النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

النبوءةالتي لم تتحقق!

رابط مختصر
العدد 7718| الجمعة 28 مايو 2010 الموافق 13 جمادى الآخرة 1431هـ

كان صديقي الدكتور عمر مكاوي‏، وهو طبيب ومناضل ومترجم‏، ‏أول من تنبأ ‏قبل أربعين سنة ‏بأن التقدم المذهل في العلوم والتكنولوجيا‏، ‏سيقضي على أسطورة الرجال الأقوياء والموهوبين‏، ‏بنهاية القرن العشرين‏، ‏وأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الرجل العادي والمرأة العادية‏، ‏وحذرني من مواصلة الاهتمام بقراءة سير العباقرة والأبطال من الرجال والنساء‏، ‏أو الكتابة عنهم‏، ‏حتى لا تبور بضاعتي.‏ ومع أنني تشككت في‏نبوءته‏، ‏فإنني على سبيل الاحتياط، ‏قررت أن أحافظ على مجموعة من الكتب تروي مذكرات عادية‏ لرجال عاديين كانت تزحم مكتبتي،‏ وأن أطرد الشيطان الذي كان يوسوس لي بين الحين والآخر‏، ‏بأن أتخلص منها لتفسح مكانا لغيرها من مذكرات وسير الأبطال التي شغفت بقراءتها واقتنائها لعلها تفيدني بشيء حين يأتي الزمان الذي تنبأ به عمر مكاوي‏.‏ ولا أتذكر على وجه الدقة الظروف التي انتقلت فيها هذه الكتب إلى مكتبتي‏، ‏والغالب أنني عثرت على بعضها وأنا أقلب بين رفوف الكتب في بيوت أصدقائي‏، ‏وعلى غير العادة أعاروني إياها ولم يهتموا بالإلحاح في استردادها‏، ‏وانني اشتريت الباقي من أسواق الكتب القديمة‏، ‏وأن أصحابها في الحالتين لم يسمعوا نبوءة عمر مكاوي‏، ‏أو سمعوا بها ولم يصدقوها وإلا ما تخلصوا من كتب تروي سير رجال ونساء سيصنع أمثالا لهم تاريخ القرن الحادي والعشرين‏.‏ أما المؤكد فهو أنني شغفت باقتناء هذه الكتب واستمتعت بقراءتها على الرغم من أن معظمها نشره أصحابه على نفقتهم الخاصة‏، ‏مما يدل على أنهم لم يجدوا ناشرا يغامر بأمواله في نشر ما كتبوه‏، ‏ومن أن معظمهم لم يكن كاتبا له اسم في سوق الكتابة والتأليف‏، ‏وربما لم يؤلف غير هذا الكتاب الوحيد الذي يروي فيه سيرة حياته‏، ‏التي تقرؤها فلا تجد فيها شيئا غير عادي‏، ‏مما يدفعك للتساؤل عن الدافع الذي دفع صاحبها لكتابتها‏، ‏مع أنه لم يقم بأي عمل فذ وأن سيرة حياتهم لا تختلف عن سيرة حياتك أنت نفسك‏.‏ من بين هذا النوع من التأليف مذكرات كانت تنشر على صفحات المجلات الأسبوعية الشعبية‏، ‏والتي نشطت في العقود المتوسطة من القرن الماضي لحفز أصحابها على روايتها لأحد محرري المجلة‏، ‏ليقوم بصياغتها ونشرها متسلسلة على صفحاتها‏، ‏فلقيت إقبالا من القراء دفعت هذا النوع من المجلات للتنافس في البحث عن نماذج بشرية تنتمي إلى مهن وتشكيلات اجتماعية‏ مختلفة ‏لم تكن تعني عادة بنشر شيء عنها لكي تستنطقها وتشجعها على رواية سيرة حياتها، ‏ثم تطرحها بعد ذلك في كتب شعبية بعناوين مثل مذكرات «عربجي» ومذكرات «نشال» ومذكرات سائق قطار ومذكرات «فتوة‏»، ‏فضلا عن مذكرات كتبها عشرات من ضباط الشرطة و»مأموري‏» ‏مراكزها في الريف‏، ‏عن مغامراتهم مع اللصوص‏، ‏ومذكرات لصوص الخزائن‏، ‏والمغامرين‏ الذين حاولوا سرقة البنوك‏.‏ ولعل هذا النوع من المذكرات‏، ‏هو الذي أوحى للكاتب الكبير توفيق الحكيم‏، ‏تأليف كتابه الشهير ذكريات نائب في الأرياف الذي روى فيه جانبا من ذكرياته حين كان يعمل ‏في مقتبل حياته ‏وكيلا للنائب العام في بعض قرى الريف‏، ‏و لعل الاستقبال الحافل الذي لقيه هذا الكتاب عند نشره في ثلاثينيات القرن الماضي‏، ‏كان وراء ازدهار هذا النوع من كتابة المذكرات أو الصور الاجتماعية مع الفارق‏ طبعا ‏بين كاتب محترف بقامة توفيق الحكيم وبين رواة أو صائغي هذا النوع من الكتابات من محرري الصحف الشعبية‏.‏ وبصرف النظر عن الطابع الشعبي لهذا النوع من المذكرات‏، ‏ومن الأسلوب التلقائي وغير المنمق الذي كتبت به‏، ‏فإن أهميتها البالغة‏ تكمن في أنها احتفظت لنا بصور ونماذج وتقاليد وعادات ومهن وتشكيلات اجتماعية اختفت من حياتنا من دون أن يعنى أحد بتسجيلها‏، ‏ولولا أن الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر ‏والبلاد العربية في العصور الوسطى وفي مطلع القرن التاسع عشر‏، ‏حرصوا على أن يرصدوا ما كان سائدا فيها من عادات وتقاليد وخرافات وآداب شعبية وحرف وصناعات، ‏كما فعل علماء الحملة الفرنسية في كتابهم (وصف مصر‏)، ‏وكما فعل المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين في كتابه (المصريون المحدثون‏.. ‏شماؤلهم وعاداتهم‏)، لما عرفنا الكثير عن المجتمع المصري في ذلك الزمان‏، ‏ولما عرفنا أصول بعض ما لا‏يزال يمارسه من عادات وتقاليد‏، ‏وأحيانا ألفاظ‏ ومصطلحات حتى الآن‏.‏ ولولا هذا النوع من الكتب‏، ‏لافتقدنا مصادر بالغة الأهمية لتاريخ مصر الاجتماعي‏، ‏فخلال النصف الثاني من القرن العشرين‏، ‏ومع تسارع إيقاع التغير الاجتماعي‏، ‏اختفت أو كادت مهن وعادات وتقاليد وتشكيلات اجتماعية كانت بقاياها لاتزال قائمة‏.‏ اختفى الطربوش الذي كان القانون يفرضه على كل طالب في المدارس أو موظف في الحكومة‏ أن يضعه على رأسه باعتباره رمزا قوميا حتى إن مصر كلها شاركت في الثلاثينيات في مشروع قومي لجمع قرش من كل مواطن لبناء مصنع وطني لصناعة الطرابيش‏، ‏انطلاقا من أنه لا يليق بها أن تستورد رمزها القومي من الخارج وأن يصنع لها الآخرون غطاء الرأس الذي كان بمثابة رمز للوطنية‏، ‏واختفت باختفائه محلات غسل وكي الطرابيش التي لم يكن يخلو منها شارع في القاهرة والمدن الأخرى، ‏واختفت معه الأغاني التي كانت تتغزل فيه‏، ‏والبروتوكولات التي كانت تتعلق به‏، ‏والعقوبات التي كانت توقع على الموظف الذي يدخل على رئيسه بدون طربوش‏، ‏أو الطالب الذي يدخل مدرسته عاري الرأس‏.‏ واختفى ‏«السقا» الذي كان يحمل المياه في قربة من جلد الماعز على ظهره ويطوف بالبيوت والمقاهي والورش‏، ‏ليصبها في زير فخاري ويضع علامات بالطباشير على الحائط المجاور له بعدد القرب التي وردها لكي يحاسب المستهلك في نهاية الشهر على ثمنها بعد أن وصلت المياه النقية إلى البيوت‏، ‏واختفت باختفائه الورش التي كانت تصنع القرب وتصلح عيوبها والحنفيات العمومية التي كان «السقا» يملأ منها القرب‏، ‏ونسي الناس سبب تسمية إحدي «حارات‏» ‏القاهرة باسم (حارة السقايين‏) ‏أو أصل لقب أسرة الفنان اللامع أحمد السقا‏!‏ وتوقف‏ منذ عام‏ 1960 المحمل الشريف‏، ‏الذي كان يحمل كسوة الكعبة المشرفة من مصر إلى الديار الحجازية‏، ‏وكانت منذ العصور الوسطى تصنع في إدارة خاصة لهذا الغرض يعمل فيها مئات من النساجين والخياطين والمطرزين والخطاطين والصباغين لشهور متصلة حتى يقـوموا بـإعداد الكسـوة‏، ‏وكـان يـوم سفـرـها إجـازة رسميـة واحتفالـية شعبية يشترك فيها جلالة الملك بذات نفسه ويتشرف بها كبار رجال الدولة‏.‏أهمية هذا النوع من الكتب هو أنه يحتفظ لنا‏ بما لم نعن بتسجيله من التاريخ الاجتماعي لمصر‏، ‏وأنه يحفزنا لكي نقوم بتسجيل هذا التاريخ‏، ‏وجمعه وتحليله‏، ‏والبحث في أسباب تطوره‏، ‏وفي أي اتجاه يتطور‏.‏ أمـا وقـد أوشك العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من دون أن نفعل ذلك‏، ‏فلا معنى لذلك‏، ‏إلا أن نبوءة د‏. ‏عمر مكاوي بأن هذا القرن سيكون قرن الرجل العادي والمرأة العادية لم تتحقق بعد‏.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها