النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11378 الثلاثاء 2 يونيو 2020 الموافق 10 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:56PM

كتاب الايام

عصاري المكتبة العامة (5-5)

رابط مختصر
العدد 7696 الخميس 6 مايو 2010 الموافق 21 جمادى الأولى1431هـ

عندما تأسست المكتبة العامة عام 1946م لم يكن في بال مؤسسيها بأن يكون لها هذه الشعبية الضخمة عند الناس. بل لم يكن في ذهن احد أنها ستكون منارة ثقافية وأنها ستكون احدى أولى المكتبات العامة ليس في البحرين وحدها بل في منطقة الخليج كلها. فقد كانت بداية المكتبة مجرد مكتبة خاصة لطلبة كلية الثانوية بالمنامة و لا تحتوي إلا على 2500 كتاب فقط، ثم تحولت بعد سنوات قليلة إلى مكتبة عامة، وفتح فيما بعد قسم للنساء، وحتى الستينيات كان ذلك مستغربا في البحرين حيث كان الاختلاط بين الرجال والنساء موجودا في السينما والمسرح والندوات وغيرها، لكن تلك تبدو من القضايا التي يتركها التاريخ غامضة لكثير من الوقت! كان هذا هو الغموض الوحيد في المكتبة التي كانت تجعل بعض الطلبة ينتظرون الفتيات من قسم النساء ويغازلونهن بكلمات حب من أشعار نزار قباني وغيره، بل انني كثيرا ما رأيت قراء يتحدثون مع الفتيات الخارجات لتوهن من المكتبة حول رواية نجيب محفوظ الجديدة أو حول رومانسية إحسان عبدالقدوس، هكذا بكل براءة وجمال. أتذكر أن صديقا لنا وكان جريئا جدا راح يغازل فتاة فور خروجها من المكتبة وأوصلها إلى بيتها، وكان يحكي لها هي وصديقاتها اللواتي كن يمشين معها طوال الطريق حكايات مضحكة وتسالي وغزلا بسيطا، وكان الصديق والبنات جميعهم يحملون كتبا مستعارة من المكتبة، وفي النهاية قال لها: هل لي أن اعرف ما هو الكتاب الذي استعرتيه؟ فردت وهي تبتسم: رواية لاحسان عبدالقدوس! بعدها ضجت البنات من الضحك عندما رأينا صديقنا يقذف بكتابه على الأرض وينادي بصوت عال: يا ليتني إحسان وأبي عبدالقدوس أيضا! وفي الواقع لم تكن مكتبة المنامة مكانا للثقافة والكتب ورائحتها، بل كنت كثيرا ما اعتبرها مكانا للحياة، بكل براءتها وأحلامها وحتى أوهامها! كان برنامجي وبرنامج بعض أصدقاء تلك الفترة الجميلة مثل «حسين النهاش» و«محمد الدلال» وغيرهما بسيطا للغاية. فالذهاب إلى المكتبة يبدأ أحيانا من الثالثة والنصف ظهرا في عز الحر وكثرة العرق. ومن ثم اختيار طاولة لقراءة الجرائد والمجلات الجديدة، وبعد أن نشبع من الجرائد نبدأ رحلة البحث عن الكتب التي نريدها من روايات ودواوين. بعد أن نحصل على ما نريد نقلب في الكتاب ونرى إذا كان سوف يعجبنا وهل عندنا استعداد لقراءته أم لا؟ فإذا وجدناه معقولا أخذناه معنا، وإذا لم يكن كذلك استعرنا غيره. كنا نخرج من المكتبة عند ساعة المغرب وتكون الشمس وقتها قد غربت والحر خف وتحسن الجو عموما. ولذلك كثيرا ما اعتبرنا الخروج من المكتبة في تلك الساعة نزهة ما بعدها نزهة. فعلى بعد أمتار قليلة كان هناك شارع الزبارة المشهور باسم «شارع الحمرا» على أساس انه كان شارعا يعج بكل شيء جميل ويشبه الشارع المعروف في بيروت. فأكثر دور السينما موجودة في الشارع وأجمل المطاعم كذلك، علاوة على بعض الأندية مثل «نادي العروبة» و«النادي الأهلي» وبعض الأندية الأجنبية. وكان كل ذلك بالنسبة لنا كأنه «عيد متنقل» كما يقول ارنست همنجواي. وهكذا كنا بنقودنا القليلة نشتري سندوتش شاورما ونتمشى في الشارع، أما إذا كانت عندنا بعض النقود فندخل بها السينما ثم نتعشى في البيت! لا ينتهي هذا «العيد المتنقل» إلا ونكون قد شبعنا ثقافة وضحكا وسعادة وبراءة. وفي الثامنة نصل إلى البيت، وعند التاسعة «يحين موعد نومك يا فريد» أو يا خالد كما كانوا يدرسوننا في كتب الابتدائية! لم يكن هذا جدولا يوميا ولكنه شبه يومي. فإذا لم يكن هناك «عيد» فالقراءة هي عيدنا. فأتذكر أننا نقرأ في الصباح الباكر عند السابعة أحيانا وما بعدها، وفي الليل عندما ينام الجميع فلا شيء وقتها يحضن أحلامنا وسعادتنا إلا الكتاب.. كتاب المكتبة العامة الذي لم نرتوِ منه بعد!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها