النسخة الورقية
العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

دساتيرنا تقدس الحرية بينما قوانيننا تجرمها!

رابط مختصر
الخميس 2 ربيع الآخر 1431هـ العدد 7647

نحن أكثر الشعوب والأمم في هذا الجزء من العالم التي تصرخ مدعية الأفضلية لجهة احترام الإنسان وحقوقه وخياراته. كما واننا من أكثر أمم الأرض التي تستشهد بنصوص من تراثها الديني والثقافي للتدليل على اننا نقبل بالآخر ونتعايش معه مهما كان دينه أو مذهبه أو أصله أو ثقافته. حيث كثيرا ما نردد على رؤوس الأشهاد نصوصا قرآنية مثل «لكم دينكم ولي دين» و«فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» و«لهم ما لنا وعليهم ما علينا» و«ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن» و«وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم» و«ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» و«قولوا للناس حسنا»، وغيرها كثير. ولكن في المقابل، وحينما يطالبنا واقع الحياة ومتطلباتها بترجمة تلك النصوص الرائعة عن التعددية وحرية المعتقد والمساواة ونبذ الإقصاء، نظهر شيئا آخر فنبدأ بقلب ظهر المجن كما يقولون ونتلون ونعمل كل ما في وسعنا لنسف تلك النصوص الجميلة وإفراغها من مضامينها الرحبة المتسامحة. وما إصدارنا لقوانين وتشريعات معادية تماما لقيم التعددية وحرية الاختيار بشكل عام، إلا إحدى صور ذلك المنحى الكئيب. وبطبيعة الحال، فإن التعايش مع قيم وعادات قد لا نشترك مع آخرين فيها، هو الثمن الذي يتعين على من يعيش في مجتمع تعددي أن يتحمله –حتى وإن كان الكثيرون لا تعجبهم تلك العادات والممارسات- خصوصا وأن القاعدة في الممارسات الفردية هي الإباحة، ما دامت لا تسبب الضرر للآخرين الذين يتوجب عليهم إثبات ذلك الضرر أمام السلطات القضائية المختصة. إن من حق الإنسان البالغ الراشد، في المجتمع التعددي، أن تكون له حرية مطلقة في الاختيار الشخصي. وفي هذا السياق يجدر بنا أن نتذكر أن القواعد التي كانت مطبقة في زمن الخلافتين الأموية والعباسية من تاريخ الحكم الإسلامي، بحسب ما توارد إلينا عبر النصوص المكتوبة أو الأقاويل المرسلة، كانت ترتكز في مجملها على قيم التعددية وتقديس الحرية الفردية. كان ذلك واقعا حيا في مرحلة لم تكن فيها قد ظهرت الدساتير والقوانين الوضعية، ولم تكن الدول والإمبراطوريات قد تعرفت بعد على مواثيق حقوق الإنسان الدولية، بل كانت في حقبة هي الأقرب إلى زمن الرسول (ص) وصحابته الأبرار. أما اليوم، وبعد أن كتبت دولنا الدساتير الحديثة المستندة إلى قوانين وضعية، والتزمت أنظمتنا السياسية بصيانة الوجه التعددي لكياناتها وضمان حرية المواطن في الاختيار واحترام حقوق المواطنة، ووقعت حكوماتنا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإننا نرى العجب العجاب. فقد ترك الحبل على الغارب لكل جاهل لم ينل من العلم إلا قليلا كي يستل سيفه ويطلق العنان لحنجرته، معتديا على نصوص الدستور الذي صوت عليه بالقبول، وفي المقدمة من تلك، النصوص الخاصة بحماية حرية المعتقد الديني، وضرورة صون الحقوق والحريات الشخصية لمكونات الوطن المختلفة. وبعبارة أوضح ينص دستورنا من جهة على أن حرية المعتقد الديني مطلقة، وأن الحريات الشخصية مكفولة، ولا يجوز أن ينال تنظيم هذه الحريات والحقوق من جوهر الحق أو الحرية عند إصدارنا للقوانين. لكننا من جهة أخرى، نعمل على إصدار تشريعات تنص صراحة على إلغاء أو تجريم بعض تلك الحريات الفردية. ولعل آخر الأدلة وخير البراهين على صحة ما نقول هو ما ذهب إليه مجلسنا النيابي مؤخرا، حينما أجمع أعضاؤه دون استثناء على التوصية بتعديل بعض مواد قانون العقوبات الحالي، بحيث يضاف إليه نص يجرم الحرية الشخصية في أبعادها الخاصة ويعاقب المخالف بالسجن أو الغرامة أو كلا العقوبتين. وهنا نود أن نهمس في أذان السادة النواب، وخصوصا المتحمسين منهم من لابسي العمائم أو مطلقي اللحا، ونقول لهم من باب التذكير، لعل الذكرى تنفع المؤمنين، إن البلاد التي فعلت ذلك «وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية وإمارة طالبان المدحورة» دفعت بشعوبها وشبابها دفعا نحو ظاهرة أشد إيلاما ونخرا في جسد الوطن. إن الحرية هي إحدى القيم الأساسية لحقوق الإنسان، وانطلاقا منها تمت بلورة الحريات الملموسة والتي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومنها حريات الرأي والتعبير والمعتقد والضمير والتظاهر والتجمع والتنظيم، وحرية اختيار الهوية والدين وتقرير المصير، وغير ذلك مما يندرج ضمن الحريات العامة أو الفردية التي تعتبر أس وجوهر أي نظام ديمقراطي مواكب لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، وباحث عن مكان تحت شمس المستقبل، وليس تحت غبار الماضي السحيق. والحريات الفردية والجماعية تتكامل مع بعضها ولا يمكن فصلها أو تجزئتها كما يحلو للبعض ترديده من وقت إلى آخر، إما خوفاً أو جبناً أو مجاملة لتيار ديني حليف. وبعبارة أخرى هي حزمة واحدة متكاملة غير متناقضة بحسب منطوق المواثيق العالمية للحريات المدنية. ومن هذا المنطلق، واستنادا إلى ما سبق، فإننا نهيب بأعضاء مجلس الشورى الموقرين والسلطة التنفيذية الكريمة ورموز الجمعيات الحقوقية الناشطة أن يدافعوا بلا هوادة، ودون تردد عن الحريات الفردية الواردة في المواثيق الدولية الإنسانية، وأن يتضامنوا معا ضد الحملة ضد الحريات الشخصية التي يقودها أعضاء مجلس النواب مع قرب موعد الاستحقاقات الانتخابية الجديدة. وبمعنى آخر عليهم أن يقوموا بفعل مؤازر ضد كل من يحاول المس بالتزامات مملكة البحرين في مجال حقوق الإنسان، أو يحاول منع توافق وانسجام التشريعات المحلية البحرينية، مع التشريعات الواردة في المواثيق الدولية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها