النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

فتوى إرضاع الزميل، هل هي نهاية الفتاوى الغريبة؟

رابط مختصر
العدد 7715| الثلاثاء 25 مايو 2010 الموافق 10 جمادى الآخرة 1431هـ

غير مستغرب بالنسبة لي صدور فتاوى غريبة مثل الفتوى التي أطلقها الدكتور عزّت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر بإباحة قيام المرأة بإرضاع زميلها في العمل منعاً للخلوة المحرّمة، وغير مستغرب أيضاً بالنسبة لي تأييد الشيخ عبدالمحسن العبيكان المستشار القضائي بوزارة العدل السعودية لهذه الفتوى مؤخّراً بشرط تناول حليب الزميلة من غير مسّ ثديها. ولكن المستغرب بالنسبة لي هو استنكار المشايخ والمفتين لهذه الفتوى وهم الذين يدعون عبر كتاباتهم وخطبهم ودروسهم وأشرطتهم إلى اعتماد الحديث النبوي الشريف كمصدر رئيسي من مصادر التشريع، والتأكيد على الأخذ به كأصل من أصول الفقه دون النظر إلى الظروف المحيطة بتدوينه. ما فعله الدكتور عطية والشيخ العبيكان هو اعتماد الآلية التي وضعها الفقهاء الأولون وسار عليها الفقهاء المحدثون، فكلّ أولئك يعتبرون أنّ ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام رضوان الله عليهم هو تشريع إلهي، واتباعه واجب، استناداً للحديث المنسوب للرسول: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». كما إنّهم ينكرون على من يشكك في صحّة متون الأحاديث النبوية المروية في الصحاح، ولا يقيمون وزناً لمسألة تدوينها بعد أكثر من مائة عام من وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وما صاحب هذه الفترة من صراع على الحكم وظهور للمذاهب والفرق والملل والأحزاب. لقد قرأ الدكتور عطية والشيخ العبيكان الحديث الوارد في صحيح مسلم عن عائشة أَّن سَالِمًا مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِى حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِي بَيْتِهِمْ فَأَتَتْ زوجة أبي حذيفة النَّبِىَّ (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَتْ: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ (صلى الله عليه وسلم) «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ وَيَذْهَبِ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ. فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ». فَبِذَلِكَ كَانَتْ ‏عَائِشَةُ ‏‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏‏تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ‏‏ عَائِشَةُ‏ ‏أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا. واستناداً إلى هذا الحديث أفتى الشيخان بإباحة قيام المرأة بإرضاع زميلها المجاور لها في مكتب العمل أو الذي يخلو بها في السيارة أو في البيت لكي يتسنّى لها أن تختلي به دون مانع شرعي، ويتيسّر لها أن تنزع الحجاب في حضرته. ولم يجدا غضاضة في الإعلان عن فتواهما، بل استغربا من استنكار المشايخ والمفتين لهما لسببين: أولاً أنّ الحديث الذي استندا إليه وارد في صحيح مسلم، وهو الذي يقول عنه جمهرة العلماء أنّه وصحيح البخاري أصحّ كتابين بعد كتاب الله. وثانياً أنّ النص صريح بإباحة قيام المرأة بإرضاع زميلها، والقاعدة الأصولية تقول إنه «لا اجتهاد مع ورود النص»، ولقد كان النصّ واضحاً ويدلّ دلالة واضحة على الإباحة، فلماذا الاستنكار؟ الفقهاء والمفتون المتشدّدون في مسألة جعل الحديث النبوي الشريف مصدراً من مصادر التشريع والذين يصرّون على غلق باب الاجتهاد مع وجود النص الصريح وجدوا أنفسهم في مأزق. فالذي فجّر هذه الفتوى وهو الدكتور عزّت عطية، هو رئيس قسم الحديث، ويعرف مراتب الحديث النبوي ودرجات صحته، وهو أستاذ في كلية أصول الفقه، أي إنه يعرف أنّ الحديث النبوي أصل من أصول التشريع. ولكن أمام استنكار الناس ووسائل الإعلام العربية والغربية لم يجدوا وسيلة غير ردّ فتوى الدكتور عطية واعتبار هذا الحكم خاصاً بسالم مولى أبي حذيفة وليس عاماً لكل المسلمين. وبدلاً من أن تكون هذه الحادثة منطلقاً لمراجعة أصول الفقه وفاتحة لإعادة النظر في اعتبار الحديث النبويّ الذي بدأ تدوينه الرسمي بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام منزّهاً عن الزيادة والنقصان والتحريف والتزوير، أقدمت جامعة الأزهر على إجبار الدكتور عزت عطية على كتابة اعتذار عن الفتوى وسحبها والإعلان أمام الملأ عن تراجعه عنها، ثم قامت بفصله من وظيفته، رغم أنّه أعلن أنّ ما صرّح به في فتواه إنما كان نقلاً عن الأئمة ابن حزم وابن تيمية وابن القيّم والشوكاني وابن حجر العسقلاني وأمين خطّاب. وأمام إصرار المؤسسات الدينية الرسمية والفقهاء والمجامع الفقهية على اعتماد الكتب الجامعة للحديث النبوي مصدراً من مصادر التشريع دون فتح الباب أمام ردّ الأحاديث التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصدر عن النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام، فلن يتوقف مسلسل الفتاوى الغريبة التي تسيء إلى الإسلام وتسيء إلى رموزه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها