النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

صعود آسيا وحراك القوى الإعلامية (2 من 2)

رابط مختصر
العدد 7713 الأحد 23 مايو 2010 الموافق 8 جمادى الآخرة 1431هـ

وتقول الإعلامية الهندية «براكريتي غوبتا» في مقال لها، استنادا إلى استطلاع حول القراءة أجري على المستوى القومي في بلادها انه تبين أن قراء وسائل إلاعلام المطبوعة مستمرون في الزيادة. حيث زاد عددهم من 206 ملايين قارئ قبل عام 2005 الى 222 مليون قارئ في عام 2005. كما تبين ان 12 صحيفة هندية يومية من بين 5 الاف صحيفة يومية تبيع ما بين 16 الى 17 مليون نسخة يوميا. ولا تقتصر التطورات التي تشهدها الهند على الإعلام المكتوب، وإنما تتجاوزها إلى الإعلام المسموع أي الإذاعة التي يدعي البعض أن زمنها قد ولى لصالح التلفزيون والانترنت. ففي الهند شهدت الإذاعة انتشارا واسعا، خصوصا بعدما تخلت الدولة عن إحتكار البث وسمحت للشركات الخاصة بتأسيس المحطات الإذاعية. وكان لهذا القرار نتائج إيجابية على أكثر من صعيد. فمن ناحية زاد عدد المستمعين للمحطات الإذاعية من23 بالمئة الى 27 بالمئة من السكان خلال إسبوع في عام 2006، وإرتفع عدد جمهور محطات الإف إم إلى 119 مليون مستمع خلال نفس الفترة، وبزيادة 55 بالمئة عن نفس الفترة من السنة السابقة (2005 ). ومن ناحية أخرى شجع القرار المستثمرين الأجانب على دخول هذا المجال بقوة بدليل قيام محطة بي بي سي الدولية بشراء 20 % من أسهم محطة «انديان راديو ميد داي ويست» المتمركزة في مومباي، والتي يصل بثها إلى كبريات المدن الهندية، ثم بدليل قيام محطة تلفزيون «أسترو أول آسيا» الماليزية بشراء إجازة لإستخدام البث الإذاعي في الهند على موجة إف إم بالاشتراك مع شركتين هنديتين. وهكذا تمكن قطاع إذاعات الـ إف إم من جذب توظيفات مالية أجنبية وصلت إلى 111 مليون دولار أمريكي خلال عام ونيف، مع توقعات بأن يرتفع الرقم إلى 145.9 مليون دولار مع نهاية عام 2010. أما في قطاع التلفزيون فقد حدثت تطورات كانت الأبرز للعيان والأكثر لفتا للنظر. إذ تحولت الهند إلى ثالث أكبر سوق للتلفزيون في العالم مع عدد من القنوات تزيد على 350 قناة . وبحسب الإعلامية الهندية اللامعة «براكريتي غوبتا»، فإن «الدخل المتحقق من الإعلانات عبر تلفزيونات الكابل كانت 1.02 مليار دولار عام 2005 ومن المتوقع أن يبلغ 1.8 مليار دولار قبل انتهاء عام 2010. ويبلغ عدد القنوات المضافة كل سنة 50 قناة. وهذا ما منح زيادة في الطلب للقنوات التي تبث على مدار الساعة. وتواصل شركات البث التلفزيوني البحث عن شركات للبرامج كي تغطي أوقات بثها. ولشركة مثل «تي في ساتلايت» 230 مليون مشاهد كل أسبوع منذ عام 2006» وبسبب من هذه الأرقام، إضافة إلى حقيقة أن عدد مشاهدي البث التلفزيوني عبر الأقمار الإصطناعية قد زاد من 61 مليون إلى 68 مليون مشاهد خلال سنة واحدة (2006)، فإن شركات الإعلام الأجنبية تسابقت وتنافست على شراء أسهم وحصص في شركات الخدمات الإعلامية الهندية، فإشترت «والت ديزني» الأمريكية مثلا حصة من أسهم قناة «يو تي في» (مالكة قناة مهمة للأطفال) مقابل 30 مليون دولار. واشترت رويترز حصة 26% مقابل 19 مليون دولار أمريكي في حقل الأخبار المعروضة لأربع وعشرين ساعة في اليوم في قناة «تايمز تي في ناو». و أطلقت شركة «بلومبيرغ» الأمريكية قناة للبزنس مع شركة «تي في غروب» الهندية. وأخيرا فإنه «مع وجود 28 مليون هندي مرتبطين بالانترنت أصبح الإعلام عبر الانترنت يمثل مليار جنيه إسترليني، ومع انتشار نظام البرود باند ستزيد حصة الدخل بمقدار50 بالمئة، طبقا لديباك كابور المدير التنفيذي لشركة «انترتينمينت أند ميديا». وأخيرا فقد قيل مرارا أنه في عصر الإنترنت والصحافة الإلكترونية، من الصعب تخيل إستمرارية ونجاح المجلات الإسبوعية والشهرية، خصوصا وأن الصحف اليومية باتت مهددة بالإنحسار والاختفاء. غير أن واقع الحال في الهند يقول كلاما مختلفا! فالمجلات هناك لا تزال صامدة ولها جمهورها، بل وتحقق أرباحا. وطبقا لتحقيق منشور أجراه الصحفي هيثر تيمونز لصالح صحفية «نيويورك تايمز»، فإن الهند باتت تشهد ظهور المزيد من المجلات الأجنبية المشهورة عالميا والتي اختار أصحابها هذه البلاد مكانا لطباعتها وتسويقها، مستفيدين من إقبال الأثرياء الهنود الجدد على المطبوعات الأجنبية الفاخرة في السنوات الأخيرة، ومن الحجم الضخم لسوق الإعلانات في الهند، ومن وجود كوادر مدربة وتجيد الإنجليزية وتعمل بأجور زهيدة، ومن القوانين التي تسمح لشركات المطبوعات الأجنبية بطباعة نسخ من مجلاتها المعروفة داخل الهند. وهكذا ظهرت نسخ هندية من «فوغ»، و«رولينغ ستون»، و«أوكيه»، و«هالو»، و«فورهم»، و«بيبول»، و«ماري كلير»، و«فورتشن» ، وهذه المجلات، كما هو معروف تجمع ما بين الموضوعات الجادة والخفيفة والدعائية وأخبار النميمة والموضة والسهرات الإجتماعية، وتستولي على حصة معتبرة من إعلانات شركات السلع الثمينة كالمجوهرات والساعات والعطور والأزياء. لذا فإن إعلانات هذه المجلات في الهند إرتفعت ، كما كان متوقعا، بنسبة 20 بالمئة في عام 2008 ، فوصلت إلى 300 مليون دولار، خصوصا مع تبنيها سياسة قائمة على التوجه تحديدا نحو المستهلك الهندي الثري عبر الإعلان عن منتجات متنوعة، بعضها شرقي صميم والبعض الآخر مصنوع في كبريات دور الأزياء ومصانع أدوات التجميل في الغرب. وإذا ما أتينا إلى موضوع ماهية فرص إستفادة العرب من النماذج الآسيوية في عوالم الميديا، فلاشك أن ما حققته آسيا، وتحديدا قطبيها الكبيرين الهندي والصيني، كبير ومثير ويشكل نموذجا للإقتداء. غير أن هذا الكلام قيل يوم أن حقق الغرب تقدمه وحينما نهضت اليابان من تحت ركام الحرب الكونية الثانية، من دون أن تستفيد المنطقة العربية منه قيد أنملة! وبعبارة أخرى ظلت المنطقة العربية متخلفة، تنام في سبات عميق، بل تتقهقر بحسب بعض المراقبين، فيما الآخرون يتقدمون حثيثا نحو العلا في مختلف المجالات. في رأيي المتواضع، إنه ليس شرطا لمن يسعى إلى الصعود أن يقتفي نموذجا معينا جاهزا، وإنما الشرط الأهم هو أن يهيء نفسه للتغيير والإنطلاق عبر عملية مجتمعية طويلة تشمل التركيز على التربية الجادة، والتعليم العصري، والفنون المختارة بعناية، والإهتمام بالبحث العلمي، والإنفاق عليه بسخاء، وتدريب عناصر وفئات المجتمع على الخلق والإبتكار والمبادرة، والإلتزام بالقانون والتفاني في العمل. هكذا فعلت اليابان ومن بعدها كوريا الجنوبية وتايوان وأخيرا الصين والهند، وكلها مجتمعات استثمرت في تقدمها منظوماتها الفكرية والثقافية الخاصة المتميزة والبعيدة عن التعصب والحساسية و الإتكالية والركون إلى الأساطير ونظريات المؤامرة وإلقاء تبعات الفشل على الآخر. ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن منظومة قيمنا الفكرية والثقافية سيئة ولا خير فيها لاستخدامها كمنطلق للصعود، غير أن المشكلة تكمن في استخدام كل ما تضمه هذه المنظومة من أفكار وعناصر جميلة كمجرد شعار لفظي لا يقترن عادة بالفعل. خذ مثلا قيمة «التأمل والمحاكاة وتفكيك الأشياء للتعرف على كنهها» وهي قيمة تقع في صلب الثقافة الآسيوية وتغرس في نفوس الناشئة منذ نعومة أظفارها، وكانت منطلقا لتقدم اليابان أولا ومن بعدها تايوان وهونغ كونغ والصين وأمم النمور الآسيوية الأخرى لأنها حفزت الأجيال المتعاقبة على تقليد المنتج القادم من الأمم المتقدمة قبل إضافة البصمات الآسيوية الخاصة عليها. هذه القيمة يقابلها في ثقافتنا العربية والإسلامية أسلوب الزجر لكل ناشىء يحاول الوصول إلى كنه الأشياء من خلال الأكثار من الأسئلة أو الجدل أو الشك، و أسلوب التعنيف والوصاية إن لجأ إلى علاج شغفه وحيرته بالتردد على المواقع والصحف الإلكترونية، ووسائل الإعلام التثقيفية الأخرى. ومن ناحية أخرى استخدمت الأمم الآسيوية في صعودها التنموي وسائط ووسائل الإعلام بذكاء بالغ، حيث استثمرت أدوات الثقافة (مثل المسرح والسينما والأدب) ووسائط الإعلام (مثل الراديو والتلفزيون والصحف والمجلات في إنجاز مهمات التغيير الهادفة إلى تحقيق التنمية، وفي تحفيز أفراد المجتمع على الإرتقاء بسلوكياتهم والسيطرة على نزعاتهم السلبية ومواكبة القيم الإنسانية المعاصرة. والأمم الآسيوية في هذا، إنما إنطلقت من النظرية القائلة بأن هناك علاقة متبادلة بين مقاييس النمو الاقتصادي ومقاييس النمو الإعلامي، بمعنى انه كلما زاد الدخل القومي للفرد والتحضر والتصنيع زاد أيضا تعلم القراءة والكتابة و معه توزيع الصحف و نمو التسهيلات الإذاعية و التلفزيونية و كل مقاييس المشاركة الأخرى. ويقول الباحث الهندي «ي.ف. راو» في هذا السياق «عندما يجئ الإعلام من الخارج إلى جماعة منعزلة فهو يضغط زناد التغيير. هذا الإعلام والمزايا الاقتصادية الناجمة عنه يفيد في البداية الأثرياء وأصحاب السلطان، لكن شيئا فشيئا تلحظ الجماهير التغييرات وتسأل الأسئلة، فإذا ما تيسرت قنوات الإعلام، فإن هذه الأسئلة تجد الجواب، و إذا تنوعت قنوات الاتصال واتسعت قاعدتها فان التغييرات الناتجة عن الأفكار الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية الزاحفة إلى الجماعة تكون يسيرة لا عسر و لا عنف فيها. أما إذا كانت قنوات الإعلام مقيدة تسيطر عليها القلة فالتغيير من العسير أن يحدث، بل يؤدي غالبا إلى المزيد من الخلافات والإنقسامات، ذلك أن مقدار الإعلام المتاح واتساع مداه عامل أساسي في تعجيل التنمية وتيسيرها».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها