النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10819 الخميس 22 نوفمبر 2018 الموافق 14 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:41AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

لمـاذا خســـر الإسلام السياسي فــي ليبيــا؟

رابط مختصر
العدد 8516 الجمعة 3 أغسطس 2012 الموافق 15 رمضان 1433

مصر ذات الماضي الليبرالي والتراث الديمقراطي العريق تنحاز للماضي وتختار الإخوان لحكمها وليبيا التي لا ماضي ليبرالي لها وقد حرمت من الديمقراطية طويلاً إذ كان آخر عهدها بالانتخابات قبل 51 عاماً في عهد الملك السنوسي، تنحاز للمستقبل وتختار تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل لحكمها! هذه إحدى المفارقات السياسية في دنيا العرب، ففي أول انتخابات تعددت بعد نصف قرن لاختيار أعضاء المؤتمر الوطني العام تأتي نتائج الانتخابات الليبية على خلاف توقعات معظم المحللين الذين راهنوا على فوز الإسلاميين على غرار نتائج الانتخابات لدى الجارتين اللصيقتين: مصر وتونس، كون المزاج العام لشعوب دول الربيع العربي مع الإسلاميين، نتائج الانتخابات الليبية عدلت البوصلة السياسية وصححت خط سير الربيع العربي كما يقول الكاتب الإماراتي محمد الحمادي وأثبتت أن الإسلاميين ليسوا وحدهم في الميدان وأن هذا الربيع يسير ويتنقل ويتطور بسرعة ولا أحد يعرف ما الذي ينتجه أو من سيحكم ولا كم يبقى من وصل إلى كرسي الحكم، كما أعادت هذه الانتخابات الثقة لأنصار الدولة المدنية الديموقراطية مؤكدة بأنه ليست كل شعوب دول الربيع العربي تتوق للحكم الإسلامي تحت لواء الإخوان المسلمين طبقاً للكاتب د.شملان العيسى، لقد أثبت الشعب الليبي في هذه الانتخابات أنه شعب على درجة عالية من الوعي والنضج وليس كما صور نظام القذافي من أنه شعب يساق كالقطيع، فهذه الانتخابات التي أقبل عليها الشعب الليبي وبخاصة الشباب وبنسبة كاسحة 60% وباقتدار سياسي رائع وثقة عالية في النفس، تعبير عن إرادة غلابة لشعب يريد النهوض والانطلاق والتحرر من ركامات هائلة من التخلف والفساد والاستبداد والغوغائية، هذا الإقبال تعبير خلاق عن نزعة الشعب الليبي إلى العيش الطبيعي كبقية شعوب العالم بعد ظلام طويل، إنه التوق إلى المستقبل الزاهر والشوق العارم إلى دولة ليبيا الجديدة دولة المؤسسات والدستور الديموقراطي وحكم القانون والعدل والعقلانية والعيش بسلام مع الذات ومع العالم، دولة الاستقرار والبناء والتنمية بعد سلسلة المغامرات الجنونية من حاكم ظن أنه ظل الله تعالى في الأرض وفرض كتابه الأخضر على الشعب الليبي دستوراً مقدساً وصادر الحريات وقمع المعارضين وطاردهم إلى أقاصي الأرض يصفيهم وطغى وبغى وعاث فساداً كبيراً في الأرض، أقبل هذا الشعب على هذه الانتخابات تملؤه مشاعر الحماسة والفخر والفرح واسطف في طوابير طويلة مزهواً وهو يمارس حريته في صنع مستقبل بلده، ولعل من أهم التساؤلات التي أفرزتها نتائج هذه الانتخابات وتناولها العديد من الكتاب بالدراسة والتحليل هي: لماذا أخفق التيار الإسلامي السياسي وبالخصوص الإخوان في تصدر الانتخابات بينما اكتسح تحالف القوى الوطنية الانتخابات وفاز بها فوزاً مؤزراً؟ وما سر هذا الاستثناء الليبي بين شعوب دول الربيع العربي؟ تتلخص تحليلات الباحثين في العديد من الإجابات من أبرزها ما يأتي: الأولى: أن الشعب الليبي أفاد من دروس تجربتي الانتخابات في تونس ومصر فأصبح أكثر وعياً وأشد حرصاً على حسن الاختيار ولن يشاء أن يكرر نفس التجربتين اللتين أوصلتا إسلاميين إلى الحكم فهيمنوا على مؤسسات الدولة واستحوذوا على سلطاتها كما لم يقدموا ما وعدوا بها الجماهير ولم يثبتوا نجاحاً يذكر في الحكم حتى اليوم. الثانية: أن الليبيين سئموا استغلال الشعارات الدينية والقومية على امتداد عهد الديكتاتور السابق الذي وظف الدين والعروبة لاستمرار نظامه القمعي، وأصبح هذا الشعب يتطلع إلى دولة مدنية وحكم القانون وتنمية البلد بأكثر من إهتمامها بتطبيق الشريعة والشعارات الدينية البراقة التي انشغل الإسلاميون بترويجها وعوداً للشعب، فهو شعب متدين بفطرته حريص على تطبيق تعاليم دينه والالتزام بمظاهره فليسوا بحاجة إلى من يعهدهم بتطبيق الشريعة، وكما يقول يوسف الديني: لا يوجد في ليبيا موقف مضاد من الدين أو حتى من ظواهر اجتماعية علمانية يمكن أن يتكئ عليها الإسلاميون الخاسرون في معركة الانتخابات، فمشروع الأسلمة لا يعدوا أن يكون كما يقال: بيع للماء في حارة السقايين، كما لا يعاني الشعب الليبي من أزمة هوية، الشعب الليبي على درجة عالية من الوعي في التمييز والفصل بين الالتزام بالدين ودعم تيارات الإسلام السياسي الساعية للحكم باسم الدين، الالتزام الديني أمر والتدين السياسي أمر آخر. الثالثة قد أساء للإخوان تعاونهم في السنوات الأخيرة مع سيف الإسلام الذي أطلق سراح 150 إسلامياً بداية من عام 2003 وعرض عليهم مناصب في المؤسسات ووسائل الإعلام وذلك في سياق تأييد الإخوان له في جهوده لخلافة والده في الحكم، هذا الماضي المشوب بالريبة كان عاملاً قوياً في عدم صعود الإسلاميين وكما يقول أحد المحللين المتعاطفين معهم: إن أي أسماء سياسية كانت مرتبطة بالنظام السابق يتم حرقها سياسياً على الفور من قبل الناخبين. الرابعة: التحالف الوطني الذي يتشكل من الليبيرالين والعلمانيين والقوميين والوطنيين والإسلاميين المعتدلين، استطاع أن يخاطب الشعب في الأمور التي تشغله بالدرجة الأولى وتشكل أولوياته وهي بالتحديد: الصحة والتعليم والخدمات وتحسين الطرق والبنية التحتية ورفع مستوى المعيشة للفرد الليبي وكافة أمور التنمية والاقتصاد والأمن والاستقرار، المجتمع الليبي وكما يقول تركي الدخيل: مل من الخطابات الشمولية والخدع السياسية فهو يريد أن يتواصل مع العصر وأن يدخل في تحديات المعرفة والتنمية، مل الليبيون من الخطب الطويلة وخطابات الصمود، إنهم ببساطة يريدون الحياة، وهذا ما نجح فيه قادة قوى التحالف الوطني حيث خاطبوا الشعب في اهتماماته الأساسية (التنمية والأمن) الخامسة: يضيف عادل الطريفي سببين آخرين لخسارة الإسلاميين فيقول: إن الأحزاب الإسلامية حديثة عهد للنظام الحزبي وغير متمكنة انتخابياً في بلد حظرت فيه الأحزاب لأكثر من 60 عاماً بالإضافة إلى رده فعل الأكثرية الصامته من الليبيين الذين سئموا المظاهر المسلحة خلال الشهور الماضية، ولأجل ذلك خرجوا للتعبير عن رأيهم بزخم انتخابي كبير لصالح الاستقرار الذي يعبر عنه تحالف القوى الوطنية. السادسة: حظى التحالف الوطني بشخصية قيادية كاريزمية كبيرة هو محمود جبريل الذي استطاع توحيد القوى الوطنية المختلفة تحت قيادته وهو ما لم يحصل في تونس ومصر، جبريل يعتبره الليبيون يداً أمينة لإعادة إعمار الاقتصاد الذي عانى من الركود طويلاً في عهد القذافي كما أنه يحظى بثقة الليبيين وهو رهانهم في بناء الدولة الحديثة باعتباره رجل المرحلة، ينظر الليبيون إلى جبريل باعتباره معتدلاً وليس أيدلوجياً وهو يرفض أن يوصف بأنه ليبرالي أو علماني في مجتمع متدين لا تغيب فيه المبادئ الإسلامية عن أي نقاش سياسي، وقد صرح مؤخراً بأن العصر الحديث هو عصر المعرفة وأن المجتمعات اليوم تبنى بالمعرفة وليس بالأيدلوجيا، درس في مصر وفي أمريكا وتخصص في التخطيط الاستراتيجي وصناعة القرار، انشق على القذافي وانضم للثورة وكان له دور بارز في ملف العلاقات الخارجية للثورة. لقد عانى هذا الشعب طويلاً لكنه شعب أبي وجسور وقد آن له أن ينعم بالحياة الكريمة، التحديات أمامه كبيرة وشاقة لكن الآمال كبيرة أيضاً وهو قادر على مواجهة كافة هذه التحديات والمصاعب وصولاً إلى إقامة الدولة الحديثة وتحقيق المستقبل الزاهر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا