النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

دماء في پونا الهندية

رابط مختصر
الاحد 28 ربيع الاول 1431هـ العدد 7643

تقع مدينة بونا، التي تعتبر ثامن أكبر مدينة في الهند وثانية كبرى مدن ولاية «مهاراشترا» الساحلية الغربية من بعد «مومباي» (بومباي سابقا)، على ارتفاع 560 ميلا فوق سطح البحر. وكانت المدينة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 937 ميلادي، ذات يوم عاصمة لإمبراطورية «ماراتا». وفي عام 1817، الذي شهد هزيمة القوات الماراتية أمام القوات الإنجليزية، ألحقت بونا بأراضي التاج البريطاني لتخدم مذاك وحتى استقلال الهند في عام 1947 كثكنة عسكرية لقوات المستعمر (لاتزال المعسكرات والمهاجع التي بناها المستعمر لقواته موجودة، لكنها تستخدم الآن من قبل الجيش الهندي). وإذا كان الرعيل الأول في الخليج العربي قد عرف «حيدر آباد» عاصمة ولاية «أندرا پراديش» الجنوبية كوجهة للاقتران بالسيدات الهنديات المسلمات، وعرف بومباي، كمدينة كزموپولينية تخدم أغراض الترويح والتثقيف وتسويق اللؤلؤ وشراء حاجات الإنسان الخليجي المتواضعة في حقبة ما قبل اكتشاف النفط، وعرف شقيقتها الأخرى، ميراج أو «مرج» (بحسب نطقهم) كوجهة للاستشفاء بفضل مصحاتها ومستشفياتها العريقة - تحتضن اليوم كليتين من أفضل كليات الطب في الهند، وأكثر من 100 مستشفى وعيادة خاصة، واشتهرت بأنها أول مدينة في آسيا أجريت فيها عملية قلب مفتوحة وذلك في عام 1954 ، كما اشتهرت منذ القرن 19 بمستشفياتها التبشيرية التي وظفت خيرة الأطباء المتخصصين، ويقال أن أحد أسباب تركز الخدمات الصحية العالية في هذه المدينة هو تعرض مهاراشترا بصفة عامة وبونا بصفة خاصة في أواخر عام 1897 لوباء (الطاعون الدبيلي)، فإن الآباء والأجداد ومن ثم أبناءهم وأحفادهم من الجيل الجديد في الخليج عرف بونا كوجهة للتحصيل العلمي بفروعه ومستوياته المختلفة. فالمدينة لئن ظلت منسية حتى أوائل الستينات، حينما قرر الدولة إعادة تخطيطها وفق نظام حديث تعويضا لها عما دمرته كارثة فيضانية حلت بها وقتذاك، فإن صيتها ذاع كثيرا في وقت لاحق بسبب ما راكمته من تسهيلات تربوية وتعليمية وتدريبية جسدها احتضانها لمئات المعاهد والجامعات ومراكز التدرب على التخصصات العلمية الحديثة كتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتكنولوجيات وسائل المواصلات، وتكنولوجيات الترجمة وإجادة اللغات العالمية الحية. ليس هذا فحسب، وإنما اشتهرت بونا أيضا كمدينة توفر االترفيه البريء مثل الألعاب الرياضية المختلفة والبرامج المسرحية والموسيقية والأدبية وبأكلاف في متناول ذوي الدخول المتواضعة من أبناء العالم الثالث. وربما لهذا السبب، معطوفا على تميز المدينة بارتباطها بشبكة حديثة من الطرق البرية والجوية والحديدية، وبقدرتها على قبول الثقافات المختلفة في أجواء رائعة من التسامح، صارت الخيار الأول للكثير من الأسر متواضعة الدخل في الخليج والعالم العربي حين البحث عن وجهة لأبنائهم من أجل التحصيل الجامعي، وذلك بدليل أن جامعات المدينة وكلياتها لئن ضمت البحريني والإماراتي والعماني، فإنها ضمنت أيضا السوداني واليمني والصومالي والسوري والفلسطيني والإيراني (تقول أحدث الإحصائيات المتوفرة أن نحو 500 ألف طالب يقطن بونا حاليا، من بينهم 18 ألفا من الطلاب الأجانب). ومناسبة هذا المقال المتأخر بعض الشيء هي تعرض هذه المدينة المسالمة النائمة بأمان فوق هضبة «ديكان» في 13 فبراير المنصرم لهجوم إرهابي دموي، ونعني بذلك الاعتداء الذي استهدف مقهى «جيرمان بيكري» أو «المخبز الألماني» الذي يتجمع فيه عادة الطلبة الأجانب الدارسون مع زملائهم الهنود للتسلية البريئة والترويح عن النفس. أما الذي ارتكب تلك الجريمة النكراء التي أودت بحياة 15 شخصا بريئا، من ضمنهم شاب إيراني مسلم كان قد أتم للتو 6 أسابيع من برنامج مكثف للغة الإنجليزية، وجرحت 60 آخرين – كان من بينهم طلبة مسلمين من السودان واليمن والأردن فقدوا أطرافهم، وبالتالي صاروا من ذوي الإعاقة الدائمة، فهو نفسه الذي خطط ونفذ وأدار هجمات مومباي البربرية في عام 2008 ضد نزلاء فندق «تاج محل» الفخم، والتي أسفرت عن مقتل 166 شخصا وجرح 600 آخرين، أي جماعة «عسكر طيبة» المتطرفة التي تتخذ من باكستان مقرا لها ومسرحا للتدريب والاختباء، وتدعي زورا وبهتانا بأنها تعمل من أجل تحرير كشمير ونصرة شعبها المسلم، ولكأنما الهدف الأخير لا يتحقق إلا بإسالة دماء أكبر عدد من الأبرياء وترويع الآمنين وإرهاب تلامذة العلم و قتل طلبة من فقراء المسلمين جاؤوا من ديارهم النائية بحثا عن المستقبل الأفضل. و دليلنا على أن المجرمين تعمدوا قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء هو اختيارهم لمساء يوم السبت (أي يوم إجازة نهاية الاسبوع الذي تكتض فيه مقاهي بونا ومطاعمها بالطلبة) للقيام بعمليتهم الدنيئة. إن عملية بونا وهمجية منفذيها ومن يقف وراءهم بالدعم والتمويل والحماية كشفت الوجه القبيح لبعض الجهات والأجهزة التي لا تريد أن ترى مناخا من السلام يخيم على شبه القارة الهندية، وأفقا واعدا ينبثق من وراء ركام الآلام والأحزان والحروب المتكررة منذ رحيل المستعمر البريطاني، بدليل أنه كلما لاح الأمل بقرب حدوث انفراج بين الخصمين الكبيرين في جنوب آسيا، قامت تلك الجهات والأجهزة بعملية إجرامية تستهدف تخريب التقارب وأجهاض الآمال. فلقد حدث في عام 2004 تقارب رائع ما بين نيودلهي وإسلام آباد حير في حينه المراقبين وأدهشهم، خصوصا وأنه توج بإطلاق محادثات سلام شاملة، وزيارات رسمية على أعلى المستويات، وتسييرالقطارات وحافلات الركاب ما بين شطري كشمير. غير أن أعداء السلام والحياة كان لهم رأي آخر مناقض، فخططوا في عام 2001 لضرب قدس أقداس الهنود وهو مبنى برلمانهم ورمز حريتهم وديمقراطيتهم ونظامهم العلماني، الأمر الذي أدى بحكومة رئيس الوزاء الهندي (وقتذاك) أتال بيهاري فاجبايي إلى تجميد العملية السلمية لبعض الوقت قبل أن يبعث فيها الروح مجددا في عام 2003 كنتيجة لضغوط واشنطون والقوى الدولية الكبرى الأخرى المعنية بإحلال السلام الدائم في شبه القارة الهندية. ومرة أخرى لم ترق الحالة للمتطرفين والإرهابيين من أشياع القاعدة وطالبان ومن في حكمهم، فجاءت ضربتهم الهمجية في مومباي في عام 2008 ضد درة الفنادق الهندية، والتي اضطرت معه حكومة رئيس الوزراء مانموهان سينغ مدعومة بشركاء حزب المؤتمر الحاكم وكافة قوى المعارضة إلى الإعلان صراحة بأن نيودلهي لن تواصل محادثات السلام مع إسلام آباد ما لم تضع الأخيرة حدا لأنشطة الجماعات الإرهابية الناشطة فوق التراب الباكستاني للإضرار بأمن وسلامة ومصالح الهند. وهكذا نجد أن توقيت عملية بونا كان مقصودا، بمعنى أن الهدف منها كان استعداء نيودلهي وإيجاد مبرر لدفعها للانسحاب مما اتفق عليه مؤخرا وهو إحياء عملية السلام المتعثرة في شبه القارة الهندية عبر محادثات تبدأ أولا باجتماع يعقد ما بين أمين سر وزارة الخارجية الهندية «نيروباما راو» ونظيره الباكستاني «سلمان بشير».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها