النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10878 الأحد 20 يناير 2019 الموافق 14 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

الرهان على «البطل القومي»

رابط مختصر
العدد 7674 الاربعاء 4 أبريل 2010

عندما أجاب الرئيس مبارك خلال المؤتمر الصحفي بألمانيا على سؤال الصحفية الألمانية عما إذا كانت مصر تعامل (البرادعي) كبطل قومي، (بقوله هو مرحب به في انتخابات الرئاسة ومصر ليست بحاجة إلى بطل قومي لأن الشعب هو البطل القومي)، فإنه لمس وتراً عاطفياً كامناً في أعماق نفسية قطاعات جماهرية ونخب ثقافية وسياسية لازالت تراهن على البطل صاحب المشروع القومي الذي يقودها لتحقيق الانتصارات والعزة والكرامة ويخلصها من المعاناة والإحباط ويصلح الأوضاع، يبدو أن هذا الحلم قد راود خيال د. محمد البرادعي بعد انتهاء فترة رئاسته للوكالة الدولية للطاقة الذرية وعودته إلى بلاده بعد غياب 30 عاماً، عاش البرادعي في مقره الهانئ بفينا خالي البال لا يشغل نفسه بقضية الإصلاح السياسي بمصر ولم تكن فكرة ترشيح نفسه للرئاسه تخطر بباله وكان قد أعلن أنه سيتفرغ لحياته ولكتاباته بعد تقاعده، هو دبلوماسي عريق وليس له تاريخ نضالي ولكن ما لم يكن متوقعاً حصل إذ رأت فيه شخصيات مصرية الشخص المناسب لخوض انتخابات الرئاسة المصرية (2011) فهو شخصية دولية مشهورة وحائز على نوبل للسلام ورجل قانون، وكان مركز ابن خلدون طرح اسمه مرشحاً للرئاسة ( يناير 2004) وتلاه هيكل مقترحاً اسمه ضمن (لجنة الحكماء) المؤهلة للتغيير السياسي بمصر، لكن الرجل رفض الفكرة في البداية ثم تردد ثم أخذ يقلبها فراقته: لما لا يكون الرجل المنشود الذي يحقق التغيير في مصر؟! فقرر أن يقبل بشروط منها: تشكيل لجنه قومية مستقلة للانتخابات وإشراف قضائي كامل، ورقابة دولية، ودستور جديد أساسه (الدين لله والوطن للجميع) وقال (إذا قررت الترشيح لهذا المنصب الرفيع – الذي لم اسع اليه – فسيكون ذلك إذا رأت الغالبية من الشعب بمختلف انتماءاته أن ذلك سيصب في مصلحة الوطن) يريد أن يكون رئيساً يتفق عليه الجميع ثم أكد (أنه سيرشح نفسه فقط إذا التحم الشعب حوله) وتلقى عرضاً من حزب الوفد لتولي زعامته كما تمنت الأحزاب المصرية أن ينضم إليها تمهيداً للترشيح كما يقضي الدستور لكنه فاجأ الجميع وقال: إنه لم يترشح من الأحزاب المصرية لأنها مجرد (ديكورات) وطرح نفسه بديلاً ثالثاً بين النظام الحاكم والمعارضة ونزل إلى الشارع مباشرة – بالبراشوت كما يقول ناقدوه – متجاوزاً الأحزاب والمؤسسات القائمة، لا يريد أن يكون طرفاً من أطراف اللعبة فهو يرفض قواعدها ولا يقبل بشروطها، بدأ البرادعي أول وصوله مصر بلقاء للقوة السياسية في منزله (23 -2) وأعلن تأسيس (الجمعية الوطنية للتغيير) داعياً المصريين للانضمام إليها من أجل تعديل الدستور وإجراء الإصلاحات، والتف حوله رجال مختلفو المشارب والأهواء لا يجمعهم إلا (مناوءة النظام ورفض التوريث) منهم حسن نافعه صاحب حركة (ميحكمش) وأيمن نور صاحب (كفاية) والصحفي الناصري حمدي قنديل والمستشار محمود الخضيري الذي استقال من القضاء ليعمل بالسياسية وحمدين الصباحي صاحب (الكرامة) والشاعر الناشط عبدالرحمن يوسف القرضاوي المنسق للحملة الشعبية لترشيح البرادعي عبر (الفيس بوك) واستهل البرادعي أولى جولاته الشعبية في محافظات مصر بزيارة لمدينة المنصورة حيث أدى صلاة الجمعة والتف حوله أنصاره هاتفين (التغيير التغيير) (لو ترزي الدستور ابليس.. مش هنآ يد التوريث) وزار البرادعي الامام الحسين وادى الصلاة هناك وقام بجولة في الخان الخليلي مما دفع معارضوه للقول (الدعاية السياسية مكانها الأحزاب والصحف والفضائيات وليس دور العبادة) الآن: ما هي وسائل أو أسلحة البرادعي في معركة التغيير السياسي ؟ 1- الفيس بوك : وضع أنصار البرادعي على صفحة (البرادعي رئيساً) رسماً بيانياً يوضح ازدياد اعداد مؤيديه من الشباب حتى وصل إلى المليون شاب لذلك يرى البعض أن شعبية البرادعي آتية من عالم افتراضي حيث تتخذ من المواقع الإلكترونية مكاناً لها بهدف حشد أكبر قدر من التأييد الظاهرة له – شعبية الإنترنت – 2- التوقيعات والتوكيلات: دعا البرادعي المصريين للتوقيع وقال في مؤتمر جماهيري في مسقط رأسه – سمنود – ( نحن في انتظار أن يصل عدد الموقعين على بيان الجمعية إلى الملايين حتى نتحرك بشكل مختلف سلمياً) وانتقده خصومه بأنه لا توجد دولة في العالم تعتمد (ديمقراطية التوكيلات) 3- المسيرات السلمية: يهدف البرادعي إلى نزول أكبر عدد ممكن من الناس إلى الشارع وعندما سئل إذا كان أنصاره سيخرجون في مظاهرات، قال (الناس يتحدثون عن كل شيء وربما اعلنوا عصياناً مدنياً إذا لم يحدث التغيير) وقد أرادت حركة ( 6 ابريل ) تنظيم مسيرة بمشاركة أنصار البرادعي للدعوة إلى انهاء حالة الطوارئ وتعديل الدستور المصري: المواد 76 الخاصة بطريقة انتخاب رئيس الجمهورية و 77 الخاصة بتحديد مدة الرئاسة و 88 الخاصة بالإشراف على الانتخابات ولكن قوات الأمن تصدت لهم واعتقلت بعضهم ثم افرج عنهم، لكنهم عادوا يؤكدون عن تراجعهم عن مطالبهم وقال حمدي قنديل المتحدث باسم الجمعية (انتظروا منا المفاجآت وسنواصل تحركاتنا بأشكال تربك حسابات الحكومة) 4- الاعتماد على الشباب: يقول البرادعي ( إذا كانت مصر ستتغير فإنها ستتغير من خلال الشباب) 5- الاعتماد على وسائل الإعلام المستقلة والتي احتفت بالبرادعي كثيراً 6 - زيارة المساجد والكنائس استهل جولاته بزيارة دور العبادة وهاجمه بعضهم بقوله: البرادعي لم يفكر طيلة 40 عاماً أن يزور مسجداً أو كنيسة فلماذا الآن؟ وبعد: ان (ظاهرة البرادعي تطرح عدداً من التساؤلات منها: ما الذي أغرى هذا السبعيني ترك نعيم أوروبا لوجع الرأس السياسي؟! ما الذي حفز هذا الذي قضى عمره في الدبلوماسية ولم يذكر له أي نشاط سياسي من قبل للتصدي لمعضلة التغيير الديمقراطي؟! نحن لا نشكك في دوافعه الإصلاحية ولا نياته المخلصة ولا أهدافه النبيلة ولكن ما هي الدوافع والمحفزات الغلابة التي تجعل انساناً لا يعمل في المجال السياسي الخالص لينغمس فيه؟ إنه إلهام خفي يأتيه فيزين له أن يقدم على هذا العمل، فهو الشخص المنتظر والناس بحاجة اليه والوطن يريده ثم يتصور أن التخلي عن الاستجابة لنداء الوطن والجماهير تخلياً عن المسؤولية الوطنية. ومن ناحية أخرى، علينا أن نتساءل ما هذا الفراغ السياسي الذي يدفع الناس للمراهنة على شخص وتعليق الآمال عليه في التغيير والإصلاح؟! لماذا المراهنة على الفرد؟ لماذا لا يعمل الناس على تغيير واقعهم بأنفسهم؟ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولن يستطيع الفرد مهما أوتي من حكمة وقوة و(كاريزمة) أن يغير شيئاً إذا كانت البيئة المحيطة مانعة، هذا قانون اجتماعي صارم بل ان النتائج ستكون محبطة وتجارب التاريخ تقول إن المراهنات الشديدة على دور الفرد البطل تفسده وفرعون ما فرعنه إلا الملأ حوله فاستخف بهم فأطاعوه! كيف يصدق هؤلاء الذين التفوا حول البرادعي بأنه الرجل الموعود بتحقيق حلم الثورة (الخضراء) وإعادة أمجاد عبدالناصر كمال ذهب إلى ذلك كما غبريال مؤلف الكتاب؟! دعونا الآن نتأمل ماذا يقول الخصوم والناقدون عن دعوة البرادعي للتغيير؟ يجمع هؤلاء على أن ما يدعو إليه البرادعي وما طرحه، سبق طرحه طوال السنوات الماضية من قبل الإصلاحيين المصريين والأحزاب وليس به أي جديد ولكن المشكلة الحقيقية أن الجماهير منشغلة بلقمة العيش اليومي ولا تلقي بالاً لتلك الدعوات والأحزاب والتنظيمات في واد والجماهير في واد آخر وحتى عندما يتم تنظيم مسيرة ندر أن يزيد عن عدد المتظاهرين عن بعض مئات سرعان ما تتبدد تحت وطأه القبضة الأمنية، الأحزاب والحركات المصرية ومنها 24 حزباً شرعياً، ليست لها قواعد شعبية ماعدا الحزب الحاكم والإخوان والنقد الآخر الموجه للبرادعي يتمثل في أنه لا خبرة سياسية لديه ولا يعرف طبيعة الخريطة السياسية في مصر بسبب ابتعاده عن البلاد مدة طويلة وهو بانقماسه اليوم في العمل السياسي ستتكشف له أموراً كانت غائبة عنه. في تصوري ان أخطر ما في القضية (فكرة البطل القومي) يريد البرادعي أن يكون زعيماً شعبياً فهو يتجاوز الأحزاب والمؤسسات القائمة إلى الشارع مباشرة، وفكرة الزعيم الشعبي هي أخطر ما يهدد مستقبل أي بلد لأنه يرى نفسه فوق الجميع وفوق المؤسسات فهو يستمد شرعيته من الشعب مباشرة ويتصور أن قراره قرار الشعب وهو إذا أراد شيئاً خطب في الشعب وشحنهم واستثارهم فانقادوا له ورحم الله عبدالناصر كيف انقاد الناس له فكانت النتائج كارثية، الرئيس الذي يأتي خارج المؤسسات ويتجاوزها يستبد بها، يجب تفكيك أسطورة الزعيم البطل وتوعية الجماهير بخطورتها، الزعيم البطل سيلغي دور الشعوب ويعطل فاعليتها لأنه القائد الضرورة المجسد لآمال وتطلعات الجماهير، نحن نعلم أن التعليق بالبطل المنقذ له عمق تاريخي في النفسية والثقافة العربية بدءاً من صلاح الدين مروراً بعبدالناصر وانتهاء بالمهدي المنتظر ولكن هذا التعلق والانتظار هما من أكبر معوقات النهوض، لأنه هذا المنتظر لن يأتي أبداً ولأنه إذا أتى حلت الكوارث.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها