النسخة الورقية
العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

حين تصبح الديمقراطية خيانة وطنية

رابط مختصر
الجمعة 10 ربيع الآخر 1431هـ العدد 7655

خلاصة الفكرة هو أن الانتخابات العامة لا يجوز أن تتم في أي بلد محتل‏، لأن الاحتلال الأجنبي يفقد أي بلد إرادته الحرة‏، ويصادر حريات مواطنيه‏، فلا يجوز الحديث في ظله عن ممارسة الشعب لحريته في اختيار ممثليه‏، أو الحديث عن إقامة نظام ديمقراطي تحت مظلة الاحتلال‏، لأن الديمقراطية كل لا يتجزأ‏.. وحرية المواطن هي فرع من أصل‏، هو حرية الوطن‏، فإذا انتفى الأصل فلا وجود للفرع‏.. وبالتالي فكل سياسي أو مواطن يشارك في انتخابات تجري في بلده المحتل‏، سواء كان مرشحا أم ناخبا‏، هو خائن لبلده‏، لأنه بذلك يضفي مشروعية على بقاء الاحتلال‏.‏ والفكرة من الناحية النظرية تبدو صحيحة‏، لكنها في التطبيق لا تبدو كذلك في كل الأحوال‏، وكان ذلك ما اكتشفته حين سعيت - بعد أن سمعت بها لأول مرة - لاسترجاع بعض وقائع التاريخ العربي‏، فإذا بها تتحدى هذه النظرية‏، بل وتكاد تنسفها نسفا‏..‏والحقيقة أن النظرية أفزعتني‏، إذ لو أخذت بها‏، لكان معنى ذلك‏، أن أضع عددا كبيرا من قادة الحركة الوطنية العربية‏، في قفص الاتهام‏، بتهمة الخيانة الوطنية‏، وأنقلهم من صف الوطنيين الأحرار‏، إلى صف الخونة الأشرار‏، وعلى رأسهم الزعيم محمد فريد خليفة مصطفى كامل‏.. وقائد الحركة الوطنية المصرية في بداية القرن الماضي - الذي تزعم - عام 1908 - حركة شعبية للمطالبة بإصدار دستور لمصر‏، وانتخاب مجلس نيابي يمثل الأمة‏، على الرغم من أن مصر أيامها كانت بلدا محتلا‏، يحتله الجيش البريطاني منذ ربع قرن‏..‏في ظل الاحتلال‏، كانت السلطة التنفيذية‏، تتولاها حكومة‏، يشترك المعتمد البريطاني مع الخديو عباس حلمي الثاني في اختيار وزرائها‏، وينفرد باختيار مستشار بريطاني لكل وزير‏، لكي يقدم له‏، ما كان يعرف بـ النصائح الملزمة بينما كان يتولي السلطة التشريعية مجلس نيابي شكلي‏، تأسس عام 1883 طبقا لقواعد ضيقة تحصر حق الترشيح والانتخاب في فئات بعينها‏، ويمارس سلطة وهمية‏، لا تتجاوز إبداء الرغبات بشأن القوانين‏، ونصائحه للحكومة - علي عكس نصائح المستشارين البريطانيين - لم تكن ملزمة‏..‏لكن ذلك كله لم يحل بين القوى الوطنية المصرية‏، وبين تشكيل ثلاثة من الأحزاب السياسية عام 1907، ولم يحل بين هذه الأحزاب وبين التأثر بالانقلاب الدستوري الذي تزعمته جمعية الاتحاد والترقي في تركيا عام 1908، وبعد ثلاث سنوات من الثورة‏، وفي عام 1922، وافقت بريطانيا على إلغاء الحماية‏، وعلى منح مصر استقلال ذاتي يتيح لها إصدار دستور وتشكيل برلمان ينتخبه المصريون‏، وأيامها قال البعض‏: إن الدستور والانتخاب هما لعبة هدفها إلهاء الشعب عن مواصلة نضاله من أجل تحرير البلاد من المستعمرين‏، وحذروا زعيم الثورة سعد زغلول من أن يبتلع هذا الطعم الديمقراطي‏، أو يخوض الانتخابات‏، تطبيقا لقاعدة لا ديمقراطية في ظل الاحتلال‏، لكن سعد زغلول لم يقتنع بمنطقهم‏، مؤكدا أن خوضه للانتخابات أو تشكيله للحكومة‏، لا يعني قبولا بالاحتلال‏، أو رضاء بأي وضع أكره عليه الشعب‏، وأنه يخوضها لكي يحصل على ثقة الشعب ببرنامجه‏، الذي يدعو للاستقلال والديمقراطية‏..‏وهكذا خاضت مصر تحت قيادة سعد زغلول ثم مصطفى النحاس‏، المعارك الانتخابية في أعوام 1923 و 1926 و‏1929 و‏1935‏و‏1942‏و‏1949 والاحتلال قائم‏، ولم يقل أحد إن ذلك كان اعترافا بمشروعيته أو إقرارا بوجوده‏..‏شيء من ذلك حدث في معظم البلاد العربية‏، التي تقاسمتها الدول الأوروبية قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها‏، أو خضعت للانتداب وللوصاية‏، وعرفت أشكالا من النظم التمثيلية‏، ولم تكن سوريا ولبنان اللتان خضعتا للانتداب الفرنسي بعد الحرب الأولى‏، بعيدتين عن هذا‏، فقد عرف كل منهما الأحزاب والدستور والمجالس النيابية في ظل الانتداب‏، ولم تكن ليبيا بعيدة عنه في ظل الاحتلال الإيطالي‏، بل إن العراق عرف ذلك كله في ظل الاحتلال‏، فقد أجري الاستفتاء الذي أسفر عن تنصيب الأمير فيصل الأول‏، ملكا عليه‏، وجرى انتخاب الجمعية التأسيسية التي وضعت دستورا له‏، بل وقامت ثورة رشيد عالي الكيلاني‏، بتأييد جانب من نواب البرلمان الذي كان قائما آنذاك‏!‏ ‏إن إجراء الانتخابات العامة‏، وتأسيس المجالس النيابية في ظل الاحتلال‏، ليس ظاهرة جديدة‏، وأن الحركة الوطنية العربية طالبت بها‏، وشاركت فيها‏، ولم تر في ذلك اعترافا بمشروعية الاحتلال‏، أو قبولا بوجوده‏، بل اعتبرتها أداة من أدوات النضال من أجل استكمال النضال لتحرير البلاد وتحقيق الاستقلال‏، ولبنة أولي في بناء مؤسسات الدول الوطنية المستقلة التي لابد أن تكون ديمقراطية‏.‏ علي نحو ما‏، بدا لي أن إشاعة الفكرة التي تقول‏: إن خوض الانتخابات العامة في ظل الاحتلال هو اعتراف بمشروعيته‏، يوازي الخيانة الوطنية‏، ليس سوي مجرد صراع حول السلطة‏، وأن الذين يشيعون هذا هم الذين يحاولون عرقلة أي محاولة لاستقرار الأوضاع في العراق‏، بما ييسر خروج القوات الأجنبية التي تحتله‏، وهو ما سوف يؤدي في النهاية إلي إفقادهم كل أمل في أن يستردوا السلطة التي فقدوها‏، حين صادروا حرية شعبهم‏، من دون أن يتذكروا القاعدة التاريخية الأكثر صدقا‏.. وهي أن الطغاة يجلبون الغزاة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها