النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الإدارة.. ثقافة وفضاء تراكمي

رابط مختصر
العدد 7686 | الاثنين 26 أبريل 2010 الموافق 11جمادى الأولى1431هـ

لو رجعنا سنوات للوراء وتركت العيون تتجول في التاريخ الإنساني من أجل بناء صورة محاولات الإنسان الحثيثة لاستقراء «الرشد والمنطق والمعقولية « في إدارة أفعاله وأزماته، لوجد نفسه محاصراً بالعجز وغير قادرة على تحديد نقطة بداية فهمه للنسق والمنهج الذي يحققه في صنع وعمل الأشياء التي تبقيه بعيداً عن الفاقة والاندثار. ظل الإنسان فترات طويلة عبداً لتفسيرات بدائية وجزئية نتيجة غياب القياس والتسجيل اللذين يمثلان أساس جميع الدراسات العلمية. ولم تعط بذور «الفكر الإداري» أكلها كمادة علمية يمكن تعليمها وتعلمها، بمبادئها ونظرياتها، إلا في الثلاثينيات من القرن العشرين، نتيجة كتابات فردريك تايلور وهنري فيول. هذه الدراسات التي مهد لها آدم سميث بآرائه في (ثروة الأمم 1776) وتشارلز باباج في (اقتصاد الآلات والمنتجين 1832) تمثيلاً لا حصراًً. شكلت هذه البداية تدفقاً هائلاً من الدراسات الإدارية، باحثة عن سبلاً قادرة في تفسير وفهم البنية والثقافة المؤسسية والتكنولوجيا والأنظمة التي يمكن أن تحمل الكفاءة وتعزز البقاء والتنافسية في عصر اتسمت أحداثه الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والسياسية بسرعة الحركة والتعقيد وتشابك الأجزاء. وأضحى السعي اللحوح نحو الكفاءة في استخدام الموارد الاقتصادية النادرة والبقاء في ساحة المنافسة، يؤكد أهمية الحاجة إلى إزالة طرق وأساليب الممارسات الإدارية العاجزة عن تقليل الهدر والاستغلال الأمثل للطاقات الإنسانية والثروات الطبيعية والبيئية أو حتى البحث عن نظرية جديدة تشكل منارة تضيء فك الرموز والطلاسم وفتح النوافذ لمواجهة التحديات المستجدة التي أخذت شكلاً متعاظماً لموجات تصادمية في هذه الفترة الحرجة الناتجة من الأزمة المالية والاقتصادية الحالية التي تتساقط من جرائها الشركات والمصارف الكبرى أو تتعثر بسببها (الأزمة) سياسات الدول في مختلف بقع المعمورة. لقد سرقت المؤسسات اليابانية الأضواء وسبق التفوق والتميز في الأداء في فترة الستينات من القرن الماضي، واستخدم مفهوم «الإدارة» كأداة في تفسير الازدهار الاقتصادي وانشغل أهل العلم والممارسة في محاولات تفكيك عناصر تلك الظاهرة (التفوق والتميز) وتسارعوا إلى ساحة البحث والنقاش، واختلف الرأي بهذه التجربة؛ إلا أن أغلبهم لم يقتنع بإمكانية تطبيقها بعيداً عن الثقافة التي ترعرعت فيها، ودون المساس ببعض مكوناتها تعديلاً أو تكيفاً من أجل زرعها في مؤسسات خارج اليابان. وأضحى تفريق العناصر المرتبطة بالثقافة عن تلك القابلة للتطبيق على نطاق عالمي في المؤسسات دون مساس، أمر ضروري وشرط أساسي في عمليات النقل والتوطين كدليل اعتراف بنسبية الأسلوب الإداري والتنظيم اللذين يشكلان رافداً واحداً من التنظيم الأعم الذي يكون النسيج الاجتماعي. ولاشك يكمن خلف هذا التفوق والتميز سر غير ظاهر للعيان، متمثل في الإبداع الذي تولد من رحم سياق اجتماعي، عمل على تسخير بيئة تعليمية وبحثية، ووفر جوا ومناخا ملائمين للإنسان حيث إن العقل البشري ليس كبقية مظاهر الطبيعة التي تخضع للنواميس الفيزيائية البحتة، بل أن الوسط البيئي والظروف الاجتماعية تساهم في ارتقائه وإبداعاته، حتى لو كان هذا الارتقاء لولبياً تتخلله العثرات والطفرات. لقد استطاعت اليابان في بدء انطلاقتها معرفة اللحظة الحاسمة والذروة في حسن الأداء واغتنام الفرص، إلا أن هذه الانطلاقة التي أجزلت في العطاء، لم تستطع درء شر وحوش وضواري تباطؤ النمو الاقتصادي الذي أخذ يزحف على التفوق والتميز، وشرعت نبضات الاقتصاد بعدم الانتظام والاختلال. إن فعالية الاستفادة من الأساليب أو الأنماط الإدارية المراد غرسها في أي ثقافة مؤسسية، تظل رهينة مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي والإنساني في المجتمع وقبوله المرتبط عضوياً بالمصالح والمنافع التي تقود عجلة أفراده وعلاقات القوة بينها حيث تكشف الخبرة العملية يومياً عمق المشاكل التي تعرقل النقل أو التوطين لتلك الأساليب أو الأنماط الآتية من ثقافة أخرى، والتي تعتبر متغيرا خارجيا في النسق الإداري السائد. لذا ينتصب التحدي أمام وكلاء التغيير في القدرة على توظيف «الإرث» الإداري السابق كذاكرة يمكن استغلالها، خدمة للنمط الإداري الجديد، نظراً لصعوبة عزل تلك الذاكرة كلياً في لحظة التغيير، بل لأبد من إعطاء النمط الجديد الوقت ليزدهر ويعطي ثماره مواجهاً التحديات وصعاب المقاومة، لأنه يشكل جزء من عمل وفكر الإنسان والمجموعة أي فضاء مفتوح وتراكمي بلا نهاية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها