النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الكلب والحمار.. والمرأة!

رابط مختصر
العدد 7673 الثلاثاء 13 أبريل 2010

بذل علماء الحديث الأوائل جهداً كبيراً في جمع الأحاديث النبوية ووضع المصنّفات الخاصّة بها، وقد اضطرّوا إلى السفر في الأمصار وتحمّل مشقّته وتعبه بغرض الالتقاء بمن يروي لهم الحديث والحديثين. لقد كانوا يقطعون آلاف الكيلومترات على البغال والجمال، ولم يكن لهم من همٍّ سوى أن يحتفظوا بالإرث النبوي ويكونوا أقرب من عصره الذهبي. لم يبدأ تدوين الحديث النبوي إلا في عهد الخليفة عمر بن العزيز. فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام ينهى عن تدوين الحديث، وعلى هذا النهج سار الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كانوا يعنّفون من يرونه يدوّن الحديث. إلا أنّ عمر بن عبد العزيز أراد أن يحتفظ بهذا الإرث قبل وفاة الحفظة، بعد أن مرّ على وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ما يقارب القرن. ولخشيتهم من اختلاط الأحاديث الثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام بالأحاديث المختلقة، عمد علماء الحديث إلى وضع الشروط والقواعد لقبول الحديث النبوي، فوضعوا علم مصطلح الحديث الذي يصنّف الأحاديث النبوية ويقسّمها إلى أحاديث صحيحة وحسنة وضعيفة وموضوعة، وفي موازاة ذلك وضعوا علم الجرح والتعديل وهو العلم الذي يستعرض رواة الأحاديث ومدى أهليتهم للقيام بهذه المهمة الجليلة ومدى صدقهم وحفظهم ودقّتهم في النقل والرواية. ولقد انصبّ جهد علماء السنّة الأوائل في التحقّق من سند الحديث لا متنه. فكلّ همهم هو أن يتأكدوا من أنّ رواة الأحاديث كلّهم من الثقات الذين لم يعرف الناس عنهم اختلاقاً أو كذباً أو تحايلاً. ولكنهم لم يكونوا يبذلون مثل هذا الجهد للتحقّق من متن الحديث، ومدى موافقته للقرآن الكريم وغايات الإسلام الأساسية. وحين وضع الإمام الشافعي أصول الفقه، جعل الحديث النبويّ المصدر الرئيسي الثاني من مصادر التشريع، وأصلاً من الأصول الراسخة للفقه، دون أن يفرّق ما بين ما صدر عن الرسول عليه الصلاة بوصفه رسولاً موكلاً من الله بتبليغ رسالته إلى الناس، وما بين ما صدر عنه بوصفه بشراً تتصف الأفعال والأقوال والآراء الصادرة عنه بالحكمة البالغة ولكنها ليست منزّهة عن الخطأ. وأمام هذا الوضع، كان من الطبيعي أن تصدر في الفقه الإسلامي آراء غريبة وأحكام مستهجنة ويتمّ نسبة أصلها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن الطبيعي أيضاً أن تجد هذه الأحكام دفاعاً مستميتاً من “طلبة العلم” الذين لا يدركون أنّ هذه الأحاديث حتى لو كانت مروية في كتب الصحاح فإنها ليست بالضرورة ثابتة عن النبيّ. ومن يتصفّح كتب الأحاديث النبوية – لا سيما الصحاح – يجد أحاديث لا ينبغي نسبتها إلى الرسول ولا يمكن أن تصدر عنه. منها الحديث الوارد في صحيح البخاري، والذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: “الكلب والحمار والمرأة تقطع الصلاة إذا مرّت أمام المؤمن فاصلة بينه وبين القبلة”. ومنها ذلك الحديث الوارد في صحيح البخاري أيضاً والذي يقول الرسول عليه الصلاة والسلام فيه: “سوء الحظ يوجد في ثلاثة أشياء: البيت والمرأة والفرس”. فهل يُعقل أن يصدر هذا الكلام من رسول الأنام الذي أوكله الله بتبيلغ رسالته للبشرية جمعاء، والذي أعلى من شأن المرأة ومنحها حقوقها المسلوبة؟ ويروي الشيخ محمد الغزالي في كتابه “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” أنّ الشيخ ناصر الدين الألباني قال بصحّة الحديث المنسوب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام “لحم البقر داء”. ويعلق الغزالي على ذلك قائلاً: “.. وكلّ متدبّر للقرآن يدرك أنّ الحديث لا قيمة له مهما كان سنده”. أما فهمي هويدي فينقل عن الشيخ محمد محمود الصواف حديثاً منسوباً للرسول عليه الصلاة والسلام حول البعث والنشور ضمّه إلى كتابه “القيامة رأي العين” واستهلك إحدى عشرة صفحة كاملة، وهو حجم قياسي – كما يقول هويدي – فقد يقبل في القرآن الذي دوّن في زمانه وكان له حفاظه المعروفون، ولكنه لا يقبل في السنّة التي لم تدوّن، وبذل الفقهاء جهداً ضخماً لضبط كيفية التثبّت من صحة نصوصها. ويعلّق الصواف على هذا الحديث قائلاً: “هذا الحديث بطوله وتفصيله وأسلوبه بعيد أن يصدر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبخاصة أنه تضمّن مقاطع من القول أسقطناها لبعدها عن الدين وخلق الرسول. وليس يشفع له ولا يغري بقبوله كثرة رواته ولا تعدّد طرقه”. وفي خضمّ الندوات والفعاليات والمؤتمرات التي تعقد هذه الأيام للحديث حول تجديد الخطاب الديني، نحتاج لدعوة صريحة إلى مراجعة متون الأحاديث النبوية الشريفة، فما وجدناه موافقاً للقرآن الكريم ولغايات الإسلام الرئيسية أبقيناه، وما رأيناه بعيداً عن ذلك، وملحقاً الضرر بالإسلام وبرسالته الخالدة استبعدناه ولو كان مروياً في كتب الصحاح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها