النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

دروس الإمام مالك

رابط مختصر
العدد 7687 | الثلاثاء 27 أبريل 2010 الموافق 12جمادى الأولى1431هـ

حينما كلّف أبوجعفر المنصور الإمام مالك بتأليف أوّل كتاب للفقه قال له: تجنّب فيه شدائد عبدالله بن عمر ورخص عبدالله بن عباس وشواذّ عبدالله بن مسعود. ولم يجد الإمام الأعظم أيّ غضاضة فيما قاله خليفة المسلمين بشأن هؤلاء الصحابة الكبار، ولم يعتبره انتقاصاً من قدرهم ولا تقليلاً من شأنهم. فهو يعلم أنّ آراء الصحابة والأحكام التي كانوا يصدرونها ويفتون الناس بها هي ليست الدين وليست الرسالة السماوية التي أنزلها الله على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما هي تصوّراتهم للدّين واجتهاداتهم التي تحتمل القبول والرفض والأخذ والردّ والتعديل والنقد. وحينما أتمّ الإمام مالك تأليف كتابه العظيم «الموطّأ» ووضعه بين يدي أبي جعفر المنصور، قال له الخليفة: لنجعل هذا الكتاب ملزماً لجميع المسلمين في الأمصار، فلا يشذّون عن أحكامه، ويكون الفيصل في جميع العبادات والمعاملات. ولكن الإمام الأعظم الذي كان يعدّ أعلم الناس في ذلك الحين رفض ذلك، قائلاً: قد يكون بين الناس من اطّلع على أمور لم نطّلع عليها. لقد أعطى الإمام مالك درسين مهمّين من الدروس التي يجب أن يستوعبها طلبة العلم حالياً ومشايخهم. أوّل هذه الدروس أنّ هناك فرقاً بين الرسالة السماوية ومبادئها الثابتة وغاياتها الأساسية ومقاصدها العليا، وما بين أقوال الصحابة في الشؤون الدينية التي هي جملة تصوّراتهم حول الدين، وأفعالهم التي هي بمثابة الممارسات التاريخية التي تحاول قدر الإمكان بلوغ مقاصد الشريعة وهي غير منزّهة عن الخطأ أو التقصير، خصوصاً في ظلّ اختلاف الظروف وتبدّل الأحوال. أما الدرس الآخر فهو فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وتقبّل تجاوز الأحكام المسبقة إذا تبيّن للناس خلاف ما ساروا عليه وما تقيّدوا به في الفترات السابقة، حتى يكون الفقه متجدّداً دائماً، ومتوافقاً مع الحركة التاريخية والاجتماعية لكلّ مجتمع، وهذا ما تنبّه إليه الصحابي الجليل عبادة بن قرط رضي الله عنه حين قال للتابعين: «إنكم لتأتون أشياء هي أدقّ في أعينكم من الشعر كنّا نعدّها على عهد رسول الله من الموبقات»، وهو ما لم يستوعبه كثير من الفقهاء والمشايخ وطلبة العلم في عصرنا هذا. أتى الفقهاء بعد الإمام مالك. بعضهم اتبع نهجه والبعض الآخر ضيّق عليه الناس السعة التي أتاحها الإسلام والتي أشار إليها الإمام وسار عليها في كتابه الموطّأ وفي مصنّفاته الأخرى. واعتبر الفقهاء بعده أقوال الصحابة جميعاً وأفعالهم أحكاماً دينية ملزمة، يستوي في ذلك من رافق منهم الرسول عليه الصلاة والسلام في حلّه وترحاله، ومن لم يشاهد الرسول سوى مرّة واحدة في حجّة الوداع، بحيث أصبحت الرؤية هذه مؤهِّلة له لكي تكون تصوّراته وآراؤه واجتهاداته وتأويلاته كالأحكام الربّانية النازلة من سابع سماء. لقد أنكر الصحابة أنفسهم أن يأخذ الناس من الصحابة بعض المرويات التي يروونها عن الرسول عليه الصلاة والسلام، في إشارة واضحة إلى أنّ الصحابة رضوان الله عليهم لا تشفع لهم أفضليتهم وصحبتهم للرسول في أن يكونوا منزّهين عن الخطأ والقصور في الآراء والتصورات. فقد أنكرت عائشة رضي الله عنها رواية أبي هريرة عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «الطيرة في الدار والمرأة والفرس»، إذ غضبت وطارت شقة منها في الأرض وشقة في السماء وقالت: والذي نزّل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله عليه الصلاة والسلام قط وإنما قال: كان أهل الجاهلية يتطيّرون من ذلك. كما أنكر الصحابة أفعال بعضهم، ووصل الخلاف بينهم حدّ القتال في بعض الأحيان، وكلّ ذلك بسبب اختلاف الاجتهادات وتعدّد الرؤى وتنوّع التحليلات. لقد أنكر أبو ذرّ الغفاري رضي الله عنه على عثمان تهاونه أثناء خلافته مع المسلمين الذين يدّخرون أموالهم في بيوتهم، معتبراً أنهم هم المعنيّون بقول الله تعالى: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم». ولقد وصل الاختلاف إلى الحدّ الذي دعا عثمان إلى نفي أبي ذرّ إلى منطقة الربدة لكي لا يُفسد على مجتمع المدينة أمرهم. وما الخلاف الذي حدث بين علي بن أبي طالب وعائشة رضي الله عنهما والقتال الذي نشب بين فريقيهما والذي أُزهقت فيه أرواح المسلمين إلا نتيجة الاختلاف في الرؤى والتصوّرات والاجتهادات، من غير أن يُنزل ذلك من مقدار أيّ منهما. فلا نملك للصحابة رضوان الله عليهم غير الحبّ والاحترام، وغير الدعاء لهم بالرضوان نظير ما قدّموه للإسلام من تضحيات وإسهامات ستبقى خالدة إلى أبد الآبدين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها