النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

هل جوهر الخلاف هو على الصلاحيات والمشاركة في القرار؟

رابط مختصر
العدد 7675 الخميس 15 أبريل 2010

تموج بلداننا بالصراعات والاحتقانات الاجتماعية والسياسية وتنامي تيارات العنف والإقصاء المنفلتة. وربما ما نراه ظاهرا على سطح الاحداث يشير إلى أن جوهر الخلاف هو على الصلاحيات ومساحة المشاركة في القرار، أو على الأقل، هذا ما تقوله معظم الخطابات المعلنة للقوى السياسية المختلفة التي تصنف نفسها بالكتلة المعارضة لسياسات النخب الحاكمة. ولكن حقيقة واقعنا المعاش تؤكد أن الخلاف أكبر وأعمق بكثير من مجرد خلاف على حجم الصلاحيات أو مدى اتساع أو ضيق مساحة المشاركة في القرار. فالخلاف في حقيقته هو على التوجهات الكبرى للدولة والمجتمع. حيث انه من الواضح أن شعوبنا لا يوحدها إجماع وطني، وذلك بسبب تضارب التوجهات والخيارات الكبرى لقياداتنا السياسية والدينية. فإلى هذه اللحظة مثلا لم نحسم أمرنا وخلافنا حول طبيعة وماهية الدولة التي نريدها. حيث يريدها القوميون دولة قومية بالدرجة الأولى، بمعنى أن تكون مصلحة الأمة العربية مقدمة على مصلحة الدولة القطرية. ويريدها الإسلاميون أن تكون دولة إسلامية تضع مصلحة الأمة الإسلامية الشاسعة والمتباينة فوق مصلحتها الوطنية. بل حتى الإسلاميون أنفسهم منقسمون إلى فرق ومذاهب وقوى دينية وسياسية متناحرة، لكل واحدة منها مرجعيتها الدينية وتصوراتها الخاصة لماهية الدولة التي تطمح إلى حكمها. وبالمثل يريدها الليبراليون أن تكون دولة ليبرالية تضع مصلحتها الوطنية فوق كل اعتبار.. دولة حرة لا مكان فيها للقوى المتشددة الساعية إلى السلطة بهدف سن قوانين وتشريعات من شأنها مصادرة حريات الكل (باستثناء حريات عناصرها وحريات من يوالونها) وفرض وصايتها ومرئياتها الإقصائية على سائر الأفراد والقوى والتنظيمات داخل المجتمع. علاوة على ما أسلفناه، فإنه لا يتوفر إجماع واضح وقوي وملموس داخل النخب الحاكمة في دولنا حول توجهات الدولة ومستقبلها وشكل علاقة رموزها بمؤسسات الدولة وقوانينها، الأمر الذي يعطي للقوى التي أتينا على ذكرها -ولا سيما قوى الإسلام السياسي- فرصة لاختراق تلك النخب، وبالتالي السعي لتحقيق أهدافها المعلنة والمبطنة. وسط كل هذه الإشكاليات الفكرية والانقسامات الاجتماعية الهائلة ذات الانعكاسات السالبة على حياتنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا الصاعدة، نطرح بعض الأسئلة التي طالما بحثنا لها عن إجابة حاسمة ولم نجد: لقد مضى علينا نحن العرب أكثر من قرنين منذ اكتشافنا لمعالم الحضارة الحديثة واتصالنا بها، لكننا منذ ذلك التاريخ ومحاولاتنا لتحديث ذواتنا وأوطاننا -للحاق بركب الحضارة- لا تحقق نجاحا، كي لا نقول إنها تواجه فشلا ذريعا! ودليلنا هو أننا مازلنا إلى اليوم ندور ونبحث عن حلول لنفس الإشكالات التي واجهتنا منذ مطلع القرن الماضي، بل ونكرر كالبلهاء الأسئلة ذاتها وفي المقدمة منها السؤال التاريخي العتيد «لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب؟!» لذا نقول: هل سيكون الحل السحري لكل إشكالاتنا الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية هو زيادة صلاحيات المجالس المنتخبة وتوسيع مساحة المشاركة في اتخاذ القرار؟ وكيف يمكن أن يتحقق ذلك في ظل غياب الإجماع الوطني على طبيعة الدولة ودورها وعلاقتها بالدين وبالفرق الدينية المتناحرة وبمستقبل الدولة الوطنية؟ وهل المطلوب أن نسلم بلداننا ومقدراتنا ومستقبلنا إلى الأصوليات الدينية المتعطشة لصولجان السلطة والحكم على النحو الذي يطرحه البعض «دع القوى الدينية تجرب حظها وتحكم وتفشل في الحكم وإدارة الدولة»؟ أم أن علينا أن نتوافق على إجماع وطني يكون جوهره هو تحويل الدولة وأجهزتها إلى أدوات محايدة ومجرد وسائل للإدارة وتقديم الخدمات، بمعنى إبعادها عن صراعاتنا الفكرية والسياسية واختلافاتنا الدينية والمذهبية مع كل ما يتطلبه ذلك من تنازلات مؤلمة لا نعتقد أن باستطاعتنا تقديمها في المدى الزمني المنظور؟ في هذا السياق لا يجب أن تغيب عن بالنا تجارب حية لبعض الدول العربية الخليجية، كدولة الكويت الشقيقة، التي اختارت رسميا السير على سكة العملية الديمقراطية والدستور العقدي منذ عام 1962. بل التي تولت أسرتها الحاكمة السلطة تاريخيا بموجب توافق داخلي ما بين فئات المجتمع. وما يهمنا التركيز عليه في المثال الكويتي هو أنه على الرغم من كل الضمانات والآليات التي حددها دستور 1962 للمشاركة الشعبية والرقابة على السلطة التنفيذية، إلا أنه ومنذ 1976 بات مسار العملية الديمقراطية يتعرض لتقلبات عاصفة أدت بدورها إلى جمود أو توقف عملية التنمية والتحديث والعصرنة التي انطلقت في الكويت منذ الاستقلال. والأخطر من ذلك أنه مع صعود تيارات الاسلام السياسي، سجلت التجربة الكويتية تراجعات حتى على صعيد الحريات الاجتماعية والفردية اللصيقة بالإنسان وخياراته الشخصية. وهكذا، وبناء على كل ما تقدم ذكره، وعلى وجه الخصوص الدروس المستفادة من التجربة الكويتية، يحق لنا أن نقول إن إشكالاتنا أبعد وأعمق بكثير من مجرد اختزالها في إشكالية دستورية تتمثل في نقص صلاحيات المجالس المنتخبة أو الآليات الديمقراطية والرقابية الناقصة. على انه لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أنه تأييد لأي شكل من أشكال التسلط والديكتاتورية، وإنما مجرد دعوة صادقة من أجل البحث عن الأسباب الحقيقية الحائلة دون ولوجنا إلى عملية تنموية اجتماعية مستدامة تحقق الخير للجميع، أي على النحو الذي تم تحقيقه من قبل العديد من الأمم التي بدأت عملية التنمية والتحديث بعدنا بعقود طويلة، بل التي لم تتح لها أيضا موارد طبيعية بالكميات والأحجام المتاحة لدينا. وسيبقى السؤال الحائر: أين الخلل يا ترى؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها