النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

«الفهد التائه».. كان سفيرًا للسعودية في البحرين

رابط مختصر
العدد 10785 الجمعة 19 أكتوبر 2018 الموافق 10 صفر 1440

 «لو تجسّد الشعر رجلًا لكان يشبه العيسى، يشبهه في أناقته، وفي كرمه، وفي طيبته، وفي وداعته، وفي دواوين شعره، إنه يتنفس شعرًا، ويعيش شعرًا ويأتيه الشعر من بين يديه ومن خلفه ولا يذهب إليه، مخلصًا للشعر، لا فجوة بين شخصيته الاجتماعية وحياته الشعرية، فرومانسيته تنبع من حياته وليس من خياله، ورقّة شعره وهدوء معجمه تنبع من رقة مشاعره، إنه يكتبه دون تكلّف أو تصنّع، فالعيسى مخلوق شعري وديع أنيق خفيف الوزن حسيًّا وشعريًا».

هذا ما قاله الراحل الكبير الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي عن زميله في الأدب والشعر والدبلوماسية المغفور له محمد الفهد العيسى الذي يُعتبر بحق واحدا من رواد الشعر والنهضة الفكرية في السعودية، بل إنه أول من حاول تخليص القصيدة السعودية المعاصرة من شعر المناسبات والشعر الدعائي، طبقا لموسوعة الأدب العربي السعودية، وأول شاعر سعودي يكتب القصيدة التفعيلية الحديثة بكل صورها وأبعادها الخيالية، طبقا للعديد من النقاد. ومن جهة أخرى يعتبر العيسى أحد النماذج الرائعة للشخصيات الخليجية والعربية التي جمعت ما بين الشعر والدبلوماسية والكتابة من أمثال غازي القصيبي وحسن النعمة وتقي البحارنة وعمر أبوريشة ونزار قباني، كما أنه كان ضمن المهتمين والمنشغلين بالموسيقى والتراث والفنون الشعبية بدليل أنه ساهم في إعداد أول برنامج في التلفزيون السعودي لتطوير الألحان الشعبية والمفردات الفلكلورية القديمة.

لكل هذا، علاوة على المهام والمناصب العديدة التي تولاها الرجل، ارتأينا أن نكتب عن سيرته الوضاءة ونـُعرّف الأجيال الجديدة به وبإسهاماته، معتمدين على مصادر متنوعة على رأسها ما كتبه عنه المؤرخ والإعلامي السعودي القدير د. عبدالرحمن الشبيلي في كتابه الشهير «أعلام بلا إعلام»، ثم ما كتبته عنه ابنته الدكتورة إيمان العيسى في كتابها «محمد الفهد العيسى، سفير الكلمة والدبلوماسية»، بالإضافة إلى ما نشرته الصحف والمجلات من حوارات معه أو مقالات عنه.

 

 

ولد العيسى في سنة 1923 ببلدة «صبيح» في عنيزة بإقليم القصيم في وسط نجد، ابنا لرجل من رجالات الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود. ونشأ في هذه المدينة القصيمية التي وصفها الرحالة أمين الريحاني بـ «باريس نجد»، بل التي ذكرها الأديب عبدالله بن إدريس في كتابه «شعراء نجد المعاصرون» حينما قال: «إن أكبر عدد من شعراء نجد ولدوا تحت خطرات نسيمها المنعش، حيث ترقد كثبان الرمال الصافية وتتأود أغصان النخيل النضرة وأشجار الفاكهة الباسقة». ولئن كان ميلاد العيسى في عنيزة، فإن مرحلتي طفولته وفتوته كانتا في الحجاز، حيث تنقل ما بين مدنها ومكث في المدينة المنورة طالبا يتلقى مبادئ علوم الشرع واللغة العربية على يد فقهاء الحرم النبوي مثل جده لأمه «الشريف صالح الزغيبي»، وذلك قبل أن يلتحق بأبرز مدرسة في المدينة المنورة آنذاك وهي «مدرسة العلوم الشرعية» التي تخرج من قسم تحفيظ القرآن فيها. ومما لا شك فيه أن ترعرع الرجل ما بين عنيزة والحجاز كان له أثر واضح في شخصيته، بسبب ما هو معروف عنهما من انفتاح وتنوع وتمدن وتقبل للآخر بشكل عام.

تمّ ابتعاث العيسى إلى القاهرة لدراسة الشؤون الإدارية والمحاسبية والقانونية، فرجع منها وهو يحمل شهادة في القانون وأخرى في الإدارة والمحاسبة وثالثة إضافية في الموسيقى. عن الشهادة الأخيرة أخبرنا العيسى في حواره مع «تركي الماضي» في صحيفة الجزيرة السعودية (12/‏ 6/‏ 2007) ما مفاده أنه ذهب إلى مصر لدراسة الحقوق والإدارة، فشاهد هناك بعض زملائه يدخلون محلا للموسيقى، فدخل معهم من باب الفضول المعرفي، فإذا بمسألة «النوتة الموسيقية» تشده وتجعله يدرس الموسيقى دراسة نظامية. ثم أضاف قائلا (بتصرف): «درست الموسيقى ليس حبًا فيها. درستها لأضع ما يسمى بالعروض في ساكنه ومتحركه. في الموسيقى أيضا ساكن ومتحرك لكن له تعبير موسيقي آخر، فأنا أرسم اللوحة الموسيقية وأضع عليها بيت الشعر، بحيث لو كان به خلل لظهر هذا في وقع الايقاع. قدمت أكثر من خمسين حلقة من ألحاننا الشعبية كنتُ أوثقها بمصدرها وتاريخها، ومن أين أتتْ، وفي نفس الوقت وثقتُ بحيث أكتب النوتة الموسيقية وأكتب الكلمات». 

وهكذا اقتحم العيسى ميدان الموسيقى والفلكلور الشعبي، الذي كان من ضمن اهتماماته المبكرة منذ التقائه في الطائف بالموسيقار الكبير طارق عبدالحكيم، وملاحظته آنذاك أن طارق يغني ألحانا خارج نطاق التراث المحلي المشتمل على الخمّاري والدحّة والسامري والناقوز والصوت والخبيتي والصهبة والمجرور والمزمار والعرضة وغيرها.

دخل العيسى مجال العمل الحكومي في سن مبكرة كموظف في وزارة الخارجية سنة 1939، ثم نــُقلت خدماته إلى مصلحة الزكاة والدخل بوزارة المالية والاقتصاد الوطني سنة 1952 ثم إلى وزارة العمل والشئون الاجتماعية في عام 1961. وفي الوزارة الأخيرة حصل على ترقيات سريعة دفعته إلى مناصب متقدمة مثل مدير عام الوزارة ثم وكيل الوزارة وهو لم يبلغ الأربعين، الأمر الذي أزعج بعض زملائه من الحساد وذوي النفوس المريضة، فبدأوا في ترويج الإشاعات وتدبير الدسائس ضده. 

وطبقا لما قاله بنفسه في حواره مع صحيفة الجزيرة (مصدر سابق)، فإن أحدهم أسند لأحد الصحفيين مهمة أن يكتب مقالا بعنوان «إذا سود الأمر إلى غير أهله» دون أن يفصح عن الشخص المعني بهذا الكلام، لكنه كي يوضح للقارئ من هو المقصود بطريقة غير مباشرة، وضع إلى جانب المقال خبرا مفاده أن إذاعة القاهرة رفضت إذاعة كلمات أغنية للشاعر محمد الفهد العيسى لأنها خارجة عن الأدب. واشتدتْ الحملة ضراوة عليه إلى حد أن أحدهم كتب مقالا بعنوان «كي لا نكون مثل بني إسرائيل» لم يشر فيه إلى العيسى صراحة فحسب، وإنما أخرجه من الدين ونعته بـ«الكافر والزنديق والملحد»، وذلك على إثر نشر بعض قصائده الجريئة مطبوعة في لبنان في ديوان «على مشارف الطريق»، وديوان آخر بعنوان «ليديا».

 يقول د. الشبيلي عن هذا الأمر ما معناه أن الحملة على الرجل كانت لها انعكاسات نفسية سيئة عليه بقية عمره، وتسببت في إيقاف صعوده الوظيفي. وهذا صحيح لأن بعض المشايخ لم يكتفوا بما سبق قوله وإنما قاموا أيضا بزيارات عدة للمغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز طالبين منه كف يد العيسى عن العمل. وهذا ما حدث! إذ طلب منه الفيصل أنْ يبقى في البيت ولا يباشر عمله في الوزارة مع استمرار راتبه، فأطاع الأمر وظل حبيس منزله لسنوات لا يبارحه إلا للصلاة في المسجد. لكن حتى هذه العقوبة لم ترض خصومه، فقاموا بمحاكمته شرعا بتهم منها «الزندقة والكفر والإلحاد والزنا» وغيرها (حسب ما جاء في حواره مع صحيفة الجزيرة) وطالبوه أن يعتذر في الصحافة عما كتبه من قصائد، ففعل بنشر اعتذار في جريدتي «المدينة» و«عكاظ»، معتقدا أن ذلك سينهي الزوبعة، رغم أنه أحرج بهذا العمل بعض أصدقائه ممن أبدوا استعدادهم للرد على الاتهامات الموجهة إليه من أمثال الأديب «علي العمير» الذي قال للعيسى «إنك باعتذارك أضعتنا»، فما كان من الأخير إلا الرد بالأبيات التالية:

صبرًا أخا الحرب لا تعجل ولا تَلـُمِ

فلن أضيع أن أقسمت بالقلـــــــــم

ما كان صمتي عن عيِّ ولا خــورٍ

لكن محبرتي شدت إلى اللـــُــــجم

إني الأبي سمائي فوق عالـــــمي

وفوق كل دعي ناعلٍ قـــــــــــــدم

في هذه الأثناء طلب العيسى من الفيصل، الذي كان يعرفه جيدا ويعرف والده، أن يأذن له بالسفر إلى لبنان لاستكمال علاج كان قد بدأه في القاهرة في مطلع الخمسينات، فنال الإذن وسافر، لكن الدسائس ظلت تطارده حتى وهو خارج المملكة، حيث روج خصومه كذبا خبر هروبه من البلاد للارتماء في أحضان مصر الناصرية.

عاد العيسى بعد فترة قصيرة إلى السعودية، لكنه لم يعد إلى وزارة العمل والشئون الاجتماعية، وإنما إلى وزارة الخارجية التي بدأ منها في مقتبل شبابه، ليشغل منصب مدير دائرة الشئون القانونية والإدارية بالوزارة، وهو المنصب الذي بقي فيه لمدة خمس سنوات متواصلة ظل خلالها يعاني من الجرح الذي تسببت فيه الاتهامات الباطلة الموجهة إليه والحكم الذي صدر ضده بأنه «خطر على الإسلام والمسلمين بأفكاره».

لاحقا، في مطلع السبعينات، وقع اختيار الفيصل على الشاعر العيسى ليكون أول سفير لبلاده في بلد المليون شاعر أي موريتانيا، خصوصا وأن هذا البلد كان آنذاك ضمن البلاد التي خطط الملك لزيارته في مسعاه للتضامن الإسلامي. ومن هنا توالتْ عليه المناصب الدبلوماسية، فخدم سفيرا للسعودية لدى كل من قطر والكويت والأردن وسلطنة عُمان بالترتيب، قبل أن يعيِّن في سنة 1996 عضوًا بمجلس الشورى السعودي. غير أنه ما لبث أن عاد إلى السلك الدبلوماسي سفيرًا لدى البحرين في عام 1999، فكانت البحرين آخر مكان مثـّـل فيه بلاده قبل تقاعده من العمل الحكومي الذي دام 57 عاما. 

وفي أعقاب تقاعده تم تكريمه من قبل الديوان الملكي في حفل حضره بعض من المشايخ الذين أساؤوا إليه حينما كان في منتصف شبابه. يقول العيسى إن هؤلاء بادروا بالسلام عليه بحفاوة بالغة خلال الحفل وقالوا له «سامحنا ففي ما مضى من السنوات عملنا هذه الحملات لأن الناس الذين نقلوا إلينا غشــّونا فيك»، مضيفا «تذكرتُ حينها أنه كان هناك ناس يقولون لهم إعملوا كذا وهم يعملون».

إن الذي يغوص في سيرة العيسى سيجد حتما أشياء أخرى غير التي ذكرناها. فمسيرته المهنية لم تقتصر على العمل الحكومي والدبلوماسي، وإنما اشتملت أيضا على عضويته في إحدى لجان المحاسبة بشركة أرامكو النفطية، وعضويته في لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشورى، وعضويته في مجلس إدارة مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر، علاوة على مشاركته في الوفود السعودية إلى العديد من المؤتمرات الخليجية والعربية والإسلامية. كما أن مواهبه لم تنحصر في الشعر فقط، بل شملت تأليف الكتب مثل كتابه «الدرعية، قاعدة الدولة السعودية الأولى» الذي تحدث فيه عن كل ما يتعلق بالدرعية منذ نشأتها وحتى انتقال الحكم منها إلى الرياض؛ وإصدار 13 ديوانا؛ وكتابة العديد من المقالات والبحوث المنشورة في الصحافة. ومن جهة أخرى لم يكتف الرجل بما ناله من تحصيل علمي في مصر، وإنما حصل أيضا على دورات في الإدارة والتنمية والأعمال المصرفية من جامعات عريقة مثل برادفورد البريطانية وميتشغان الأمريكية وجامعة بيروت الأمريكية. لذا استحق عن جدارة ما ناله من أوسمة مثل وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الممتازة، والميدالية الذهبية للمستشرق المجري المسلم «عبدالكريم جرمانوس» من جمعية المستشرقين الهنغاريين.

وطالما أتينا على ذكر دواوينه الشعرية، فقد اعترف الرجل في حواره مع صحيفة الجزيرة أنه تسرع في إصدار ديوانه الشعري الأول «على مشارف الطريق»، موضحا أن قصائد الديوان لم تكن قد «استوت» أو نضجت تماما وكانت تحتاج إلى المراجعة والتأكد من الأخطاء اللغوية التي عادة ما تظهر في الأعمال الأولى لأي أديب، ومضيفا أن من شجعه على ذلك هما المرحومان «عبدالله عريف» و«عبدالعزيز الشاعر» من صحيفة «البلاد». ومما يجدر بنا ذكره هنا هو أن العيسى كان ينشر مقالاته وقصائده أحيانا باسمه الصريح، وأحيانا أخرى كثيرة بأسماء مستعارة مثل «بدوي الدهناء» و«الحطيئة» و«سليم ناجي». غير أن أكثر الأسماء المستعارة التي التصقتْ به هو «الفهد التائه»! 

وقد أبدى د. الشبيلي، في محاضرة له في أكتوبر 2013 ألقاها في مهرجان عنيزة الثقافي الرابع بمناسبة تكريم العيسى، استغرابه من اختيار صاحبنا لهذا الاسم المستعار، قائلا: «إنه غريب أن ينظر أبو عبدالوهاب إلى نفسه ومنذ مطلع شبابه على أنه (الفهد التائه) في حين أنه كان الحاضر دومًا في الوسط الثقافي وفي أذهان محبيه، وفي المجتمعات الستة التي عمل فيها سفيرًا، وكان مجلسه مفتوحًا على الدوام منذ أن بزغ نجمه قُبيل الستينات من القرن الماضي، وكانت مشاركاته الثقافية لا تغيب ولا تنقطع، وإبداعاته الشعرية تتجلّى في كل منعطف مر بالوطن، وفي كل مناسبة أُسرية أو عاطفية أحاطت به، وفي كل لوحة طبيعية سلبت خياله في ربوع (بشرّى) بلبنان و(لوزان) في سويسرا، وكيف له أن يكون التائه وهو الذي أقسم في إحدى قصائده أنه لن يضيع، ولن يستكين؟».

ومما أشار إليه الشبيلي أيضا أنّ في حياة «الفهد التائه» ثلاث محطات هامة أثرت عليه: أولاها حياته المبكرة التي قضاها متنقلا بين مدن الحجاز وحواري مكة ومصائف الطائف وروابيها، والتي انعكست على طباعه وفكره وخياله وشخصيته وحسه الإبداعي في الموسيقى والفنون والأوزان الشعرية، خصوصا وأنه انخرط في هذه الفترة في مساجلات شعرية ولقاءات فكرية جمعته بمثقفي وأدباء مكة من أمثال محمد حسن عوّاد وحمزة شحاتة وعزيز ضياء ومحمد حسن الفقي وحسين سرحان ومحمد سرور الصبّان وعبدالله بلخير وغيرهم، الأمر الذي جعله «عند انتقاله للرياض يعلّق شارة النوتة الموسيقية على مدخل بيته عند شارع الفرزدق قرب الإذاعة، وكأنك داخل إلى دار بيتهوفن أو موتزارت». وثانيتها الهجمة الاحتسابية الشرسة التي تعرض لها من قبل بعض الحساد والمتشددين على نحو ما فصلنا آنفا. أما ثالث المحطات وأشدها تأثيرا عليه فقد تمثل في ما مر به مع أسرته من فواجع متتالية مثل فقد الابن الأكبر «عبدالوهاب» والبنت الكبرى «فوزية»، ثم الابن الأوسط «نزار» ثم الحفيدة «سارة بنت عبدالوهاب»، حيث إنهم رحلوا فجأة وهم في عزّ شبابهم وخلال سنوات متقاربة.

من مآثر العيسى الأخرى أنه كتب كلمات واحدة من أجمل الأغنيات العاطفية في تاريخ الطرب السعودي (أسمر عبر)، كما أنه كتب ولحن في عهد الملك سعود قصيدة وطنية بطلب من الديوان الملكي، كادت أن تتخذ كأول نشيد وطني للسعودية. يقول مطلع القصيدة:

ردد الزمن وانجلى الوسم

فليعش سعود لرفاه الوطن

كتب وتحدث الكثيرون عن العيسى وشعره ورومانسيته ورقي أخلاقه ومساهماته، فوصفه الباحث «أحمد محمد الواصل» بـ«أبو الأغنية السعودية الحافية» شارحا أن «الأغنية السعودية الحديثة تطوّرت مع منتصف القرن الماضي بواسطة ثلاثة مجددّين هم ابن الطائف طارق عبدالحكيم، وابن مكة إبراهيم خفاجي، وابن عنيزة محمد الفهد العيسى، وانتقلت معهم من الموروث الشعبي الجماعي بأدوات الطرب التقليدية إلى الأداء الفردي بالآلات والمعازف الحديثة والنوتة الموسيقية». وقال عنه الأديب يوسف العارف: «كان لقلمه الشعري حضور ثقافي مميز، نلمس فيه قوة الشاعرية وجزالة اللفظ وسهولة المعنى وحداثة التصور، كان حبه إنسانيًا وغزله عفيفًا عذريًا، وفي مضامينه الشعرية حنين واغتراب نفسي يشعر بها القارئ والمتثاقف على شعره، كان من أوائل مَن كتب القصيدة المغناة التي شدا بها أكبر الفنانين في المملكة وغيرها». أما الأديب أحمد اللهيب فقال إن العيسى «اتخذ الفن منهجًا والجمال مقصدا.. لا يبرح عرش الشعر.. رسم لنفسه منهجًا مباينًا لغيره من الشعراء من أترابه ومجايليه في ذلك الزمن الجميل الذي كان فيه للشعر حضور». كما كتب عنه الناقد المصري رجاء النقاش في كتابه «أدباء في المقدمة» فقال إن لغة العيسى الشعرية تأثرت بتجاربه التي انتهت بالعمل الدبلوماسي «مما ألقى عليه عبئا ثقيلا، فقد اصبح من واجبه أن لا يبوح بكل ما يحس به وأن لا ينطق بكل ما يرى من رؤى الوجدان والشعور».

 توفي العيسى في الثاني من أغسطس 2013، وصلي عليه بعد صلاة العصر من اليوم التالي في جامع الملك خالد بأم الحمام، ودفن في مقابر أم الحمام بالرياض. وتشاء الأقدار أن تلحقه رفيقة دربه وابنة عمه «فاطمة الصالح العيسى» (أم عبدالوهاب)، التي خصها بالأحلى من قصائده في يونيو 2015.

 

 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا