النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10878 الأحد 20 يناير 2019 الموافق 14 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

«نهاية حقوق الإنسان»

رابط مختصر
الاربعاء 22 ربيع الآخر 1431هـ العدد 7667

كان هذا هو عنوان الغلاف لمجلة نيوزويك باللغة العربية لعدد مارس الماضي والتي تساءلت: لماذا توقفت حكومات العالم عن الكفاح من أجل الحرية؟ وتحت عنوان «سقوط حقوق الإنسان»، استعرض الكاتب «جوشواكورلانتزيك» أبرز المواقف والأحداث العالمية فقال: إن «أوباما» خلال جولته الاسيوية في نوفمبر تطرق إلى كل المواضيع الرئاسية ما عدا موضوعا واحدا «حقوق الإنسان» وهذا يشكل قطعية واضحة نحو 3 عقود من السياسة الأمريكية، وليس «أوباما» الوحيد الذي يتملص من الكلام عن حقوق الإنسان، ففي مختلف انحاء اوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية تخلت ديمقراطيات عدة عن الدفاع العالمي عن حقوق الإنسان ولا تذكرها إلا في خطب أو مناسبات اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أصبح العالم المتقدم يلوذ بالصمت، ففي فرنسا لم يف الرئيس «ساركوزي» بالوعد الذي قطعه في حملته الانتخابية بمناصرة حقوق الإنسان ووضع حد لروابط بلاده بالدكتاتوريين الأفارقة إذ دعم رئيس الغابون الجديد بالرغم من حدوث تزوير في انتخابه واستقبل الجنيرال الذي شن انقلاباً في موريتانيا «محمد ولد عبدالعزيز» وأقر وزير خارجية فرنسا «كوشينير» بوجود «تناقض بين حقوق الإنسان والسياسة الخارجية للدولة» كما سلمت اروربا رئاسة «منظمة الأمن والتعاون» وهي منظمة معنية بترويج حقوق الإنسان في اوراسيا إلى «كازاخستان» وهي دولة متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان، والحكومة الإسترالية التي كانت تعرف من قبل بانتقاداتها الحادة للصين وبورما والأنظمة الأوتوقراطية الأخرى، تتعاون الآن معها، واليابان بدل أن تمارس ضغوطاً على كوريا الشمالية تفضل اليوم مقاربة ناعمة معها ومع الصين في تجاهل لمناخ القمع المتزايد فيهما، وفي العالم النامي -أيضاً- انكفأت الديمقراطيات الشابة التي بدت من قبل، جاهزة لنصرة حقوق الإنسان، «كولومبيا» أعادت مجموعة الأيغور إلى الصين حيث اعدموا و«جنوب افريقيا» استخدمت تاثيرها في الامم المتحدة لحماية النظام الهمجي في «زيمبابوي» و«تايلند» اعادت 3 الاف شخص إلى «لالوس» حيث تعرضوا للاضطهاد، لقد انهار عصر الدفاع العالمي عن حقوق الإنسان بسبب منهج «البراغماتية» الذي فرضته «الأزمة المالية العالمية» وبسبب أن «القادة الكبار» في العالم أصبحوا أكثر تردداً في التحدث جهاراً في قضايا حقوق الإنسان، يستطرد الكاتب ليقول: في هذه الأزمنة العصيبة، يبدو الدفاع عن حقوق الانسان، وكأنه ترف، لا سيما عندما تكون بعض البلدان التي يعتبر التعاون من جانبها، أساسياً لإعادة بناء الاقتصاد العالمي، مثل الصين وكازاخستان الغنية بالنفط، بين أسوأ منتهكي حقوق الإنسان، كان «بلير» يسعى إلى تحسين الحكم في أفريقيا كأولوية في حكومته لكن خلفه «براون» غارق في انقاذ الاقتصاد من جبل الديون الذي يرزح تحته، وفي الولايات المتحدة تحاذر ادراة اوباما من اثارة نفور الشركاء المتحملين، وفي الخارج في تسعينات القرن الماضي كان القادة المبشرون بالتكنولوجيا يراهنون على أن التكنولوجيا سوف تدعم حقوق الإنسان ضد الحكومات القمعية. وحذر «كلنتون» بكين من أن ضبط الانترنت سيكون صعباً، وساعد موقعا facebook و twitter المتضاهرين الإيرانيين على نشر أخبارهم للعالم، لكن الأنظمة السلطوية سرعان ما نجحت في مراقبة الإنترنت وحظرها، «الجدار الناري العظيم» في الصين واسع جداً لدرجة أن معظم مستخدمي الانترنت الصينيين ليس لديهم ادنى فكرة عن المعلومات التي تفوتهم و استعانت بلدان اخرى باختصاصيين صينيين لتتعلم كيف تصنع جداراً نارياً عظيماً، والهجمات التي يتعرض لها محرك البحث (google) في الصين معروفة، ولكن لم يقف أي عملاق في «سيليكون فالي» موقفاً داعماً له علناً، ايران نجحت في التشويش على برامج إذاعتي «دويتش» الألمانية و«بي بي سي» البريطانية، وتمكنت من عرقلة استخدام الهواتف الجوالة اضافة إلى الرقابة على الانترنت بل تمكنت من التشويش على بث القمر الأوروبي، «اوباما» يعتقد أن بإمكانه ايجاد أرضية مشتركة مع الجميع حتى مع البشير في السودان وكيم يونغ في كوريا، يريد أن يكون بانيا بإجماع، ورجال الرئيس اليوم يريدون «خفض التكاليف والمخاطر في الخارج عبر الحد من التزامات أمريكا» وهم أميل لقبول الطرح المتداول في الساحة الأمريكية، «بإمكان الولايات المتحدة أن تنشر الديمقراطية بطريقة أفضل عبر التحول مثلاً للديمقراطية في الداخل»، ويهمني أن أضيف هنا ملاحظة أخرى هي أن الإدارة المريكية الحالية أقرب لتفهم المنعطف الأوروبي الانتهازي «دعوى الشعوب المنكوبة بأنظماتها التسلطية، تحاول نزع شوكها من ظهرها بنفسها لأن الديمقراطية تتعارض مع ثقافاتها وخصوصياتها ولا تصلح لها» و لعلنا نتذكر مقالة الكاتب الأمريكي «زكريا» التي حذرت العرب من الديمقراطية لأنها تتيح الفرصة للمتطرفين الوصول إلى السلطة وفرض المزيد من القيود على الحريات، في معظم الديمقراطيات، اليوم، أصبح الرأي العام أقل اهتماماً بحقوق الإنسان العالمي، فمع تسجيل البطالة مستويات مرتفعة، حول سكان الديمقراطيات أنظارهم نحو الداخل لمكافحة الهجرة وباتوا يعيرون اهتماماً أقل لما يجري في إيران والسودان وكوريا الجنوبية و99% من الأمريكيين يرون أن على الولايات المتحدة الاهتمام بشؤونها الخاصة وتترك الدول الأخرى تحل مشكلاتها بنفسها، بسبب استطلاع عن مركز بيو في ديسمبر، إنها النسبة الأكبر عبر 4 عقود تعبر عن مشاعر انعزالية، وقبل عقد كان السياسيون في وزارات الخارجية الأمريكية والبريطانية والألمانية يرتقون عبر التركيز على حقوق الإنسان، أما اليوم فالدفاع عنها لا يوصلنا إلى اي مكانا، بل تصبح المكاتب الحكومية التي تركز على حقوق الإنسان مكانا للدبلوماسيين الأضعف، لقد بدأت الصين وروسيا تحريف مفهوم حقوق الإنسان بطرق تؤدي إلى افراغه من معناه فيما يسمى «ديمقراطية مضبوطة» هي عبارة عن «سلطوية مغلقة بطبقة رقيقة من الحريات الاجتماعية» وتدير الصين الآن برامج تدريسية يشارك فيها نحو (15) الف مسؤول أجنبي سنوياً تعلمهم: كيف استطاعت أن تفتح اقتصادها من دون افساح المجال أمام تحرر سياسي حقيقي!؟ كان العام الماضي من أصعب الأعوام أما المعارضين البارزين منذ عقود بحسب تقرير فريدم هاوس وشهد تراجعاً عالمياً في الحريات السياسية والمدنية للسنة الرابعة على التوالي وهو التراجع الأطول منذ (40) عاماً، ويختم الباحث تقريره: سوف تزداد الأمور صعوبة بزيادة الركود العالمي، وإذا كان بامكان الصين تعطيل الديمقراطية الآن فكيف إذا أصبح اقتصادها الاكبر في العالم؟! أما الباحث: «استفيان ثيل» فيطلق صيحة تحذير أخرى خاصة باوروبا، فيقول في مقالة بعنوان «الخيار الأوروبي الحاسم» إنه مع تنامي موجة ارهاب الأجانب فإن على أوروبا أن تقرر: إما أن تفتح أبوابها وتزدهر أو تغلقها وتدفع الثمن! ويستطرد قائلاً: خلال الأشهر الماضية اجتاحت أوروبا موجة من العصبية العرقية، ففي ايطاليا أخلت الشرطة مخيمات المهاجرين الأفارقة، وفي بريطانيا تعهد زعيم المحافظين «كاميرون» بالحد من المهاجرين بنسبة 75% إن تم انتخابه، و في فرنسا أثار «ساركوزي» جدلاً صاخباً حول «الهوية الفرنسية» تضمن كلاماً عن حضر البرقع وغيره من أنواع التهجم على الأقليات، بلجيكا في طريقها لتصبح أول بلد أوروبي يفرض الحظر الشامل للنقاب، وحتى في سويسرا التي لطالما كانت من البلدان الأكثر ترحيباً باللاجئين، اتخذت الأمور منحنى قبيحاً حيث أدى استفتاء عام إلى تعديل دستورها لحظر المآذن وهي قد حظرت النقاب مؤخراً وهكذا يتم استهداف المهاجرين الذين غالباً ما يأتون من بلدان اسلامية، لقد أصبح الخوف القوة المهيمنة على أوروبا بسبب الأزمة الاقتصادية التي أبدت القلق من سرقة الأجانب للوظائف واثقالهم بنظام الرعاية الاجتماعية، لكن العدائية تعكس تحولاً أعمق، فالهجرة إلى أوروبا ازدادت إذ وصل إلى أوروبا منذ عام 1990م (26) مليون مهاجر مقارنة بـ (20) مليوناً، في أمريكا هناك ساهموا في تحفيز الازدهار الاقتصادي وأعادوا رفع معدلات الولادة المنخفضة في القارة الأوروبية وغيروا المدن من مدريد إلى استوكهلم وتقدر المفوضية أن الهجرة اضافت (50) مليار يورو إلى الناتج المحلي الاجمالي، لكن ليس الجميع مقتنعين بهذه المكاسب، فالمهاجرون يثيرون مخاوف عميقة من فقدان الهوية الأوروبية وبسببها بدأت الحكومات اتخاذ اجراءات ضد الوافدين الجدد في حين أن بلدانا مثل اسبانيا تدفع الأموال للمهاجرين للعودة إلى بلادهم، لكن مع تنامي هذه النـزعات ستواجه أوروبا خياراً صعباً إما أن ترضي مواطينها الغاضبين وتغلق أبوب الهجرة، أو تتحدى الرأي العام وتفتح أمام المزيد من المهاجرين الذين يتمتعون بمهارات أفضل، هذا أمر سياسي صعب لكنه ضروري للنهوض الاقتصادي في القارة والحفاظ على حيويتها على المدى البعيد كما تفعل كندا واستراليا والولايات المتحدة لكن إذا اوصدت الابواب سينتهي المطاف مثل اليابان التي ينخفض عدد سكانها وتسودها مشاعر ارهاب الأجانب لأن حاجة اوروبا إلى المهاجرين مرتبطة بتركيبها الديمغرافية فسكانها يشيخون بسرعة كبيرة، وهذا العام سيفوق عدد الوفيات عدد الولادات في ( 10 ) دول من الدول الأعضاء إلى 27 في الاتحاد الأوروبي وبحلول عام 2035 سيصل الفارق بين الوفيات والولادات إلى مليون شخص سنوياً وحتى الآن تواجه المؤسسات التجارية في كل القارة نقصاً مزمناً في العمال المهرة وهناك اليوم ومع الانكماش (4) ملايين وظيفة شاغرة، ومع مرور الوقت ستتفاقم المشاكل وستحتاج اوروبا، وفقاً للمفوضية، إلى (20) مليون مهاجر ماهر خلال السنوات الـ (20) المقبلة, وخلافاً للمخاوف الشعبية فهؤلاء الإيرانيون من نسبة البطالة لدى السكان الأصليين لأنهم، أيضاً، أول من يخسرون وظائفهم في فترات الانكماش، السياسات الذكية تقتضي بمضاعفة جهود الاندماج والحرص على ألا تتسبب الأزمة بتخلف الأقليات بشكل أكبر عبر زيادة الإنفاق على برامج التعليم اللغوي والتدريب المهني وثانياً: على أوروبا تغيير سياساتها المتعلقة بالهجرة لجعل أوروبا أكثر جاذبية للمهاجرين ذوي المهارات ومن خلال اقناع عدد أكبر من الطلاب الأجانب الذين يدرسون في جامعاتها بالبقاء وثالثاً: بالحد من الاعتماد على نظام الرعاية الاجتماعية من خلال فرض قيود تحد من استخدام المهاجرين لهو وما يجب تذكره أن الهجرة أشبه بالهندسة الاجتماعية، والبلدان التي تحسن ادارة مسألتين الهجرة والاندماج تحصد منافع كبيرة وتلك التي تفشل تدفع الثمن. الآن دعونا نتساءل: ماذا عن وضع حقوق الإنسان في العالمين العربي والإسلامي؟. لقد مر شهر مارس وفيه احتفل العالم بحقوق المرأة ومكاسبها ولكن في مصر، أمام الانفتاح الجتماعي، اجتمع (334) مستشاراً في الجمعية العمومية لمجلس الدولة وقرروا في تحالف غير مقدسي، حرمان المرأة من القضاء، أي حكموا بحرمان أكثر من نصف الشعب المصري (44 مليون امرأة) من حق طبيعي، ومن اختار اليوم رفض المرأة قاضية، سيشهر، غداً، «الفيتو» في وجه تعيين القبطي قاضياً كما يقول عصام عبدالله، وفي السعودية أعلن شيخان من مشايخ الدين الحرب على الاختلاط، أحدهما قال بقتل من يبيح الاختلاط والآخر طالب بهدم المسجد الحرام منعاً للاختلاط، أما حقوق الأقليات الدينية معرضة للانتهاكات المستمرة في العديد من الدول العربية وبخاصة في العراق، موطن الأقليات التاريخية، وهي انتهاكات دفعت مجموعات كبيرة للهجرة وترك الوطن حفاظاً على حياتهم وارواحهم، لقد أصبح أمراً عسيراً الحديث عن حقوق الإنسان في ظل الموجات المتلاحقة من الفكر المتطرف المهيمن على الساحة، وعمليات الإرهاب التي تستهدف الأبرياء في كل مكان، في المسجد والسوق ووسائل النقل والمطاعم وغيرها، لا احد معني بحقوق الإنسان في ظل هذه الأوضاع وإنما هم الجميع السلامة والأمان إن الإصلاح السياسي والمهم الديمقراطي يبقيان مغيبان، وفترت حماسة الناس بل حتى النخب الثقافية تجاههما وبعضهم انقلب وتحول إلى المطالبة ببدائل أخرى ولا نستطرد أكثر حتى لا يدفعنا التشاؤم دفع النيوزويك للقول بنهاية حقوق الإنسان، لا لن نقول: وداعاً لحقوق الإنسان ونظنها انتكاسية عما يراه وسترجع الأمور إلى نصابها الصحيح، لأن قانون الله في الأرض يقضي بأن الزبد يذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، مهما كانت المرارت والظروف غير العادلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها