النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

عند البعض نفايات وعند البعض الآخر مناجم للذهب

رابط مختصر
العدد 7685 | الاحد 25 أبريل 2010 الموافق 10 جمادى الأولى1431هـ

يمكن القول أن العالم لم يمر في كل تاريخه بمرحلة كهذه التي نعيشها اليوم، سواء لجهة ظهور المخترعات والإكتشافات الجديدة المفيدة للبشرية، أو لجهة تسارع عملية تطوير وتحديث الموجود منها كي تعمل بفاعلية أكبر أو بطاقة أقل أو بشغل حيز أصغر. ومعنى هذا أنه لا يمر عام إلا ويصبح الغريب والمبهر مما في متناولنا حاليا من أجهزة وآليات ووسائل تكنولوجية، قديم ويجب إحلاله بالجديد الأكثر تطورا. وهذا بدوره يحدث تراكما هائلا في صورة جبال من الأجهزة العتيقة، أو ما أصطلح على تسميته بإسم «النفايات الإلكترونية» الخطيرة على صحة الإنسان وسلامته، والمسببة للسرطان وأمراض الجهاز التنفسي ،إن لم يتخلص منها بالطرق الصحيحة. في الماضي كانت تلك النفايات محصورة في مصابيح الإضاءة المعطبة، أو البطاريات منتهية الصلاحية، أو زيوت السيارات وإطاراتها المستهلكة، أو العبوات الزجاجية والبلاستيكية الفارغة أو أشرطة الأفلام البالية. غير أننا نجد أنفسنا اليوم أمام تحد من نوع آخر هو كيفية التخلص من أطنان من أجهزة الكومبيوتر والتلفزة والتسجيل والهواتف النقالة والأقراص المدمجة والصحون اللاقطة للفضائيات، وذلك بسبب ما تطرحه وتسوقه الدول المتقدمة كل عام من أجهزة أكثر حداثة وتطويرا من سابقاتها، أو أسهل نقلا، أوأصغر حجما. وبطبيعة الحال، فإن هذا التحدي سوف يتضاعف في المستقبل القريب بفضل التطورات الجارية في علم «النانو تكنولوجي». بعض الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة واليابان وتايوان وألمانيا أوجدت حلولا لهذه المشكلة، فأصبحت «النفايات الإلكترونية» بالنسبة لها عبارة عن مواد خام يمكن إعادة تصنيعها وتدويرها وبالتالي مصدرا جديدا من مصادر الدخل. لكن الوضع مختلف تماما في مجتمعات الدول النامية، التي يكاد الوعي البيئي والصحي فيها منعدما تقريبا إلى الحد الذي لم يسمع معها مواطنوها بعد بمصطلح «النفايات الإلكترونية» وأضرارها،. في هذا المقال سنركز تحديدا على التجربة التايوانية في التعاطي مع هذه المشكلة، وهي تجربة مستمدة من التجربة اليابانية، وذلك من خلال الحديث عن شخصية رائدة في هذا المجال هي «وو ياو صن» صاحب مؤسسة «سوبر دراغون». هذه المؤسسة التي تعتبر اليوم من أضخم مؤسسات تدوير «النفايات الإلكترونية»، كونها استطاعت في عام 2008 وحده من استخراج ما يزيد عن 46 ألف كيلوغرام من المعادن من بطون الأجهزة الإلكترونية التي تخلى عنها اصحابها، فكونت من تلك الكمية وحدها ثروة بلغت 127 مليون دولار أمريكي. لقد اكتشف الرجل وغيره من التايوانيين أنهم ليسوا إزاء جبل من النفايات، وإنما أمام «منجم من الذهب»، وهو المصطلح الذي بات يطلق على المواد التي يمكن استخراجها من الأجهزة الإلكترونية العتيقة أو المعطوبة، ولا سيما الرقائق المعدنية والفضية ونترات الذهب، والبوتاسيوم والمنغنيز و البالاديوم والسيانيد وغيرها، مما يمكن بقليل من الجهد والتخطيط والمال استخدامها في إنتاج أجهزة جديدة. يقول «وو صن» الذي انتقل من البؤس والفاقة إلى واحد من أغنى أغنياء تايوان خلال أقل من ثلاثة عقود، بفضل دخوله مجال تدوير «النفايات الإلكترونية» في مقابلة صحفية أجريت معه مؤخرا:«لقد كنت معدما تماما في صغري، فامتهنت وأنا لا أزال في مرحلة التعليم الإبتدائي مهنة جمع الزجاجات الفارغة من الحقول وبراميل القمامة». و يضيف: «إضطررت من أجل تحسين مستواي المعيشي أن أهاجر من مسقط رأسي في مدينة «تيكسي» إلى العاصمة «تايبيه». وفي الأخيرة اشتغلت في مهن عديدة. فمن عامل في محل للمجوهرات، إلى سائق تاكسي، فإلى مالك لإحدى المطاعم الصغيرة، فمستثمر في إحدى شركات صناعة البلاستيك». أما النقلة الكبرى في حياته فقد حدثت - حسبما قال - في عام 1987 حينما كان في سن الخامسة والثلاثين، حيث أسس شركة صناعية لتدوير النفايات بمدخراته ومدخرات زوجته التي لم تكن كافية وقتذاك لشراء آلات جديدة، الأمر الذي جعله مضطرا لإستخدام الآلات المستعملة في البداية. لم يكن المال وحده هو العقبة في هذا المنعطف الهام من حياته، وإنما واجهته، كما يروي، عقبة توفير الأيدي العاملة وتوظيفها. «كان الجميع يخشى العمل في مثل هذه المصانع بسبب وجود وعي لديهم حول خطورة النفايات الإلكترونية على صحتهم. علاوة على ذلك، كان الكثيرون ينظرون إلى العمل في مصانع تدوير النفايات كعمل حقير مشابه لعمل من ينبشون القبور». في ظل تلك التحديات اعتمد «وو صن» وزوجته على نفسيهما في إدارة مصنعمها وتشغيله. ورغم ما كابداه من عناء ومشقة، فإنهما لم يتوقفا قط، وظلا يعملان لعقد متواصل من الزمن، قبل أن يحققا بعض الأرباح ويبنيا جسورا من العلاقات مع بعض المصانع المماثلة في اليابان. يقول «ووصن»: «لم تكن في تايوان في التسعينات التقنيات المطلوبة لتحويل النفايات الإلكترونية إلى مواد أو سلع يمكن إعادة استخدامها، لذا كنت أجمع تلك النفايات وأقوم بتصديرها لليابانيين الذين كانوا أقدر منا على تحويلها إلى أشياء نافعة وجني الأرباح الكبيرة من ورائها. لكني لم أفقد الأمل في الحلول مكانهم، فطلبت المساعدة التكنولوجية من «معهد أبحاث تكنولوجيات التصنيع» التابع للحكومة التايوانية، لكن الأخير – بسبب تبعيته للدولة، وبيروقراطيته الجامدة، وتركيزه على الإعتبارات الربحية – لم يقدم المساعدة المطلوبة، مما دفعني إلى استيراد الآلات والخبرات من ألمانيا واليابان، علاوة على تأسيس معهد تابع لشركتي من أجل تطوير مهارات العمل وتقديم الإستشارات الضرورية». بعد ذلك وجه «ووصن» أنظاره نحو تأسيس فرع ضمن شركته مختص بالتعاطي مع النفايات غير الإلكترونية، وعلى الأخص العبوات الزجاجية الفارغة والمواد الصمغية. حيث وجدوا حلا لها يدر مداخيل معتبرة، وهو تحويلها إلى مسحوق ناعم قابل للإستعمال في صناعة طوب البناء. وهذا الأسلوب لئن كان مكلفا، فإنه الأمثل من الناحية البيئية. واليوم بفضل تجربة «وو صن» المثيرة، إنتشرت مصانع تدوير النفايات الإلكترونية وغير الإلكترونية في كل تايوان حتى تجاوز عددها الرقم 1000 ، من بعد أن كان عددها لا يتجاوز خمسة مصانع في الثمانينات. ويعود الفضل في نمو مثل هذه المصانع إلى مبادرة الدولة بتأسيس ما يعرف بإسم «الصندوق الحكومي لدعم عمليات إعادة التدوير». من جهة أخرى، وطبقا لإحصائيات إدارة حماية البيئة في تايوان، فإن الأخيرة، باتت اليوم تعيد تدوير نصف إجمالي نفاياتها الإلكترونية، وبنسبة تفوق المتوسط العالمي بحوالي 15 – 30 بالمئة. هذا على الرغم من أن ظاهرة جمع النفايات الإلكترونية في هذا البلد، هي ظاهرة جديدة عمرها نحو عقد من الزمن فقط. أما الأمر الذي بات يقلق مضجع «وو صن» فليس منافسة المصانع الأخرى لمصنعه، وإنما عدم وجود منحى جدي لدى المستثمرين التايوانيين للإستثمار في تصنيع وتطوير الآلات اللازمة للقيام بعمليات التدوير وإعادة التصنيع. ولعل بسبب هذه المشكلة ينحو الكثيرون ممن دخلوا هذا المجال نحو جمع النفايات الإلكترونية وشرائها بقصد بيعها وتحقيق بعض الفوائد الضئيلة من ورائها ، دونما استشعار بمخاطر تلك العملية والمتمثلة في قيام المشتري بإزالة ما يحتاجه من الجهاز الإلكتروني، ثم دفن الباقي في الأرض أو إحراقه في الهواء أو إغراقه في مياه البحار والإنهار. وهذه كلها، بطبيعة الحال، أعمال تندرج ضمن أعمال تخريب البيئة و الإعتداء عليها. إلى ذلك اشتكى «وو صن» في مقابلته الصحفية من الحظر الذي تفرضه الحكومة التايوانية على شركات البلاد العاملة في مجال تدوير النفايات الإلكترونية لجهة إستيراد تلك النفايات من الخارج بقصد إعادة تصنيعها، حتى وإن كانت عبارة عن مخلفات لأجهزة إلكترونية صدرتها تايوان نفسها إلى الخارج، قائلا: «لا أفهم كيف أن الصين تسمح لشركاتها البتروكيميائية بإستيراد النفط الخام لتصفيته وتحويله إلى منتجات متنوعة، بينما يحظر علينا إستيراد ما صدرناه من أجهزة إلكترونية كي نستخلص منها المواد الخام التي وضعناها بها».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها