النسخة الورقية
العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

في بيت عائلة سراج الدين باشا

رابط مختصر
العدد 7669الجمعة 9 أبريل 2010

ربما كان اسم المؤلفة سامية سراج الدين، ‏وغلاف الكتاب الذي يحمل صورة لمكان أعرفه تماما، ‏هو القصر الذي كان يسكن فيه فؤاد سراج الدين باشا‏ - ‏رئيس حزب الوفد الجديد بحي جاردن سيتي بالقاهرة، ‏هو الذي دفعني للبحث عن رواية بيت العائلة، ‏التي كتبت بالإنجليزية، ‏وصدرت ترجمتها العربية عن دار الشروق منذ أسابيع، ‏وفي ظني أنها كتاب في التاريخ سوف يضيف الكثير والمختلف عما قرأته عن الدور المؤثر الذي لعبته أسرة سراج الدين في الحياة السياسية المصرية، ‏خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ‏ويروي جانبا من تاريخ بيت العائلة الذي سبق أن دخلته مرات عديدة لألتقي صاحبه فؤاد سراج الدين، ‏الذي كان رمزا لهذا الدور، ‏منذ برز اسمه وهو في الثلاثين من عمره عام‏ 1936, ‏على خريطة حزب الوفد المصري، ‏ليصعد بسرعة الصاروخ إلى ‏قمة الهرم السياسي، ‏في سنوات الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ‏ويظل برغم تقلب الأزمان لامعا ومؤثرا إلى أن غادر عالمنا في بداية الألفية الثالثة‏..‏لكنني ما كدت أقرأ الصفحات الأولى من بيت العائلة، ‏حتى استغرقتني القراءة في رواية هي‏ - ‏بالقطع‏ - ‏واحدة من أهم الروايات العربية التي صدرت في السنوات الأخيرة، ‏تملك صاحبتها موهبة القص، ‏وتعرف كيف تحكي، ‏وتنتقي من الشخصيات والوقائع والأمكنة والتفاصيل، ‏ما يعيد تخليق الواقع ويدير عجلة الزمن إلى الوراء، ‏وتسيطر على أدوات حكيها باقتدار يدهشك، إنها تملكه على الرغم من أن هذه هي روايتها الأولى‏.. ‏على نحو يبدو معه، ‏أنها لم تبذل أي مجهود في الكتابة، ‏ولم تفعل أكثر من أنها جلست إلىك ذات ليلة في شرفة تطل على النيل، ‏لتسليك بما لديها من حكايات عن تجربتها المريرة في الحياة، ‏لتجد نفسك بعد قليل قد أصبحت واحدا من الشخصيات التي يتقلب بها الزمن وتقيم أو تتردد على ‏بيت العائلة‏..‏وفي الرواية‏ - ‏بعد هذا‏ - ما‏قد يوحي للبعض، ‏ويؤكد لآخرين أنها سيرة ذاتية، ‏وأن بطلتها جيهان شامل سيف الدين، ‏ربما تكون هي نفسها مؤلفتها سامية سراج الدين ليس فقط لأن فيها أسماء لشخصيات تاريخية حقيقية مثل جمال عبدالناصر، ‏وأنور السادات، ‏ولأن فيها إشارات لوقائع معاصرة، ‏أبطالها شخصيات انتحلت لهم الكاتبة أسماء غير أسمائهم الحقيقية، ‏لا يعسر على ‏الذين عاصروا الواقعة أو تذكروها، ‏أن يتعرفوا على ‏أسمائهم الحقيقية، ‏لكن كذلك لأن شجرة الأصول والفروع والأصهار في عائلة سيف الدين باشا تبدو شبيهة بمثيلاتها في شجرة عائلة سراج الدين باشا، ‏فضلا عن أن الباشا، ‏عم البطلة وعميد العائلة الذي لم تمنحه الرواية اسما اكتفاء باللقب، ‏يبدو في ملامحه الجسدية وصفاته النفسية، ‏شديد القرب من شخصية فؤاد سراج الدين باشا، ‏مع بعض التحوير في الحقائق، ‏كان لابد منه، ‏ربما لضرورات درامية، ‏أو لمجرد تنبيه القارئ إلى أنه يقرأ رواية وليس تاريخا أو سيرة ذاتية‏..‏ولو كان ذلك كذلك، ‏وأظنه كذلك، ‏فإن بيت العائلة هي واحدة من أمتع السير الذاتية التي قرأتها في حياتي، ‏ولا أكون مبالغا حين أقول إنها ترتقي إلى مستوي سير ذاتية من نوع «الأيام»، ‏التي كتبها طه حسين، ‏و»معك» التي كتبتها سوزان طه حسين، ‏و»حياتي» التي كتبها أحمد أمين، ‏فهي ليست مجرد عرض أحادي الأبعاد لسيرة حياة إنسان، ‏لكنها عرض مجسم يتجاوز السطح إلى الأعماق، ‏ويتوغل إلى المناطق التي لا يعرفها عن الإنسان إلا هو نفسه‏..‏وكان ذلك هو هدف بطلة الرواية التي عادت إلى القاهرة بعد عشر سنوات عاشتها في أمريكا، ‏حين اكتشفت في لحظة وعي طارئة، ‏أنها قد اتخذت القرارات الكبري في حياتها، ‏خصوصا منها ما يتعلق بعواطفها، ‏لمجرد أنها أرادت أن ترضي الآخرين، ‏فأحاطت بها التعاسة من كل جانب، ‏وترصدتها الخيبة في كل طريق، ‏فقررت أن تعود إلى وطنها، ‏لكي تبحث عن طفلين فقدتهما الطفلة التي كانتها، ‏والطفل الصغير الذي تركته وراءها حين هاجرت من مصر قبل عشر سنوات، ‏فتتجول في زمن طفولتها وشبابها، ‏وتستعيد ذكريات ومودات ذلك الزمان، ‏وتستخبر المكان عما كان، ‏لتعود كما جاءت، ‏فقد عثرت على ‏الطفلة التي كانتها، ‏لكن بعد فوات الأوان وبعد أن أشرفت على ‏الخمسين، ‏ولم يعد في استطاعتها أن تغير شيئا، ‏أما ابنها الطفل الصغير، ‏الذي تركته خلفها وهو في السادسة، ‏فقد عادت لتجده في السادسة عشرة، ‏ولتكتشف أنها فقدته للأبد‏.‏ وليس هناك جديد في ابتداع شكل مختلف لكتابة السير الذاتية عن الشكل التقليدي لكتابتها، ‏وهو سردها على ‏لسان صاحبها، ‏فقد أشار طه حسين إلى نفسه في الأيام بضمير الغائب، ‏وكتب يوسف شاهين سيرته الذاتية في سلسلة أفلام، ‏بدأت بفيلم إسكندرية ليه، ‏وتنكر نجيب محفوظ في جوانب من شخصية كمال عبدالجواد بطل الثلاثية، ‏واختار أسماء مستعارة لشخصيات أدبية وفكرية بارزة مثل أحمد حسن الزيات، ‏وسلامة موسي في الرواية نفسها، ‏وهو ما فعله كذلك في روايته المرايا بالنسبة لأسماء منها منصور فهمي، ‏وسيد قطب، ‏وهي حيلة فنية مشروعة، ‏تحرر صاحب السيرة من الضغوط التي تحول بينه وبين رواية جوانب من الحقيقة، ‏سواء تعلقت بشخصه، ‏أم تعلقت بغيره ممن لعبوا أدوارا على ‏مسرح حياته، ‏كما أنها بعض حقوقهم المشروعة في حماية حرمة حياتهم الخاصة‏.. ‏وشخصية جيهان سيف الدين بطلة رواية بيت العائلة التي كتبتها سامية سراج الدين، ‏تبدو تنويعا على ‏شخصية عيسي الدباغ، ‏بطل رواية السمان والخريف لـ نجيب محفوظ، ‏وهو شاب وفدي بدأ حياته مناضلا يضحي في سبيل الجلاء والدستور، ‏بين صفوف الحزب العتيد، ‏ويكافأ على ‏ذلك بحصوله على ‏مناصب رفيعة في آخر حكومات الحزب، ‏على ‏الرغم من صغر سنه، ‏ثم تقوم ثورة‏ 23 ‏يوليو‏ 1952, ‏ليجد نفسه موضوع تحقيقات بالثراء غير المشروع، ‏واستغلال النفوذ، ‏فيفقد وظيفته، ‏وتتخلي عنه خطيبته، ‏لتتزوج من أحد الثوريين الجدد، ‏ويعاني من مشاعر متناقضة تجاه الثورة التي حققت أحلامه الوطنية، ‏لكنها فعلت ذلك دونه أو ضده، ‏وضد الحزب، ‏الذي جاءت الثورة لتستكمل رسالته وتحقق ما عجز عن تحقيقه منها، ‏فبدت أشبه بابنته الطفلة التي رزق بها من فتاة ليل، ‏حاول أن يدفن تعاسته في أحضانها، ‏ولما علم بأنها حامل طردها ولم يعرف إلا فيما بعد أنها احتفظت بالحمل، ‏وأنجبت منه طفلة، ‏حاول أن يقبلها عندما عرف الحقيقة، ‏فذعرت منه، ‏ونفرت، ‏وأبعدته عنها‏.‏ لكن أزمة جيهان سيف الدين أكثر تعقيدا، ‏فقد كانت في التاسعة من عمرها حين صدرت في يوليو‏ 1961, ‏القرارات الاشتراكية، ‏التي وضعت أملاك أسرتها تحت الحراسة، ‏ونقلتها إلى قائمة أعداء الشعب، ‏ولم تدرك إلا فيما بعد الآثار التي سوف تتركها هذه الضربة القاصمة على ‏حياتها‏. ‏انفض زحام الضيوف الذين كانوا يأتون بلا موعد، ‏ولا ينصرفون إلا بعد أن يتناولوا طعام العشاء أو الغداء على ‏مائدة الباشا‏. ‏ووقف المخبرون أمام بيت العائلة وبيوت أفرادها يسجلون أسماء كل من يتردد عليها، ‏وسمعت همسا بأن فرصتها في العثور على ‏زوج ملائم، ‏أصبحت قليلة، ‏بعد أن وصمت الأسرة بوصمة العداء للشعب‏..‏وفي أول عيد أضحي بعد صدور القرارات الاشتراكية ناوشتها رغبة طفولية كانت تعابثها أحيانا، ‏في مشاهدة طقوس ذبح ضحية العيد، ‏التي كانت تجري في ركن من حديقة بيت العائلة، ‏ونجحت في التسلل من فراشها بعيدا عن رقابة أمها ومربيتها، ‏وما كادت تطل على ‏موقع الذبح حتي فوجئت برشاش من الدم يتصاعد من الضحية ليغطي وجهها وملابسها، ‏فأغمي عليها، ‏وظل المشهد على ‏امتداد العمر محفورا في ذاكرتها يأبي أن يغادرها، ‏ربما ليذكرها بأنها كانت واحدة من ضحايا الثورة، ‏وهي شريحة اجتماعية تقدم رواية سامية سراج الدين صورة سيكولوجية وسيسيولوجية نادرة لها، ‏تجمع بين الرواية والسيرة الذاتية والتحليل الاجتماعي والوثيقة التاريخية‏.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها