النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

فريدة النقاش .. وكارمايكل!

رابط مختصر
الجمعة 17 ربيع الآخر 1431هـ العدد 7662

كنت أظن أن فريدة النقاش تكبرني بشهور‏، ‏وأنها احتفلت بعيد ميلادها السبعين‏، ‏قبل احتفالي ـ أو عدم احتفالي بوصولي‏ إلىها ـ إلى أن اكتشفت أنني ولدت قبلها بشهور‏، ‏ولعل هذا الخلط يعود إلى أن اسمها شائع بين النساء المصريات اللواتي ولدن عام‏ 1938، ‏وهو العام الذي تم فيه زفاف الملك فاروق‏ إلى زوجته الأولى صافيناز ذو الفقار وبمجرد عقد القرآن‏، ‏أصدر فاروق أمرا ملكيا بتغيير اسمها‏ إلى فريدة‏، ‏احتفاظا بالتقليد الذي وضعه والده الملك فؤاد باختيار حرف الفاء رمزا لأسرته‏، ‏وحرفا تبدأ به أسماء أولاده وبناته‏..‏ولأن والدها عبد المؤمن أفندي النقاش ـ مدرس اللغة العربية ـ لم يكن يفكر في تأسيس أسرة مالكة‏، ‏فإنه لم يحرص على أن يوحد الحرف الذي يبدأ به أسماء أبنائه‏، ‏وإن كان قد حرص ـ شأنه في ذلك شأن أمثاله من أفندية جيل ما بين الثورتين ـ على أن يعلمهم جميعا‏، ‏على الرغم من كثرة العيال وقلة المال‏، ‏وكان ذلك هو ثلث الميراث الذي تركه لهم حين غادر الدنيا عام‏ 1975، ‏أما الثلث الثاني فكان مكتبة ضخمة تضم كتبا في الشعر والبلاغة والقصص ومجموعات كاملة من الصحف الثقافية التي صدرت بين بداية الثلاثينيات ونهاية الخمسينيات‏، ‏قرأوها في طفولتهم وأضافوا‏ إليها في سنوات دراستهم‏، ‏وكان الثلث الأخير‏، ‏هو موهبة الكتابة والفن‏، ‏التي كان يمارسها بينه وبين نفسه‏، ‏أما هم فمارسوها بينهم وبين الناس‏، ‏فأقاموا الدنيا وأقعدوها‏، ‏على الرغم من الاختلاف بينهم في الرؤى، ‏ومن التنوع في اهتماماتهم‏، ‏بين النقد الأدبي والسينما والمسرح‏، ‏والصحافة‏..‏ وذات يوم من نهاية عام‏ 1967، ‏وبينما أنا أدلف في صالة تحرير المساء لأسلم مقالي‏ إلى عبدالفتاح الجمل ـ المشرف على تحرير الصفحة الأخيرة ـ فوجئت حين وجدت الزعيم الزنجي الأمريكي كارمايكل ـ أحد أبرز المدافعين آنذاك‏، ‏عن الحقوق المدنية للزنوج الأمريكيين ـ يحتل مدخل القاعة‏، ‏ويتصدر منضدة رصت أمامها مقاعد جلس عليها عدد من محرري المساء، ‏بينما كان الآخرون يواصلون العمل علي مكاتبهم في أنحاء الصالة الواسعة‏، ‏ويتابعون الحوار‏، ‏وكانت‏ إلى جوار كارمايكل شابة‏، ‏سألت عبدالفتاح عنها فقال دي فريدة النقاش‏..‏لم يكن الاسم غريبا علي‏، ‏إذ كنت أتابع معجبا بعض ما تنشره على صفحات الجمهورية ـ وغيرها من الصحف المصرية والعربية ـ من مقالات كان معظمها في النقد المسرحي‏، ‏فجلست أتابع الحوار‏، ‏الذي كانت تترجمه من العربية‏ إلى الإنجليزية وبالعكس‏، ‏فبدا لي أنه ينطوي علي مشابهة ومفارقة في الوقت نفسه‏، ‏فها أنذا أمام زعيم أمريكي مضطهد في بلده بسبب لونه‏، ‏وأمام امرأة‏، ‏لابد أنها كمعظم النساء المصريات مضطهدة في بلدها بسبب نوعها‏، ‏وذلك هو الوجه الأول من المشابهة‏، ‏أما المفارقة فتتمثل في أن بلد كارمايكل كان يرفع آنذاك شعار زعيمة العالم الحر وأن بلد فريدة كان يرفع شعار الاشتراكية‏، ‏وكان الذي عزاني بعض الشيء‏، ‏هو الوجه الآخر من أوجه المشابهة‏، ‏قد كان كلاهما يتحدث بقوة ووضوح وثقة في النفس وفي المستقبل‏، ‏وبدا لي أسلوب فريدة النقاش فيما تنقله عن كارمايكل ونبرة صوتها وهي تلقيه‏، ‏ليس مجرد أداء واجب أو سد خانة‏، ‏ولكنه كان مشحونا بتعاطف بلا حدود‏..‏بعد ثلاث سنوات أمضيتها في المعتقل‏، ‏وأمضتها فريدة النقاش ـ وزوجها حسين عبدالرازق ـ شبه منفيين في الجزائر‏، ‏التي سافرا‏ إليها ليعملا‏ن ‏في مجلة المجاهد بعد فصل حسين من الاتحاد الاشتراكي بسبب رأي قاله حول المسؤول عن هزيمة‏ 1967، ‏خرجت منه لألتحق بأسرة تحرير الجمهورية‏، ‏فوجدتها قد حطت رحالها هناك‏، ‏وكانت من بين الذين استقبلوني بحفاوة وبذلوا الجهد للتغلب على ‏العقبات الأمنية التي تقف أمام التحاقي بأي عمل‏، ‏وأتيح لي خلال السنوات الأربع التالية‏، ‏أن أتابع عن قرب العواصف التي واجهتها بشجاعة في ظل المناخ السياسي الذي أعقب حركة التصحيح‏، ‏وأنعش اليمين الذي كان يعشعش في ثنايا الصحافة المصرية، ‏فشن حملة مكارثية تسعي ـ باسم الديمقراطية ـ لتطهير الصحافة من كل ما هو يساري أو حتى وطني‏، ‏عبر مئات من التقارير كانت ترفع‏ إلى أجهزة الأمن‏، ‏وعشرات من المنشورات السرية كانت توزع علنا‏، ‏لتستيقظ فريدة النقاش ذات صباح من فبراير‏ 1973، ‏فتجد اسمها بين‏ 120 ‏صحفيا وكاتبا‏، ‏قررت لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي فصلهـم من عضوية الاتحـاد، ‏ونقلهـم‏ إلى أعمال غيـر صحفيـة.‏ وكان ذهول الذين شنوا حملة التقارير والمنشورات ضدنا كاملا، ‏حين تقاطرنا نحن المفصولين جميعا‏، إلى الجمهورية لنحتشد في الغرفة التي كنا نعمل فيها‏، ‏وبعد قليل كانت ضحكاتنا ترن في أرجاء المبنى، ‏وكل منا يرشح الآخر لعمل غير الصحافة يصلح له، ‏وكانت ضحكة فريدة النقاش المميزة هي التي أغاظتهم أكثر من غيرها‏، ‏فأرسلوا تقريرا عاجلا يقول: ‏إننا نسخر من قرار الرئيس السادات بنقلنا فأصدر أمرا بعدم دخولنا الدار، ‏نفذ بحسم في اليوم التالي‏..‏وحين امتدت البطالة لشهور، ‏قبل بعض المفصولين عروضا تلقوها للعمل بالعراق وبغيرها من الدول العربية‏، ‏لكن فريدة النقاش ـ التي تلقت عروضا مثلها ـ أصرت على البقاء في مصر، ‏ورفضت أن تغادرها‏، ‏وتمسكت آنذاك وبعد ذاك، ‏بقاعدة ميزتها عن آخرين، ‏وهي أن أحدا لا يستطيع أن يعطل الإنسان إلا هو نفسه‏، ‏وأنه قادر، ‏لو كان صاحب رسالة يؤمن بها‏، ‏أن يجد ما يفعله دفاعا عنها، ‏وأن يواصل دوره مهما كانت العقبات التي توضع في طريقه‏..‏وكان ذلك ما حدث بعد عامين‏، ‏حين قرر الرئيس السادات‏، ‏أن يصفي يسارية الجمهورية باستبدال رئيس مجلس إدارتها وتحريرها‏، ‏مصطفى بهجت بدوي بآخرين‏، ‏وبنقل عدد من المحررين اليساريين‏ إلى دُور أخرى وتجميد الآخرين‏، ‏وكانت فريدة النقاش وحسين عبدالرازق من بين الذين تقرر تشتيتهم‏ إلى الأخبار مشفوعين بتوجيهات سيادية‏، ‏بألا يسند لهما عمل أو ينشر لهما حرفا، ‏وهو قرار ظل قائما لمدة‏ 25 ‏سنة متصلة‏، ‏كانت فريدة خلاله محررة علي الورق في جريدة الأخبار يظهر اسمها في كشوف المرتبات‏، ‏ولا يظهر في كشوف العلاوات والمكافآت والأرباح أو على صفحات الجريدة‏، ‏وحين وصلت‏ إلى سن المعاش عام‏ 2000 ‏لم يفكر أحد في أن يمدد لها سنوات العمل حتى ‏سن الخامسة والستين‏.‏ وخلال تلك السنوات‏، ‏لم تبذل فريدة أي مجهود لكي تطالب بحقها في العمل بجريدة يفترض أنها قومية وليست حزبية‏، ‏وأن العمل فيها حق لكل من تتوافر فيه الشروط المهنية‏، ‏بصرف النظر عن الخلاف السياسي معه‏، ‏وأنه لا يجوز حرمان أي مواطن من أداء العمل الذي أهل له‏، ‏بسبب خلاف في الرأي‏، ‏فضلا عن الخسارة التي تلحق جريدة‏، ‏لا تستفيد من المواهب التي يتمتع بها المحررون الذين يعملون بها‏، ‏ويتقاضون منها رواتبهم‏..‏وخلالها كانت فريدة النقاش تواصل ما تعتقد أنه دورها ورسالتها التي لا تسمح لأحد بأن يعطلها عن أدائها‏، ‏أو تسمح لنفسها بأن تكف عن القيام به مهما كانت الصعاب‏، ‏فهو دور وليس مجرد وظيفة‏، ‏فبرز اسمها كواحدة من مؤسسي حزب التجمع اليساري‏، ‏ومن بناة اتحاد النساء التقدمي وأشرفت على الصفحة الثقافية بجريدته الأهالي منذ تأسيسها عام‏ 1978، إلى أن تولت رئاسة تحريرها عام‏ 2005، ‏وكتبت آلاف المقالات في كل الصحف العربية‏، ‏وأصدرت كتبا‏، ‏وشاركت في مظاهرات ومنتديات وانتخابات ومؤتمرات لا حصر لها‏، ‏ودخلت السجن عدة مرات‏، ‏وخرجت منه لتواصل ما تعتقد أنه الصواب‏، ‏وأنه الأرفع والأنفع للوطن وللشعب وللأمة وللإنسانية كلها‏.. ‏وكانت دائما نموذجا لجيل مختلف من النساء المصريات‏، ‏واصل الدور الذي بدأه الجيل المؤسس الذي خاض معركة تعليم المرأة‏، ‏والأجيال التي تلته التي خاضت معركة خروجها للعمل‏، ‏ليأتي جيل فريدة النقاش فيربط بين قضية تحرير الوطن من الاستبداد‏، ‏وقضية تحرير المرأة من الاضطهاد العنصري‏، ‏ويرفع أعلام الحرية والعدل والمساواة ويناضل من أجلها بلا هوادة‏، ‏وبثقة في المستقبل‏، ‏كتلك الثقة التي سمعتها تتحدث بها قبل أربعين عاما‏، ‏وهي تترجم ما كان يقوله كارمايكل‏، ‏بصرف النظر عن أن أحد أبنائه قد أصبح رئيسا للولايات المتحدة‏، ‏بينما مازلنا نتجادل‏: ‏هل تصلح المرأة قاضية‏ .. ‏أم لا تصلح.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها