النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11928 السبت 4 ديسمبر 2021 الموافق 29 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:06PM

كتاب الايام

دعــــاة يغرســــون الأمــــل

رابط مختصر
الاربعاء ربيع الآخر 1431هـ العدد 7646

جدي لأبي يرحمه الله « محمد بن صالح» كان إماماً ؛ حفظ القرآن الكريم وطلب الرزق في البحر، كما طلب الرزق في شركة بابكو، حتى انتهى به المطاف إماماً في مسجد « أحد» سابقاً بالبديع، أما شقيقه « علي بن صالح « يرحمه الله فقد كان إماماً في أحد مساجد الجسرة، بالإضافة إلى تدريسه للقرآن وعلومه إلى أبناء القرية .. أئمة ذلك الزمن بسطاء، يحفظون القرآن الكريم وبعضاً من أحاديث الرسول، ويؤدون واجباتهم الدينية كما فهموها أو استوعبوها من الأئمة الأربعة، يؤدون فروض الصلاة، وقد يقرأون من الكتب القديمة التي تحث على مكارم الأخلاق، وحسن التعامل، والصدق في القول والعمل .. كان الإمام أو « الملا» أو « الشيخ « أو « المطوع « في ذلك الزمن يتمتع بالهيبة والوقار، يحترمه الناس ويقدر هو الآخرين، كان حريصاً على مجتمعه وتربية الأبناء، غيوراً على «فريجه»، مكافحاً للقمة عيشه، يداوي المرضى بالقرآن، وقد يقرأ على كوب الماء ويكتب الآيات الكريمة ليقي الأطفال من الشر، يؤذن في إذن المولود الجديد، ويحير « الحزاز» بالإبرة بعد تلاوة آى من الذكر الحكيم ؛ فقد كان هؤلاء مرجع أهل القرية أو المدينة وكانوا هم القدوة .. لم نكن نسمع منهم عذاب القبر والويل والثبور، والتخويف الذي لا ينتهي من الآخرة، فقد كانوا على إيمانهم بالقضاء والقدر - خيره وشره - وإدراكهم للثواب والعقاب يوجهون الناس بالحسنى وطيب القول، والتبشير بالجنة ونعيم الآخرة، والتحذير من مغبة الوقوع في الزلل والخطأ وما ينتظر المخطئ من عقاب رباني. ويعتبرون أن الثواب والعقاب بين الله جلت قدرته وبين العبد. أما في زماننا فقد تفنن بعض الدعاة - سامحهم الله - في اعتبار المرء على خطيئة دائمة، وكأن الشر قابع في نفسه دائماً، فهو على حسب رأيهم متهم حتى يثبت العكس .. يحقرون الدنيا ومتعها البريئة .. يقفلون أبواب الرحمة والدعاء من العبد إلى خالقه تقدست أسماؤه .. الكثير من المسلكيات عندهم بدعة حتى ولو كانت خالية من الهوى والغرض المشين. زهدهم في الدنيا، ليس كزهد المؤمنين بعظمة الكون، واتساع الأفق وقدرة المرء المحدودة، وإنما زهدهم نابع من كره للدنيا وما فيها من خير ونعيم مسخر بأمر الله سبحانه وتعالى .. لا تسمع في أحاديثهم وخطبهم إلا كل ما يبعث في النفس الخوف، والهلع، ويغرس اليأس والقنوط، وهم عندما يقرأون القرآن ويختارون من الآيات التي تدعو إلى التفكير والتأمل والتدبر والموعظة الحسنة تراهم يقرأونها ببكاء وعويل ظناً منهم أن ذلك هو السلوك السليم في فهم هذه الآيات المحكمات .. وما دروا أنك عندما تستمع إلى قارئ مجود ذي صوت جميل وقراءة واعية متفهمة، يخشع قلبك وتدمع عينك في صمت وهدوء ويعمل تفكيرك وتتدبر الآيات ومعانيها فتزداد إيماناً ويقيناً، دون أن يطلب منك قارئ القرآن أن تسمع بكاءك الصفوف القريبة والبعيدة . فالقرآن دستور حياة، يقين وإيمان، وسلوك وطلب للرزق، وبناء دولة، وتربية وتعليم، وتأمل في الكون والحياة، وتعبد وعمل، نظافة وطهارة وحسن مظهر.. وتمتع بالحياة ومباهجها بالطرق السليمة والمباحة والمشروعة وليس الانغلاق والتزمت وتحميل النفس فوق ما تطيق بحجة الأجر والثواب، «فالأجر على قدر المشقة « له أكثر من معنى وتفسير، فالمرء مطالب بأن يبذل الجهد والعرق في نيل المطالب، والحرص على الإتقان والتجويد وفي ذلك مشقة لا شك ولكن الله يكافئ المخلوق على ما بذله وتحمل في سبيله الضنى؛ فيكون عمله ناجحاً ويوفقه الله إلى الأحسن والأفضل . الابتسامة عندهم محرمة، والضحك عندهم منذر بكارثة فهم يخاطبون الناس بصوت فيه غلظة، وعيون شاخصة وأيد ملوحة ونبرات مجلجلة ، فيصيبون المستمع برجة لا يعرف هل يستقر على أرض، أم يطير في السماء .. فلا يتركون فرصة للتفكير والتأمل والتدبر، فهم يفكرون عنك ويتأملون بالنيابة عنك، ويتدبرون بالوكالة عنك وما عليك إلا السمع والطاعة . فما أحوجنا إلى دعاة يغرسون الأمل، ويزينون الحياة ومباهجها وخيراتها التي أفاء بها علينا الخالق جلت قدرته كما يحببون لنا الآخرة ومباهجها ونعيمها وجناتها وأنهارها وحور عينها . وما أحوجنا إلى قراء القرآن أصحاب الأصوات الجميلة والقراءات الواعية والمدركة، والمتفهمة للمضامين والقيم .. وما أحوجنا إلى دعاة يشحذون تفكيرنا للتأمل والتدبر والإبداع والتميز، والتفاؤل بالخير.. وما أحوجنا إلى دعاة يزرعون في أنفسنا حب الوطن والفداء والتضحية والغيرة والحب، وينزعون من أنفسنا الحقد والحسد والضغينة والكبر. ما أحوجنا إلى دعاة يحثوننا على اللحمة الوطنية ونبذ الطائفية والمناطقية والأنا المتضخمة .. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها