النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عرائس الموت بين «الشرع» والطبّ

رابط مختصر
العدد 7680 | الثلاثاء 20 أبريل 2010 الموافق 5 جمادى الأولى 1431هـ

قبل أيام قليلة ماتت الطفلة اليمنية إلهام العشي ذات الثلاث عشرة سنة نتيجة تهتّك أعضائها التناسلية وإصابتها بنزيف مميت بعد زواج دام أربعة أيام، انتقلت بعده من عشّ الزوجيّة إلى المقبرة. وقال الأطباء حينها أنّ الزواج في هذه السنّ المبكّرة يعرّض الأطفال للضرر الكبير المفضي إلى الموت. وقبل أشهر معدودات ماتت الطفلة اليمنية فوزية حمودي ذات الاثني عشر ربيعاً أثناء ولادتها المتعسّرة، وماتت معها طفلتها. وقال الأطباء حينها أنّ أجهزة الإنجاب لديها لم يكتمل نموّها ولم تكن مهيّأة للحمل ولا للولادة، وبذلك ترافقت الطفلتان: الأم والمولودة إلى مثواهما الأخير في جنازة يلفّها العار ويكتنفها التواطؤ. وقبل سنة تقريباً لاذت الطفلة اليمنية نجود ذات الأعوام الثماني بالفرار من زوجها الذي يكبرها بعشرين عاماً بعد أن لقيت في فراش الزوجية ما لم تكن تعرفه طفلة في الصفّ الثاني الابتدائي. ولجأت إلى القضاء الذي أنصفها وحكم بإرجاعها إلى مدرستها وإلى طفولتها المسروقة. وحينها قال الأطباء النفسيّون أنّ الطفلة التي يُفرض عليها الزواج في هذه السنّ المبكرة تتشكّل لديها عقدة نفسية تلازمها طوال حياتها ويتولّد لديها نفور من الرجال وعزوف عن الزواج. أطباء الأطفال وأطباء الحمل والولادة والأطباء النفسيون جميعهم مجمعون على أنّ زواج الأطفال يعرّضهم للخطر والضرر ويؤدّي بهم إلى التهلكة، وفي أقلّ الأحوال يترك لديهم أضراراً نفسية جسيمة تلازمهم طوال حياتهم. أما “علماء الشرع” فهم مختلفون في هذه المسألة، فبينما يرى الشيخ عبد المجيد الزنداني أنّ تحديد سنّ الزواج تحريم لما أحلّه الله وأنّ الدعوة إلى ذلك جزء من مؤامرة هدفها تقويض الدين وهدم دعائمه، يرى الشيخ يوسف القرضاوي أنّ زواج الصغيرات وإن كان مباحاً في السابق إلا أنّه لم يعد مقبولاً في العصر الحاضر، مشيراً إلى أنّ من الواجب تعليم الفتيات وحصولهنّ على الثانوية العامّة على الأقل قبل الزواج، لأنّ زواج الصغيرات يعرّضهنّ للإيذاء والعنف الجسدي من قبل الأزواج. اختلاف علماء الشرع في هذه المسألة لم يكن رحمة أبداً، فهل من الرحمة أن يقف بعض علماء الشرع مع موت الصغيرات وتعرّضهنّ للأذى النفسي والجسدي؟ وهل الإسلام الذي نزل ليشيع العدل والرحمة وليحفظ حقوق الصغار والكبار والرجال والنساء يفتح الأبواب أمام تعذيب الأطفال باسم الزواج واستعبادهم باسم الشرع؟ أليس تزويج الصغيرات نوعاً من العبودية التي جاء الإسلام ليحاربها؟ قضية زواج الصغيرات أو ما يسمّى اليوم بـ«عرائس الموت” يفتح الباب واسعاً أمام مناقشة الإفتاء والتخصّص، وما إذا كان المستحقّ للفتيا في مسائل زواج الصغيرات مثلاً هو الطبيب أم شيخ الدين؟ ظهرت قبل مسألة زواج الصغيرات مسألة ختان الإناث، فأفتى كثير من شيوخ الدين باستحبابها وأفتى الأطباء بمنعها لأنها تعرّض حياة البنات للخطر. مات كثير من الفتيات بسبب فتوى المشايخ، وما زالوا مصرّين على فتواهم رغم الأدلة الطبية التي تبيّن ضررها. الله سبحانه وتعالى قال: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، وقد أوضح المفسّرون أنّ المقصود بأهل الذكر هم أهل العلم والتخصص. وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، وإذا كانت الأمور الطبية هي من أمور الدنيا فإنّ الأطباء هم أهل الذكر وهم الأولى بالسؤال وهم الأحق بالفتيا في المسائل التي تمسّ تخصصهم، وعلى المجتمع الأخذ بفتوى الطبيب في ذلك ولو أفتى بها ألف شيخ. ومن الواضح أنّ كثيراً من شيوخ الدين والمفتين صاروا يستفيدون من الخلط الحاصل بين مسائل الدنيا ومسائل الدين ويعقدون للمسائل الدنيوية خيوطاً وهمية تربطها بالسماء لكي يكونوا هم الأحق بالحديث عنها، وليكونوا هم المتسيّدين للفتيا، ولكي لا يُسحب من تحت أقدامهم بساط “السلطة الاجتماعية” التي اكتسبوها من جهل العامّة وحسن نواياهم، لأنّه لو لجأ كلّ سائل إلى المتخصص في مجال سؤاله، لخسر شيوخ الدين والمفتون جماهيريتهم. القضية تفتح النقاش أيضاً حول مسألة العادات الاجتماعية التي تحوّلت إلى تعاليم ربانية، وضرورة تبيان الفرق بينهما للعامّة حتى لا تشتعل كثيرٌ من المعارك باسم الله وهي لا تعدو أن تكون عادات اجتماعية تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان. ففي قضية عرائس الموت رأينا من المشايخ من ينبري للهجوم على الداعين إلى تحديد سنّ الزواج معتبرينهم مخالفين لما أنزله الله وما جاء به الإسلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا