النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10878 الأحد 20 يناير 2019 الموافق 14 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

من يصنع الديكتاتور؟

رابط مختصر
العدد 7688 | الاربعاء 28 أبريل 2010 الموافق 13 جمادى الأولى1431هـ

هذا عنوان لكتاب صدر عام 2008م للروائي والباحث العراقي سلام عبود، يتناول حياة الرئيس العراقي صدام حسين والعوامل المكونة لشخصيته بدءاً من طفولته ، مروراً بوصوله إلى السلطة وانتهاءً باعدامه صبيحة عيد الأضحى لعام 2006م، يبدأ الكتاب بمقدمة تاريخية اجتماعية فريدة عن طبيعة الشخصية العراقية والتي تصنف بأنها شخصية خلافية ومزدوجة وهو التصنيف الذي أشاعه عالم الاجتماع العراقي د. الوردي تبعاً لرأي الجاحظ في كتابه (البيان و التبيين) يرى د. الوردي أن تصارع قيم البداوة والزراعة في نفسية الشخص العراقي أو الصدام بين المجتمع الزراعي والمجتمع الصحراوي بسبب الطوق الصحراوي القاري المحيط هو الذي أوجد هذا الازدواج المتمثل في (العنف الشديد و الخضوع الشديد للقوة)، يرى المؤلف أن الوردي خلط بين التشخيص و التفسير، إذ لا خلاف على ازدواج الشخصية لكن تفسير ذلك بالعامل البيئي المتمثل بالطوق الصحراوي ،غير مقبول علمياً، و يرى اعادة النظر في هذا العامل من زاوية أخرى ( سياسية – اجتماعية) باعتبار وجود عاملين تاريخيين أساسيين لعبا دوراً ملحوظاً في تكوين الشخصية العراقية، هما: 1- توالي الحضارات المركزية وما رافقه من إلغاء ثقافي متطرف وهدم لكافة الرموز السياسية والمعتقدات واللغة. 2- شدة ضغوط المحيط الخارجي و بخاصة في فترات الضعف التي مرت بها الممالك العراقية حيث كانت القوى العالمية الثلاث: الفارسية والرومانية والبيزنطية تمثل تكوينات ثقافية عرقية دينية ضاغطة على البيئة العراقية، يفسر المؤلف بهذين العاملين، الميل إلى العنف في المجتمع العراقي إلى الحد الذي يكاد أن يكون جزءاً من بنية ثقافية، ويرى أن هذا الميل لا يزول إلا بكسر دورة انتاجه، أي بتدمير الأسس العامة المنتجة له: الإقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويذكر قصة تاريخية مشهورة وهي أن رجلاً جاء يسأل إبن عباس عن حكم نجاسة البعوضة أو جواز قتل الذبابة في المسجد؟ فقل له: من أي بلاد أنت؟ فقال: من العراق. فرد عليه: عجبت لكم أهل العراق، تقتلون الحسين وتستفتون في دم الذبابة! من خلال هذا التناقض يفسر المؤلف بعض الحوادث السياسية مثل اتفاقية الجزائر مع الشاه و غزو المحمرة ، غزو الكويت و الإنسحاب الذليل منها، حملات الأنفال وشدة قمع المعارضة و الإنهيار المريب أمام الإحتلال الأمريكي. منابع الديكتاتورية: في هذا الفصل يطرح المؤلف عدة تساؤلات: هل الديكتاتورية قدر أم حالة تاريخية؟ هل الديكتاتورية نزعة فردية نفسية أم حالة اجتماعية سياسية؟ خلافاً لما هو شائع من أن الديكتاتورية نقيض الحكم الديمقراطي، يرى الباحث أن وظيفة الديكتاتور كانت شكلاً من أشكال ممارسة السلطة في النظم القديمة، فقد أختير أول ديكتاتور في روما عام 501 ق.م و اختار الشعب ماكسيموس ديكتاتوراً إبان حرب هانيبعل عام 211ق.م كحاكم شرعي، فالديكتاتور كان مجرد ممثل للحكم لفترة خاصة، يتم فيها تركيز السلطة بيد فرد أو جماعة بهدف مواجهة خطر عظيم، ومن هذا المنطلق كان ظهور وصعود هتلر، في نظر البورجوازيات الأوروبية، شأنأ استثنائياً عالمياً وداخلياً في مواجهة الأزمة الألمانية الداخلية واشتداد نضال الجماعات اليسارية وتنامي قوة الإتحاد السوفياتي في الخارج، وكذلك الأمر مع فرانكو الذي قام بذبح الجمهورية الإسبانية على مرأى أوروبا الديمقراطية. هل يخلق الديكتاتور نفسه بنفسه؟ هل النزوع إلى الديكتاتورية صفة نفسية، وراثية، أو اجتماعية؟ أم هو محض مصادفة يخلقها عدد من الوقائع المترابطة، يتحقق باجتماعها عنصر الطغيان؟ يتحدث المؤلف – هنا - عن نظريتين: الأولى: ترى أن الاستبداد الشرقي يرجع إلى عوامل تاريخية موغلة في القدم، وخلف هذه العوامل توجد أسباب مادية، وعقلية، فدجلة والفرات والنيل ويانغ تسي كيانغ تطبع حياة الشرقي بطابع الكلية، وهي التي كانت وراء فكرة الإله الواحد الأعلى، وليس فقط الحاكم الواحد الأعظم، وتنشر بعض المراجع الأوروبية، الديكتاتورية على رقعة جغرافية واسعة تشمل العالم عدا شمال و غرب أوروبا، التي لا تنتج الديكتاتورية في نظر هذه المراجع، وهي نظرية يؤيدها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، صاحب كتاب (روح القوانين) والذي رأى أن سبب تخلف الشعوب الإسلامية يعود إلى البيئة و المناخ، فهي بيئة جافة وصحراوية أو شبه صحراوية ولا تساعد بالتالي على التفتح العقلي أو التسامح الديني أو الاستنارة الفكرية وانما هي بيئة مناسبة تماماً لإنتشار الأفكار الأصولية المتعصبة والإستبداد السياسي، أما البيئة الأوروبية فهي معتدلة وباردة وذات أمطار غزيرة وتربة جيدة للزراعة وبالتالي هي مناسبة للحكم الديمقراطي والتسامح الديني والتقدم العالمي، ينتقد المؤلف هذا الرأي ويقول أن الوقائع التاريخية لا تؤيده، إذ لا تنحصر الديكتاتورية في رقعة محددة، فقد عاش الإنجليز تجربة الديكتاتورية خلال حكم كرومويل ( 1599-1658) الذي توج نفسه حاكماً مستبداً ضد إرادة البرلمان على إثر حرب أهلية، وشهدت بولندا ولتوانيا ويوغسلافيا وألمانيا وإيطاليا واليونان وأسبانيا والبرتغال أنواعاً متعددة من الديكتاتوريات، ويضيف هاشم صالح: إذا كان كلام مونتسكيو صحيحاً، فلماذا ساد الإستبداد الأصولي طيلة عدة قرون في فرنسا ولم يسقط إلا بعد انتصار التنوير الفكري واندلاع الثورة الفرنسية؟ وبالتالي فهانك عوامل أحرى غير المناخ تلعب دورها. النظرية الثانية: تحاول رد المشروع العنفي الرجعي، بما في ذلك الإستبداد الديكتاتوري إلى عوامل سياسية تاريخية متراكمة وليس عوامل جغرافية ونفسية فحسب، فكتاب (قرن كامل من أجل اللاشئ) حول البحث عن الراهن العربي من خلال متابعة عوامل موت مشروع النهضة العربية، مهد الكتاب لظهور السؤال الأكثر حيوية: كيف أنتج مشروع النهضة العربية أشخاصاً من نوع: بن لادن و الظواهري و صدام حسين؟! طبقاً لهاشم صالح. بعد هذه المقدمة الطويلة، يطرح المؤلف تساؤله العميق: من صنع الديكتاتور صدام: طفولته أم حزبه؟ يحدد المؤلف 3 عوامل مهمة ساهمت في تكوين شخصية صدام الإستبدادية، هي: 1- الطفولة البائسة: يستخلص المؤلف من الكتب التي تناولت طفولة صدام في رعاية خاله طلفاح نتيجة هامة، هي أن صدام كان ديكتاتوراً جاهز الصنع منذ الطفولة، انها كانت طفولة معقدة وبائسة وشديدة القسوة فقد صورت هذه الكتب صدام طفلاً شريراً يتسلى بتسخين قضبان حديدية يبقر بها بطون الحيوانات، ولا يتوانى عن وضع الأفاعي في جيوب المتعلمين، هكذا قال عنه أصدقاء الطفولة المقربون وكانوا شاهدين على أعماله اليومية الصغيرة: النشل، السرقة، الإعتداء وصولاً إلى أول عملية اطلاق نار ثم أول عملية قتل فعلية وهي قتل الحاج سعدون الناصري أحد القياديين الشيوعيين في تكريت بتكليف من خاله طلفاح. 2- المشروع البعثي العراقي: الطفولة القاسية وحدها لا تفسر ديكتاتورية صدام ما لم تجد تربتها الملائمة التي تزدهر فيها، وهي المشروع البعثي العراقي والذي يعد هو العامل الحاسم في جعل هذا الطفل المنبوذ البائس، ظالماً، عظيم الطغيان، يؤكد الباحث أن صدام أضحى ديكتاتوراً من خلال مشروع البعث الدموي والذي وجد فيه صدام الإطار السياسي والعقلي والاجتماعي الملائم، إن ديكتاتورية صدام حالها كحال ديكتاتورية هتلر، جزء من مشروع سياسي، وما من سبيل إلى درء مجئ ديكتاتور مماثل، ما لم يتم ردم المنبع السياسي الذي يولد منه الديكتاتور القادم. 3- البيئة السياسية والقانونية والاجتماعية المجوزة للطغيان: إذا كان العمران لا يتحقق إلا بالاجتماع فإن الطغيان لا يتحقق أيضاً إلا بالمعاونة، وأكثر طغاة العرب شذوذاً كالحجاج، لم يكن مشروعاً فردياً للطغيان بل كان سفاحاً يمثل بطريقته الخاصة سياسية محددة في ظروف تاريخية محددة، فلم يكن ممكناً في زمن الخلفاء الراشدين ظهور حجاج يقوم بذبح جماعات واسعة من أبناء الأمة علناً وذلك بسبب السلطة الدينية والمدنية المانعة، وبالنسبة لصدام فإلى جانب العوامل السياسية والاجتماعية، يحتاج طغيان مثل طغيانه إلى جيش كبير من المعاونين ميتي الضمير، ينتهي المؤلف إلى القول: بأن صناعة الديكتاتور وثقافة العنف، عملية اجتماعية لا يصنعها الديكتاتور بنفسه بل يقوم بها جيش لجب من الوشاة والمادحين والسياسيين النفعيين والكتاب ميتي الضمير، ولهذا السبب فليس الحاكم الفاسد وحده من يفسد رعيته بل أن الرعية الفاسدة قد تقوم بعملية افساد الحاكم أيضاً، و في ظروف العراق كان الإفساد عملية متبادلة بين الديكتاتور و جيش المزوريين من دعاة ثقافة الحرب و العنف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها