النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

الإخوان يحظرون البحث عن الحقيقة

رابط مختصر
العدد 7697 الجمعة 7 مايو 2010 الموافق 22 جمادى الأولى1431هـ

قرأت اسم جمال البنا لأول مرة، ‏على غلاف كتاب صغير، ‏عنوانه ديمقراطية جديدة‏، ‏عثرت عليه‏ - ‏بعد‏ 7 ‏سنوات من صدوره لأول مرة عام‏ 1946 - ‏لدى أحد باعة الكتب القديمة‏، ‏فلفت نظري عنوانه، واجتذبني أسلوبه السلس البسيط، ‏وأفكاره التي بدت‏ - آنذاك‏ - جديدة ومختلفة عن الأفكار التي كانت شائعة عن المسألة الديمقراطية.‏ ولم أعرف إلا فيما بعد، ‏ومما كتبه جمال البنا نفسه، ‏أن الكتاب كان بداية التفكير في تأسيس حزب جديد، ‏باسم حزب العمل الوطني الاجتماعي، ‏لم يكن يضم سوى ثلاثين عضوا من الطلبة والعمال وصغار الموظفين، ‏من يفهم شيئا عن أهداف الحزب، ‏سوى جمال البنا وحده، ‏وبعد قليل من تأسيسه تحول الحزب إلى جمعية أدبية اجتماعية، ‏يقتصر نشاطها على ‏دعوة شخصيات أدبية وصحفية وفكرية، ‏كان من بينهم الصحفي المرموق آنذاك محمد حسنين هيكل، ‏لإلقاء المحاضرات في مقر الحزب، ‏الذي كان يشغل غرفة بالدور الأرضي من عمارة قديمة بميدان الخازندار، ‏تزدحم طوابقها العليا بورش لحرفيين يعملون في صناعة الجلود والحقائب والأحذية، وبغرف تشغلها مقار لنقابات عمالية. ‏كما فشل في أن يثير اهتمام الصحف بنشاطه، ‏إلا صحيفة واحدة، ‏صغيرة، ‏ومحدودة التوزيع مثله، ‏نشرت تحقيقا عن الحزب بعناوين زاعقة تقول حزب جديد لمناهضة الإخوان المسلمين يتزعمه شقيقه الشيخ حسن البنا.‏ وكان حسن البنا هو الذي تدخل لدى حكومة إسماعيل صدقي، ‏لكي تفرج عن جمال البنا وعدد من أعضاء حزب العمل الوطني الاجتماعي قبض عليهم وهم يوزعون منشورا ضد الاحتلال البريطاني، ‏وهو الذي اقترح على ‏شقيقه الأصغر أن يغير العمل الوطني الاجتماعي من حزب‏ إلى جماعة‏، ‏لكي يتوقوا شكوك أجهزة الأمن‏، ‏فحذفوا من برنامج الحزب كل ما يشير‏ إلى أن تولي الحكم من أساليبهم لتحقيق أهدافهم‏، ‏لكن ذلك لم يفسح الطريق أمام الجماعة‏، ‏إذ كان جمال البنا‏ - ‏كما يقول عن نفسه‏ - ‏منظرا بلا خبرة في التنظيم، ‏على ‏عكس شقيقه الأكبر، ‏الذي كان منظما موهوبا‏.. ‏شغله الاهتمام ببناء التنظيم عن أن يجد وقتا للتنظير.‏ وعلى ‏العكس من أشقائه الثلاثة الذين يكبرونه عبدالرحمن ومحمد وعبد الباسط‏.. ‏فقد كان جمال البنا هو الوحيد من بين أشقاء حسن البنا، ‏الذي لم ينضم‏ إلى جماعة الإخوان المسلمين أو يتعاطف على ‏الأقل معها، ‏أو يجذبه الانتشار الكبير الذي حققته خلال سنوات قليلة‏، ‏إذ كان حريصا على ‏أن يكون مختلفا‏، ‏واتخذ‏ - ‏كما يقول‏ - ‏موقفا مستقلا منذ طفولته، ‏اعتمد فيه على ‏نفسه، ‏ورفض أي التزامات أو ارتباطات تؤثر على ‏رؤيته للحقيقة، ‏بما في ذلك الالتزام بإتمام دراسته‏، ‏واختار أن يكرس كل وقته للقراءة والتفكير والبحث‏، ‏وألا يكتب رأيا أو يتخذ موقفا إلا إذا اقتنع بأنه الحقيقة التي يبحث عنها‏، ‏وكان ذلك هو ما دفعه لتشكيل حزب لا يزيد عدد أعضائه على ‏ثلاثين‏، ‏وليس لديه سوى مقر واحد في غرفة فقيرة‏، ‏بدلا من أن ينضم‏ إلى الجماعة التي يترأسها شقيقه‏، ‏والتي كانت تضم آنذاك‏ 1946 ‏- عشرات الآلاف من الأعضاء ومئات الشعب في كل أنحاء البلاد‏، ‏ولم يحل هذا التمايز في المواقف بين حسن البنا وبين إقرار شقيقه لحقه في الاستقلال برأيه، ‏ولم يفاتحه في الانضمام‏ إلى الإخوان إلا في مناسبتين عابرتين، ‏وبطريقة أقرب‏ إلى التلميح منها‏ إلى التصريح‏. ‏كما لم يحل بين الحكومة وبين اعتقال جمال البنا ضمن حملة الاعتقالات التي شملت النشطاء في جماعة الإخوان، ‏وكل أشقاء حسن البنا‏، ‏عقب صدور قرار حل جماعة الإخوان واغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، ‏وكان هذا الاعتقال هو الذي قضى نهائيا على ‏جماعة العمل الوطني الاجتماعي.‏ وما لبثت جماعة الإخوان المسلمين أن لحقت‏ - ‏عام‏ 1954 - ‏بـجماعة العمل الوطني الاجتماعي، ‏واختفى الاثنان من الساحة‏، ‏ليبرز اسم جمال البنا في الخمسينيات والستينيات كواحد من أبرز المهتمين والمتخصصين والنشطاء في مجال الحركة النقابية على ‏الصعيد المحلي والدولي، ‏وأتيح لي أن أقرأ كتبه ومقالاته ودراساته في هذا الشأن، ‏وكان ينشر كثيرا منها على ‏صفحات مجلة العمل‏، وكانت تصدر عن وزارة العمل، ‏وطاف بعواصم العالم‏، ‏يعمل ويقرأ ويتعلم، ‏ويكتب ويعلم‏.. ‏حريصا على ‏أن يظل كما اختار، ‏وألا يتخذ موقفا أو يبدي رأيا، ‏إلا إذا قاده‏ إليه بحثه عن الحقيقة، ‏واقتنع بأنه يحقق مصلحة عامة.‏ ومع عودته ليستقر في مصر، ‏أسس مكتبة عامة، ‏تضم المكتبات الخاصة لوالده، ‏وله ولأشقائه بما فيها مكتبة حسن البنا، ‏وأسس دارا للنشر، ‏تصدر مطبوعاتها تحت عنوان دعوة الإحياء الإسلامي يحاول من خلال إصداراتها‏ - ‏ومعظمها مما يكتبه هو نفسه‏ - ‏أن يستكمل الدور الذي حالت الظروف بين شقيقه الأكبر، ‏وبين القيام به، ‏حين انشغل بالتنظيم عن التنظير، ‏ولم يجد الوقت الكافي لكي يجدد الفقه الإسلامي‏، ‏وهي المهمة التي نهض بها جمال البنا‏، ‏لتثير اجتهاداته موجات من الإعجاب‏، ‏وعواصف من الهجوم‏، ‏وصلت‏ إلى حد البذاءة، ‏لكنه مضى في طريقه من دون أن يعنى ‏بشيء من ذلك‏، ‏فكل ما يعنيه أن يبحث عن الحقيقة‏، ‏وأن يذيعها‏، ‏رضي من رضي‏.. ‏وكره من كره.‏ آخر الكتب التي أصدرها جمال البنا هو كتاب من وثائق الإخوان المسلمين المجهولة في أربعة مجلدات و‏1800 ‏صفحة غير مجلدين آخرين تحت الطبع، ‏ويضم الكتاب الأوراق المتعلقة بجماعة الإخوان المسلمين، ‏التي كان يحتفظ بها شقيقاه حسن البنا‏، ‏وعبدالرحمن البنا، ‏وهي تشمل مخطوطات ووسائل ومذكرات وتقارير ومطبوعات عامة وداخلية، ‏معظمها لم يسبق نشره‏، ‏وبعضها الآخر سبق طبعه وتوزيعه بشكل عام، ‏لكن اختفى حتى من بين رفوف دار الكتب المصرية، ‏بعد أن تحول‏ إلى دليل اتهام في القضايا العديدة التي اتهم فيها أعضاء الجماعة، ‏منذ العام‏ 1948، ‏وقدم جمال البنا لكل وثيقة‏، ‏بكلمات تعرف بالظروف المحيطة بإصدارها‏، ‏وببعض ما لفت نظره حين قرأها.‏ وبهذه المجلدات الأربعة‏، ‏وثائق بالغة الندرة‏، ‏وبالغة الأهمية‏، ‏توقفت أمام اثنتين منها‏، ‏تضم الأولى ملخصا لوقائع اجتماع لمكتب الإرشاد برئاسة المرشد حسن البنا‏، ‏عقد في‏ 9 ‏مارس‏ 1946، ‏أثناء الخلاف الداخلي الحاد الذي نشب آنذاك داخل قيادة الجماعة، ‏بسبب ما نسب‏ إلى سكرتيرها العام وصهر المرشد عبدالحكيم عابدين، ‏وتضم الثانية مضبطة لاجتماع الهيئة التأسيسية في‏ 20 ‏سبتمبر‏ 1952، ‏التي دار فيها نقاش حاد حول خلافة الجماعة بمجلس قيادة ثورة يوليو‏ 1952، ‏والجهة التي لها حق الاتصال بقادة الثورة، ‏من بين هيئات وقيادات الجماعة‏، ‏وفي الوثيقتين معلومات مهمة، ‏حول الموضوعين اللذين دار حولهما الحوار أو الخلاف‏.‏ ما أدهشني أن جماعة الإخوان، ‏قد حذرت أعضاءها من قراءة الكتاب، ‏ودعتهم‏ إلى عدم فتح أي حوار بشأن الوثائق التي يتضمنها، ‏بدعوى أن هذا نبش في الماضي، ‏لا يجوز لهم أن يشغلوا أنفسهم به، ‏وكأن قيادة الجماعة لا تريد لأعضائها أن يتعرفوا على ‏تاريخها، ‏أو يقيموا ما قد تكون قد وقعت فيه من أخطاء‏، ‏حتى يسهموا في تصويبها ويحولوا دون العودة‏ إليها‏، ‏وربما كان هذا هو السبب الذي دفع جمال البنا لكي يستقل بموقفه وبرأيه‏، ‏وأن يواصل مسيرته بحثا عن الحقيقة‏، ‏وهو الذي دفعه لنشر هذه الوثائق‏، ‏لكي تكون أداة للبحث عن هذه الحقيقة التي يصر الإخوان على ‏حظر البحث عنها أو فيها.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها