،‏على كل نسخة منه،‏توهما منه، بأن القراء الذين ضن عليه بعضهم بأصواتهم في صندوق الانتخابات سيتخاطفون نسخه، مما قد يغري طابعا أو ناشرا، بإعادة طبعه من دون التعاقد معه،‏والغالب أن الذين ضنوا عليه بأصواتهم، ‏قد ضنوا عليه بقراءة ما كتبه،‏وأنه اضطر إلى بيع الكتاب بالكيلو،‏ولولا ذلك لما عثرت على مئات من نسخه بعد خمسة عشر عاما من صدوره،‏لدى كل باعة الكتب القديمة على سور الأزبكية.‏ لكن المعاملة غير الكريمة التي لقيها الأستاذ حنفي من ناخبي دائرة باكوس بالإسكندرية وهي الدائرة التي ولد فيها وأمضى فيها طفولته، واختارها لهذا السبب لكي يرشح نفسه ممثلا لها في مجلس النواب، ‏والاستقبال غير الودي الذي لقيه كتابه الوحيد سقطت في الانتخابات لا ينفي أن الكتاب مهم،‏وأن الأستاذ حنفي يستحق التحية، ‏لأنه تنبه لأهمية أن يسجل تجربته الانتخابية في كتاب، ‏ولأنه أحسن اختيار التفاصيل والنماذج التي يعرضها،‏بحيث تكون ذات دلالة على ما أراد أن يقوله.‏ ولأن مؤلف الكتاب الأستاذ حنفي جمعة‏ - ‏في حدود علمي‏- ليس من الشخصيات التي وردت أسماؤهم في معاجم الأعلام‏، ودوائر معارف الشخصيات البارزة،‏فليس في ذكرياته عن وقائع سقوطه في الانتخابات ‏أي أعمال خارقة، ‏مما يوجب تسجيله في مدونة جينس للأرقام القياسية، لكنه‏-‏ككل السير الذاتية التي يكتبها آحاد الناس‏-‏يقدم لنا صورة اجتماعية واقعية لظاهرة الانتخابات العامة،‏على النمط المصري،‏وإلى حد ما،‏العربي،‏تستحق التأمل وتطرح الكثير من علامات الاستفهام والتعجب.. ‏والانتخابات البرلمانية التي أجريت في‏ 8 ‏يناير‏ 1945، ‏هي التي أعقبت إقالة حكومة حزب الوفد المعروفة بحكومة‏ 4‏فبراير‏ 1942،‏لتحل محلها حكومة اشتركت في تأليفها أحزاب الأقلية المعادية للوفد، ‏فكان أول ما فعلت هو أن حلت مجلس النواب الذي كان قائما،‏لأن أغلبيته كانت وفدية،‏ودعت إلى انتخابات جديدة،‏قاطعها الوفد،‏وقررت الأحزاب المشاركة في الحكومة، أن تخوضها مؤتلفة، واتفقت على تقسيم الدوائر فيما بينها، وكانت تلك أول مشكلة واجهت الأستاذ حنفي،‏إذ اتفقت الأحزاب المؤتلفة، على أن تكون دائرة باكوس من نصيب مرشح لحزب آخر، غير الحزب الوطني الذي ينتمي إليه، ‏وبذلك فقد الدعم السياسي الذي كان يمكن أن يقدمه له الائتلاف، بما في ذلك دعم الحزب الوطني نفسه..‏لكن تلك لم تكن سوى أبسط الصعوبات،‏أما أعقدها فكانت مجموعة الظواهر والتقاليد الاجتماعية التي تراكمت عبر السنوات وترسخت في الوجدان الشعبي،‏وحولت العملية الانتخابية إلى موسم تتشكل خلاله بصورة تلقائية جماعات اجتماعية مؤقتة، تضم عاطلين أو عمالا موسميين أو موظفين يبحثون عن عمل إضافي، ينقسمون إلى فرق عمل تشمل سماسرة الانتخابات الذين يدعون قدرتهم على جلب الأصوات الانتخابية،‏والفتوات الذين يحمون أو يقودون المواكب الانتخابية،‏أو يقومون بالغارات ضد مواكب المرشحين المنافسين، وخبراء الدعاية من الخطباء الذين يحترفون الخطابة في المقاهي والسرادقات ويصطنعون للمرشح تاريخا لا يعرفه، ومواهب ومواقف لا صلة له بها،‏إلى متعهدي توريد وتعليق اللافتات والملصقات، ومن أصحاب المقاهي في الدائرة،‏التي تتخذ مقرا للدعاية ولحشد الأنصار، إلى قسم المخابرات الذي يجمع الأخبار والمعلومات عن نشاط المرشحين المنافسين.‏ ويجرون استطلاعات رأي انطباعية عن اتجاهات الرأي العام في الدائرة تجاه المرشحين..‏وبعد أيام من بداية الحملة الانتخابية،‏اكتشف الأستاذ حنفي، أنه لا أحد من أهالي الدائرة تعنيه الانتخابات، غيره هو وأسرته وأصدقاءه المقربين، وأن المهتمين بها، ممن يحيطون به،‏وبغيره من المرشحين،‏لم يفعلوا ذلك، اقتناعا بأهلية المرشح للدفاع عن مصالح الوطن،‏أو مطالب أهل الدائرة،‏أو ثقة منهم في أنه الأصلح من غيره للقيام بهذه المهام،‏لكنهم باحثون عن صاحب عمل يستأجرهم طبقا لقانون العرض والطلب، يختارونه استنادا إلى مقاييس لا صلة لها برأيه السياسي أو أهليته للموقع الذي يرشح نفسه له، بحيث يكون الأوفر سخاء والأقل مساومة ومحاسبة فيما يطلبونه من أجور، وفي مراجعة ما يقدمونه إليه من كشوف بما أنفقوه من مصروفات على ما تتطلبه الحملة، من إمكانات بشرية ومادية، من أثواب القماش التي تصنع منها اللافتات،‏إلى الإعلانات التي تطبعها المطابع،‏ومن الهتيفة إلى أصحاب المقاهي، ومن الشخصيات النافذة، التي تعرض للبيع تذاكر انتخابية،‏يستخدمها المرشح لحسابه،‏أو تعرضها مع الناخبين الجاهزين للحلول محل أصحابها الأصليين في الإدلاء بأصواتهم لصالحه.‏ ما لفت نظري أنني لم أجد في تجربة الأستاذ حنفي الانتخابية التي جرت قبل‏65 سنة بالتمام والكمال، وفي مناخ سياسي واجتماعي مختلف،‏ما يدعو لدهشتي، أو ما يختلف عما شاهدته وعرفته وقرأت عنه، خلال ما عاصرته من انتخابات أجريت فيما بعد، على الرغم من التقلبات والتطورات التي شهدتها مصر خلال ما يقرب من سبعة عقود، تحولت خلالها من ملكية إلى جمهورية، انتقلت من الإقطاعية إلى الاشتراكية،‏ثم إلى الرأسمالية، وتضاعف خلالها عدد خريجي الجامعات أكثر من‏20 مرة، وانخفض عدد الأميين إلى أكثر من النصف،‏واختفت ظواهر اجتماعية كثيرة،‏فلماذا ظلت الظواهر والتقاليد الانتخابية ثابتة على ما هي عليه؟ ولماذا تبدو مذكرات الأستاذ حنفي وكأنها كتبت اليوم؟ ولماذا يتصرف الناخبون في كل انتخابات،على أساس أن المرشح الذي يطلب ثقتهم لا يتطوع للقيام بخدمة عامة،‏بل يسعى لمصلحة شخصية، سوف تعود عليه بمكاسب مادية أو معنوية؟ وبالتالي فإن عليه أن يصرف مقدما، جانبا من هذه المكاسب على الذين سيشاركون في تحقيقها له بمنحه أصواتهم؟ تلك أسئلة تطرحها ظاهرة سقوط الأستاذ حنفي في الانتخابات،‏لأنه عجز عن أن يصرف مقدما للناخبين جانبا من ثمن العظمة التي كان سيحققها لو نجح‏، ‏وهي أسئلة تحتاج إلى البحث عن إجابات، ليس من بينها القول بأننا‏- نحن العرب‏- شعوب لا تصلح للديمقراطية ولا تستحق الانتخابات الحرة النزيهة.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها